جولة في قلب بيروت في لبنان في تاريخ 2006-12-03
مريم عيتاني - الجزيرة توك – بيروت
تتجاهلهم وسائل إعلام الموالاة، وتدللهم وسائل اعلام المعارضة.
البعض يعدهم بثقة أن الحكومة ستسقط لا محالة،والحكومة والكثير من رؤساء الدول الأخرى يردون
بثقة أنهم باقون وقويون.
لكنهم دائماً هناك، في ساحة الشهداء ورياض الصلح، في وسط بيروت، في قلب بيروت.
بغض النظر عن مواقفهم ومطالبهم، كان للجزيرة توك هذا التقرير المصور.
البداية
لم أدرِ ماذا أرتدي. كل الألوان محرّمة ومحجوزة. الأخضر (حركة أمل) والأصفر (حزب الله) والبرتقالي
(التيار الوطني الحر) والأحمر (الشيوعي، الديموقراطي، ...) والأزرق (تيار المستقبل)، فاستقريت
أخيراً على الأسود والأبيض. استقليت أنا وأختي سيارة أجرة، لم ندرِ إلى أين بالضبط سنطلب منها أن
تقلّنا، لكننا طلبنا من السائق أن يقرّبنا لأقرب نقطة ممكنة نستطيع منها الذهاب إلى المظاهرة، فوافق،
ثم سألنا: "كمان ما عاجبتكن حالة البلد؟ نازلين تعترضوا؟" فقلنا له: "صحيح حالة البلد ما عاجبتنا،
بس ما نازلين نعترض." فابتسم، وقال لنا: "سآخذكم إلى آخر زقاق البلاط، ومن هناك تنزلون سيراً."
وكان ذلك. وصلنا كانت الساعة حوالي الثانية عشر ظهراً. استقبلنا شريط شائك طويل، وبعض
الدبابات والجنود.
ومن هنا، من أعلى الجسر،ألقينا نظرة إلى أسفل، إلى وجهتنا: قلب بيروت.
هذا ليس مهرجان، ولا معرض. هذا هو اعتصام قوى المعارضة المطالبة بإقالة الحكومة. لكننا حين
نزلنا إلى قلبه، وجدناه أشبه بعالم آخر. عالم كامل.
هنا، كل شيء موجود، أناس من مختلف الأعمار والديانات والانتماءات. كبار صغار، أغنياء، فقراء.
جينز وبدلات و"تعتير". تزامن وصولنا مع وصول الحزب الشيوعي اللبناني و"جايي مع الشعب
المسكين" (أغنية زياد الرحباني الشهيرة) الذي أعلن اليوم انضمامه للاعتصام.
وصول الحزب الشيوعي، وأعلامه الحمراء والمنجل الأصفر
ماذا يفعل الناس هنا، حيث مضى عليهم ثلاثة أيام؟ يقولون أنهم باقون لو تطلب الأمر للأبد.
ماذا يطلبون؟ ماذا يأكلون؟ كيف يقضون أوقاتهم؟
لن أطيل عليكم بالحديث كثيراً، فالصور تحكي كل الحكاية.
لافتات وشعارات
الجميع هنا يطالب بإسقاط الحكومة. يتهمونها بالعمالة لأمريكا واليهود، ويصفون قادة 14 آذار بصفات أخفها "عملاء".
أبرز الشعارات: "أخضر أصفر ليموني (برتقالي) بدنا نسقط الحكومي (الحكومة) "
نجده مكتوباً على الكثير من اليافطات المحمولة. الصور تظهر بعض الشعارات، لكن ما يقال أكبر وأكثر تنوعاً.
فمثلاً، وعلى غرار الشعار السابق، يقول أحد الشباب:
"أخضر أصفر كلمنتين (الكلمنتين هو الليمون الصغير عندنا، أي أفندي) بدنا نسقط سعد الدين (أي سعد الدين الحريري)"
و:"بدنا ناكل بدنا نعيش بدنا يبقى أبو الميش (أي ميشال عون)"
فتكمل مجموعة من الشباب:
"بدنا ناكل بدنا نعيش بدنا نتاجر بالحشيش" (معظم اهل بعلبك والبقاع الشرقي يعيشون بتجارة وزراعة الحشيش).
وتتردد هتافات أخرى، "من سوريا علبنان أنت البطرك يا سليمان (سليمان فرنجية)"
"يا سنيورة قول الحق مسيحية ولا لأ" (ردا على قول أن المتظاهرين شيعة فقط)
"دخيل اسمك يا الله بري وعون ونصر الله"
و:"يا فؤاد السنيورة
خد من نايلة تنورة (نايلة معوض)
بدك تهرب متنكر
زي شو وحدة شقورة (امرأة شقراء)"
"نحن الوحدة الوطنية اسلام ومسيحية"
"الليلة عيد، الليلة عيد، الليلة ليلة عيد، بدنا نجدد للحود من أول وجديد"
(لإغاظة فريق الأكثرية المطالب بإقالة لحود، رغم أن قوى المعارضة بمعظمها لا تمانع تغيير رئيس الجمهورية.
وأيضاً:
إشارة إلى دموع السنيورة أمام الوزراء العرب.
"شاي فتفت"
"شاي فتفت" غدا هنا أشهر أنواع الشاي.
يقول أحد الشباب محاولاً اختراع إعلان تجاري له:
"بدك مرتك تتستت (أي تصير ستّ) شرّبها شاي فتفت."
القصة ليست هنا. إنها قصة الشاي الذي قدمته قوى الأمن في ثكنة مرجعيون بأمر من رؤسائهم بعد
استسلامهم (أيضا بأمر من رؤسائهم) إلى الجنود الصهاينة.
وفتفت هو أحمد فتفت، وزير الداخلية بالوكالة، وبهذا هو المسؤول الأعلى عن قوى الأمن الداخلي.
فماذا تحكي اللافتات عن الشاي؟
وبائعون وأسواق!
وعلى ذكر الشاي، نذكر الكعك، وباعة الكعك المنتشرون بكثرة.
البائعون هنا قسمين، قسم يبيع المأكولات، وقسم يبيع البالونات والأعلام وما شابه.
البالونات كما كل ما سبق: أخضر،أصفر، برتقالي.
الخيام إن حكت!
خيمة قيد البناء:
وخيمة من الداخل. سألتهم ممازحة، "كيف ملاقيين القعدة بالخيمة؟" فأجابني أحدهم: "جنة في سبيل تحقيق مطالبنا."
وخيام الجيش، الذي شاء أم أبى، مخيم هنا.
والأطفال...
رحلة العودة
وبعدها، بدأنا رحلة العودة، نشق طريقنا وسط الحشود إلى حيث أتينا.
الناس تأتي وتذهب في مظاهرات صغيرة متنقلة تجوب مكان التجمع، تغني، تهتف و"تتسلى".
وبينما كنا في طريق العودة، كانت هناك حشود كثيرة آتية من جهات مختلفة.
فإن كان كل هذا يدل على شيء، فإنه يدل على أن هؤلاء، هم ليسوا كما تقول الأغلبية الحاكمة، أقلية أو وهم، أنهم حقيقة.