منها إنطلقت الأبجدية وانتشرت حول العالم
معالم جبيل تروي 7000 سنة من الحضارات
إليان بطرس
"تمهّل، أنت في جبيل"، أي على ارض اقدم وأعرق مدينة في العالم.. هكذا يستقبل أهل البلدة اللبنانية زوارهم الذين يشقون طريقهم بين الجموع وباعة الكعك والحرفيين المحليين، للغوض في أرجاء هذه المدينة الساحرة، وزيارة معالمها الأثرية، وتلقّف بقايا الحضارات التي تعاقبت عليها طيلة ٧٠٠٠ سنة.
وعلى مرفأ جبيل الفينيقي الذي كان قبلة العالم، ومن أشهر المرافئ على الإطلاق، ترسو أمام ناظري السياح قوارب الصيادين التي تميل مع الموج، وفي هذه المياه يصطاد الناس أفضل السمك، مما يفسّر وجود هذا الكم الهائل من أفخر مطاعم السمك في لبنان.
"جبيل" إسم غارق في التاريخ، له أكثر من تفسير. فهو "نبع الإله" إذا قسّمنا الإسم إلى "جب" و"أل"، حيث "جب" يعني ينبوع أو نبع، و"أل" يشير إلى الله. وإذا ذهبنا إلى تفسير مرادف الإسم باليونانية "بيبلوس"، نرى أن هذه الكلمة تعني مخطوطة، في إشارة إلى دور هذه البلدة التاريخية بإكتشاف الأبجدية ونشرها حول العالم. غير أن هذه التسمية قد تعود أيضاً لواقع إعتبار جبيل مرسى للسفن المحمّلة بورق البردى أو المخطوطات المصرية المتجهة الى بلاد الإغريق.
جولة في أرجاء البلدة
لدى دخولك هذه المدينة الرائعة، أول ما يلفت انتباهك هو هذا التمازج الرائع بين القديم والجديد. فترى مواقع أثرية قديمة جداً كالكنائس والمرفأ والبيوت الصغيرة القديمة، جنباً إلى جنب مع المباني الزجاجية الجديدة. فلمحبي الأماكن الأثرية، تعتبر جبيل من أحلى المدن كونها تحتوي على أثار تعود لآلاف السنين. لكن أكثر ما ميّزها وزاد من شهرتها هو مرفأها الفينيقي الذي كان على تواصل مع مصر واليونان في الألف الثاني قبل الميلاد من خلال تجارة الخشب والرخام.
والنزعة في شوارع جبيل القديمة، وخصوصاً في سوقها المعروف بـ"السوق العتيق"، هي متعة بحد ذاتها. فهذا المكان مخصص للمشاة، تملؤه من اليمين واليسار محلات تجارية صغيرة تبيع كل أنواع التذكارات التي عادةً ما يبحث عنها السياح، كالطربوش الأحمر، المنتوجات البحرية، العباءات، الملابس الفولكلورية، مجسمات عن المعالم الأثرية في جبيل ولبنان.. لكن أكثر ما يلفت نظر السياح التماثيل الفنيقية الموجودة بكل الأحجام والأسعار. وما يضيف سحرا" على هذا السوق القديم الرائحة الذكية المنبعثة من محلات الأكل وخاصة "المناقيش"، الموجودة في كل زاوية من المكان.
بالأضافة الى السوق، لا بد لزوار جبيل من زيارة متحف الشمع الذي يجسد طبيعة الحياة القروية اللبنانية من خلال تماثيل من الشمع.
والمميز أيضاً في مدينة جبيل أو بيبلوس ، وكمعظم المدن اللبنانية، تضم جوامع وكنائس متلاصقة، مما يكّرس ميزة التعايش الإسلامي – المسيحي الذي يعرف بها لبنان. فنجد مسجد السلطان عبد المجيد العائد إلى العام 1648، وكنيسة القديس يوحنا مرقس التي أشيدت في العهد الصليبي (عام ١٢١٥). أما بالنسبة لقلعة جبيل التي تشرف على المرفأ، فقد بناها الصليبيون في القرن الثاني عشر.
أما عمشيت، وهي بلدة واقعة شمالي جبيل، فتتميز بشواطئها الرائعة التي تجذب في الصيف المئات من محبي رياضة السباحة في لبنان، كما توفر مساحة مخصصة للتخييم، مما يجعلها مركز التقاء الشباب من جميع أنحاء العالم.
وفي موقع مقابل لعمشيت، جنوبي جبيل، يمتد "نهر إبراهيم" الذي يمزج الواقع بالخيال، من خلال الاسطورة التاريخية الغريبة المرتبطة به. فعلى ضفاف هذا النهر مات الإله الأسطوري "أدونيس" خلال رحلة صيد. ويقال أن حبيبته "عشتروت" التي تبكيه بغزارة في كل ربيع تقيمه من الأموات، فيتلوّن النهر بالأحمر، بحسب هذه الأسطورة. ومن هنا جاءت تسمية نهر إبراهيم بـ"نهر الإله أدونيس".
نهايةً، وإلى جانب المعالم الأثرية التي لا يكفي يوم واحد في البلدة لزيارتها بأكملها، تبقى مهرجانات جبيل من أهم المحطات السياحية التي يعاد تنظيمها سنوياًُ، دون إنقطاع. ففي الصيف من كل عام، تقام مهرجانات في القلعة الأثرية يحييها أهم نجوم العالم، الذين يعتلون المسرح في المدرج الاثري بالهواء الطلق، ليقدموا للسياح والزوار لحظات لا تنتسى، تبقى دوماً مطبوعة بالذاكرة. خير مثال على ذلك مسرحية "زنوبيا" للرحابنة التي تم تقديمها خلال موسم الصيف الفائت، ولاقت نجاحاً ضخماً بالرغم من الأوضاع الأمنية السيئة في البلد، فإضطر المنظمون إلى تمديد عرضها أكثر من مرة.
تابوت أحيرام
وأخيرا"، يبقى أن الأمر الذي أدخل مدينة جبيل في التاريخ العالمي والذي جعلها تأخذ اسم معقل الحضارات هو تصدبرها للأحرف الأبجدية. فمن هذه المدينة انطلقت أول الحروف الأبجدية والتي تتفرع منها اليوم الأبجديات المعاصرة مما جعل مدينة جبيل خالدة في التاريخ. فأقدم كتابة فينيقية بالابجدية وجدت على ناووس احيرام الذي يعود الى القرن الثالث عشر قلب المسيح، أحد ملوك المدينة. فناووس أحيرام ما زال موجودا" حتى أيامنا هذه و يمكن رؤيته في المتحف الوطني اللبناني.