انقل لكم موضوع
الأسرة في الجاهلية والإسلام
من معاني الأسرة - كما في معاجم اللغة العربية -: الدرع الحصينة، وأقارب الرجل الأدنون، وأهل بيته، الذين يتقوى ويحتمي بهم كما يحتمي المحارب بالدرع، ومن المجاز البليغ - كما قال الزمخشري - قولُهم: شدَّ الله أَسْرَه؛ أي: قوى إحكام خلقته.
والأسرة في التاريخ القديم، وعند أكثر الأمم، اعتبروها وحدة اجتماعية، يرأسها الأب، وكان العرب يعتبرون القبيلة هي الوحدةَ السياسية والاجتماعية، كما قال "سمث"، وقال "روبرت لوي": "إنهم كانوا يعتبرون الأسرة هي الوحدةَ الاجتماعية الصغرى، التي نمت بعد ذلك حتى صارت عشيرة أو قبيلة"، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن عرب الجاهلية، لم يعرفوا زواجًا مستمرًّا، ترتبط فيه المرأة برجل معين، وإلى أجل غير مسمى؛ لأنهم كانوا يجرون على نظام النكاح المؤقت، الذي ظل شائعًا بينهم، حتى جاء الإسلام، فأباحه الرسول - عليه الصلاة والسلام - لأصحابه فترة من الزمان، عرف فيها هذا النكاح المؤقت باسم "نكاح المتعة"، كما ذهبوا إلى شيوع الإباحية الجنسية عند العرب قبل الإسلام، وذلك ما سجله المؤرخ "سترابون" في معجمه الجغرافي على العرب في بلاد اليمن، غير أن الباحثين المحققين قديمًا وحديثًا، قد أثبتوا بطلان ما سجله "سترابون" هذا، وأثبتوا أن علاقة الرجل بالمرأة في العصر الجاهلي كانت لها نظم أربعة، أشار إليها الحديث الصحيح، بلسان السيدة عائشة أم المؤمنين، التي قالت - رضي الله عنها -: "إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:
أ- فنكاح منها نكاح الناس اليوم.
ب- والنكاح الثاني: كانوا يسمونه نكاح الاستبضاع، وهو أن يقول الرجل لامرأته، إذا طهرتْ من حيضها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ثم يعتزلها زوجها جنسيًّا، حتى يظهر حملها من ذلك الرجل، فإذا ولدت منه، نسب الولد إلى أبيه لا إلى أمه، وهذا النكاح لم يكن شائعًا عند العرب، ولا مقصورًا عليهم، كما سنبين ذلك قريبًا.
ج- والنكاح الثالث: نكاح المشاركة أو الرهط، وهو أن يجتمع رجال دون العشرة، فيدخلوا على المرأة؛ ليصيبها كل منهم، فإذا حملت، اجتمعوا عندها، لتختار منهم مَن تُلحق به ولدها، وهذا النكاح الثالث كان دخيلاً على العرب من الفرس في أثناء حكمهم لليمن، وتسلطهم على الحيرة قريبًا من الكوفة، في عهد الساسانيين.
د- والنكاح الرابع كان نكاح الإماء البغايا، اللائي كن دخيلات على العرب، الذين كانت أغلبيتهم العظمي لا يعترفون إلا بالنكاح الأول المشروع، الذي أقره الإسلام فيما أقرَّ من النظم الجاهلية، التي لم يرَ بها بأسًا في مجموعها، وأدخل عليها ما أدخل من التعديل، والتنظيم، والتهذيب؛ لأنه وحي السماء، الذي لم يُبِح مثلاً - وحاشاه - نكاحَ الاستبضاع، الذي أباحه أفلاطون في "جمهوريته"، كما أباحه ليكورغ مشرع إسبرطة، وأباحته شريعة سولون للمرأة التي يعجِز زوجها عن معاشرتها جنسيًّا، وأقرته شريعة مانو للهنود، وكل هذه الشرائع الوضعية لا قيمة لها، ولا عبرة بها في جنب الإسلام شريعة السماء، وخاتمة الشرائع:
وَلا يَسْتَوِي وَحْيٌ مِنَ اللهِ مُنْزَلٌ وَقَافِيَةٌ فِي الْعَالَمِينَ شَرُودُ
أما أهم ما أزاله الإسلام من الأنظمة الجاهلية للأسرة، وأهم ما جاء به عوضًا عنها:
فأولاً: أنكر الإسلام على عرب الجاهلية - أول ما أنكر - اعتبارَهم عقدَ الزواج صفقةً تجارية، ومن هنا وصفوا الأنثى عقب مولدها بأنها "النافجة"، قائلين في التهنئة بمولدها: "هنيئًا لك النَّافِجَة"، وذلك ما سارت به أمثالهم العربية، ومعنى النافجة: التي تنفُج مالَك، وتزيده بما تأخذه من مهرها، وهو العوض الذي يدفع لأهلها، وبما تأخذه من صَداق، وهو العوض الذي يدفعه الرجل لها هي، وبفضل الصداق والمهر ينفتج حالُ والد العروس ويتضخم؛ وإنصافًا للحقيقة والتاريخ، نقرر أن بعض سادات العرب وأشرافهم كانوا يأنفون من تضخيم ثرواتهم وأموالهم بمهر أو صداق؛ ومن هنا فخرت إحدى الزوجات العربيات بأن زوجها ووالد بناتها لا يأخذ مهرًا أو صداقًا، مما كانوا يسمونه "حُلْوانًا"، وفي ذلك قالت هذه الزوج الأم الفخور بزوجها المتعفف:
لاَ يَأْخُذُ الحُلْوَانَ مِنْ بَنَاتِيَا
كما قال زوج عربي يفخر بذلك أيضًا: