فى بيئة مغرمة بإنجاب البنين .. ولدت الزهراء – فاطمة بنت محمد صلى الله عليه و سلم – و كانت الرابعة فى سلسلة من البنات أنجبهن المصطفى (ص) ، وقد سبقتها شقيقاتها زينب و رقية و أم كلثوم .
بعد أن نجح " الأمين " فى حل مشكلة القبائل الخاصة بوضع الحجر الأسود مكانه من بناء الكعبة ، و كانت سنه آنذاك خمسا و ثلاثين سنة ، عاد إلى بيته ليستقبل بالبشرى .. لقد ولدت له فاطمة ، فأقبل محمد على زوجه (خديجة ) مهنئا ، ثم حمل طفلته يباركها فى ذلك اليوم الميمون ، و نظر إلى السماء شاكرا ما آتاه الله من رزق .
و كانت الصغرى فاطمة تنال من حب شقيقتاها – خاصة زينب : كبراهن – كل الرعاية ، بل كانت زينب تعتبر نفسها أما ثانية لفاطمة . و يذكر أن زينب حين تزوجت من ابن خالتها أبى العاص بن الربيع ، حزنت لذلك فاطمة حزنا شديدا و نقمت على الزواج ، و ناقشت أختيها : كيف يبعدون عنها أمها الصغيرة ، كيف هان على الأسرة أن أن تفرط فى زينب ، بل تقيم الاحتفال بهذا الحدث الجلل !!! .. و تقوم رقية بالدور فتحيط أختها الصغيرة بما كانت تحيطها به زينب .
و قد أدركت بنات النبى جميعهن الإسلام و أسلمن و هاجرن معه .
و فى سن الخامسة .. حدث الحادث الجلل .. بعث محمد خاتما للأنبياء و المرسلين .. فأقبلت على مرحلة جادة تخلت فيها عن متطلبات الطفولة ، بل استقبلت الحياة الجديدة فى شجاعة و ثبات ، و قد سرها إسلام أمها و أخواتها و ابن عمها على بن أبى طالب الذى كان النبى يربيه فى بيته كأخ لها ، و كان يكبرها بأربع سنوات ، فوقفوا جميعا إلى جوار أبيها الأعزل إلا من سلاح الإيمان ، الوحيد و معه ثلة قليلة أنهكها الاضطهاد .
الحبيبة بنت الحبيب
(2)
الحبيبة
ذهب رسول الله (ص) إلى الكعبة يوما ، فهاجمه المشركون قائلين له : أأنت الذى تسفه معبوداتنا ؟ .. فقال لهم نعم ، فأخذ رجل منهم برداء رسول الله ... و كانت هناك فاطمة – طفلة , شلها الرعب – فإذا بأبى بكر يدافع عن رسول الله قائلا : أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ، فتركوا رسول الله و أمسكوا بأبى بكر ولم يتركوه إلا وقد شج رأسه .
و ترك الرسول البيت الحرام و ابنته تتابعه فى الطريق ، فما لقيه أحد إلا كذبه و آذاه .
و مرة أخرى شاهدته ساجدا فى الحرم ، فجاء ( عقبة بن أبى معيط ) بأحشاء جمل فقذفه على ظهره ، فلم يرفع صلى الله عليه و سلم رأسه حتى أتت فاطمة و رفعت الأحشاء و دعت على من فعل ذلك ، فقام النبى و دعا ربه : " اللهم عليك الملأ من قريش ، اللهم عليك أبا جهل بن هشام ، و عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و عقبة بن أبى معيط " .. و انصرف إلى بيته تتبعه الزهراء .
ملاحظة : هؤلاء الذين دعا عليهم رسول الله قتلوا جميعا فى غزوة بدر .
وحين نزل قوله تعالى : " وأنذر عشيرتك الأقربين " .. نادى رسول الله قومه :
" يا معشر قريش ، اشتروا أنفسكم ، لا أغنى عنكم من الله شيئا ...
يا بنى عبد مناف ، لا أغنى عنكم من الله شيئا .. يا عباس بن عبد المطلب ، لا أغنى عنك من الله شيئا ، و يا صفية بنت عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا ، و يا فاطمة بنت محمد ، سلينى ما شئت من مالى ، لا أغنى عنك من الله شيئا "
فماذا كان من فاطمة ؟ ...... قالت على الفور : لبيك يا أحب والد و أكرم داع .
و فى مرة أخرى ضرب المصطفى المثل بفاطمة ، حين تشفعوا لامرأة من قريش سرقت ، فأرسلوا أسامة بن زيد إليه فقال له قولته المشهورة: " لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها "
هذان المثلان يدلان على منزلة الزهراء عند رسول الله صلى الله عليه و سلم .
و عن ابن جريج قال : " قال لى غير واحد : كانت فاطمة أصغربنات النبى (ص) و أحبهن إليه " .
و قال رسول الله ( ص) : " خير نساء العالمين أربع : مريم و أسية (امرأة فرعون) و خديجة و فاطمة " .... رضى الله تعالى عنهن أجمعين .
الحبيبة بنت الحبيب
(3)
معاناة
وجدت الصغيرة من العناء الكثير من جراء دعوة أبيها ، فها هى تشارك قومها الحصار فى شعب أبى طالب ، حيث كابدت الجوع و العطش سنين ، و لم يكد ينفك الحصار و تعود إلى مكة حتى ابتليت بموت أمها على مشهد منها ، و بعد هذه الخطوب رُزئت بهجرة أبيها دونها إلى المدينة ، ثم هاجر ابن عمها على بعد هجرة أبيها بثلاثة أيام .. و بقيت وحدها مع أختها أم كلثوم .
و قد أرسل المصطفى بعد حين من يأتى بهما ، فما كان من المشركين إلا أن أرسلوا خلفهما من يؤذيهما ، و كان ( الحويرث بن نقيذ ) الذى كان يؤذى من قبل أباهما ، فلحق بهما و نخس بعيرهما فألقى بهما على الأرض ، فما كان منهما إلا أن أكملا الرحلة إلى بثرب سيرا على الأقدام .. و قد أحل النبى دم الحويرث الذى قتله على بن أبى طالب بعد فتح مكة .
ولقد سرّت الزهراء حين آخى النبى بين المهاجرين و الأنصار و أمسك بيد على بن أبى طالب و قال " هذا أخى ".
وفى عامها الثامن عشر كانت المصاهرة بين سيد الخلق و بين على بن أبى طالب .
جلس علىٌ على استحياء قريبا من رسول الله الذى قال له :
- ماحاجة ابن أبى طالب ؟
فرد عليه بصوت حيى منخفض غاضا بصره :
- ذكرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم .
فقال الرسول (ص) : مرحبا بك و أهلا .
و لم يكن على يملك ما يؤهله للزواج . فقال له رسول الله (ص) : ألم أعطك درعا كنتَ قد غنمته ؟ .. فأعطِها إياها ... فباعها على لعثمان بن عفان بأربعمائة و سبعين درهما .. كان منها جهاز العروس .
و فى تلك الليلة زار النبى العروسين حيث طلب ماء فقرأ عليه شيئا من القرآن و أمر العروسين أن يشربا منه ثم توضأ بالباقى و نثره على رأسيهما و دعا لهما : " اللهم بارك فيهما ، و بارك عليهما ، و بارك لهما فى نسلهما " .
الحبيبة بنت الحبيب
(4)
التقشف
فى بيت على بن أبى طالب كانت حياة الزهراء خالية من أى مظهر من مظاهر الترف بل كانت حياة كلها تقشف .. عكس أخواتها زينب و رقية و أم كلثوم اللاتى تزوجن من أثرياء ، فقد كان على رجلا فقيرا ابن رجل فقيرهو أبو طالب الذى كان شريفا فى قومه لكنه كان فقيرا كثير العيال حتى أن محمدا (ص) طلب من عمه العباس أن يتكفل بولد من أولاده و يتكفل هو (ص) بآخر .. و كان هذا الآخر هو على .
و قد ذكرأحد مؤرخى السيرة أن فاطمة ذكرت فقر على حين تقدم لطلبها من أبيها , فقال صلى الله عليه و سلم : " إنه سيد فى الدنيا و إنه فى الآخرة من الصالحين ، و إنه أكثر الصحابة علما و أفضلهم حلما و أولهم إسلاما "
تزوجت فاطمة و كان جهازها يتكون من وسادة حشوها ليف و رحاءين و سقاءين و بعض العطر و الطيب ... لم يستطع على أن يوفر لها خادما ، بل كان يساعدها ما أمكنه , ثم طلب منها أن ترجو أباها أن يعطيها خادما تعينها ... استمعوا إلى هذا الحوار :
- الرسول (ص) : ما جاء بك يا بنية ؟
- جئت لأسلم عليك !!! و استحيت أن تسأله مسألتها .
فقام على و صحبها إلى رسول الله (ص) و تولى عنها السؤال , فأجابهما الرؤوف الرحيم :
- لا و الله , لا أعطبكما و أدع أهل الصفة تتلوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم !!!!
لكن الرسول (ص) عليه كان له معهما موقف : لقد رجعا إلى بيتهما يحاولان النوم ، و لكن قسوة البرد منعتهما النوم رغم انكماشهما فى غطاء إن ستر رأسيهما بدت أقدامهما , و إن غطيا أقدامهما بدت رؤوسهما .. و إذا بأبى الزهراء يدخل عليهما :
- ألا أخبركما بخير مما سألتمانى ؟
- بلى يا رسول الله .
- كلمات علمنيها جبريل : تسبحان الله فى دبر كل صلاة ثلاثا و ثلاثين , و تحمدان ثلاثا و ثلاثين ، و تكبران ثلاثا و ثلاثين ................ و انصرف .
يقول الإمام على : " فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن ... حتى و لا ليلة صفين " .
شوهد رسول الله (ص) يسعى إلى بيت فاطمة مهموما , و بعد أن قضى بالدار مدة خرج منشرح الصدر ، فقالوا له : " رأيناك تدخل على حال وتخرج على وجهك البشر" .. فقال : " و ما يمنعنى و قد أصلحت بين أحب اثنين إلى " .
و فى موقف آخر , خرجت الزهراء تتوعد عليا بأن تشكوه إلى رسول الله فخرج مسرعا فى أثرها حتى جاءت أباها و شكته , فأرضاها النبى و أوصاها بالرفق بعلى و احتماله ... و فى طريق العودة قال لها على كرم الله وجهه : " و الله لا آتى شيئا تكرهينه أبدا ".
الحبيبة بنت الحبيب
(5)
أزمة عاصفة
هم على بن أبى طالب ذات يوم أن يجمع مع الزهراء ضرة .. يتزوج عليها – و كان ذلك قبل إنجاب ابنهما الحسن فى العام الثالث من الهجرة !! و يتزوج بمن ؟ .. تلك هى المشكلة .. بابنة (عمرو بن هشام ) و من عمرو بن هشام ؟ إنه عدو الإسلام الأول الملعون أبو جهل !!! ...
هل من المتصور أن يجتمع فى دار واحدة ابنة أشرف الخلق و ابنة أشر الخلق ؟ .. هذا ما لا يرضاه الله و لا رسوله و لا المؤمنون ..
و هنا انبرى رسول الله صلى الله عليه و سلم معترضا , فهو لم ينكر على على الزواج حتى و لو على ابنته فاطمة , و لكنه لا يريد أن يروّع ابنته بابنة أعدى أعدائه .
لقد كان لدى رسول الله فى ذلك الوقت ثلاث زوجات , فهو لا يحل لنفسه ما يحرمه على على , و قد قالها : " إنى لست أحرم حلالا و لا أحل حراما , و لكن و الله لا يجمع بنت رسول الله و بنت عدو الله بيت واحد أبدا " .
و لقد استمرت خديجة رضى الله عنها زوجا وحيدة لرسول الله صلى الله عليه و سلم خمسا و عشرين سنة , و لم يكن زواجه – بعد موتها – إلا لأسباب تمت إلى نصرة الدين بصلة.
انطلق رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المسجد مغضبا و خطب فى أصحابه :
" إن بنى هشام بن المغيرة (أبى جهل) استأذنونى أن ينكحوا ابنتهم على بن أبى طالب , فلا آذن لهم , ثم لا آذن لهم , ثم لا آذن لهم .. إنى أتخوف أن تفتن ابنتى فى دينها ".
انصرف على إلى بيته بعد سماعه الخطبة , فوجد الزهراء مهمومة حزينة باكية , فجلس إلى جوارها , و همس لها : " هبينى أخطأت فى حقك يا فاطمة , فمثلك أهل للعفو و المغفرة .....
أجابته فاطمة بعد حين : " غفر الله لك يا ابن العم " .. فلثم أطراف أصابعها , و راح يروى لها ما حدث فى المسجد , فاغرورقت عينا ها بالدموع تأثرا بعطف أبيها و انفعالا بموقفه ... ثم قامت للصلاة .
و تعود الحياة إلى البييت هانئة بعد تلك الأزمة العنيفة : الزهراء تبذل الجهد قدر ما تمكنها صحتها التى لم تتكيف على جو المدينة , و على يحيطها بالحب و العطف و الرعاية , و يساعدها قدر ما يتسع وقته فى أعمال المنزل .
و يقع الحادث السعيد المرجو .. فى السنة الثالثة من الهجرة تضع الزهراء بكرها ( الحسن بن على ) , يصل النبأ إلى المصطفى صلى الله عليه و سلم , يخف إليها مسرعا , فرحا مبتهجا متهللا , يحمل الوليد , يتلو فى أذنيه الأذان .. و كان يوما مشهودا احتفلت به المدينة المنورة , و تصدق الجد (ص) على الفقراء بزنة شعره فضة ... و لم يكد الوليد يبلغ عاما و نصف العام حتى لحق به فى الحياة شقيقه (الحسين ) فى شهر شعبان سنة أربع من الهجرة .
كان رسول الله صلى الله عليه و سلم فى السنة الرابعة من الهجرة فى السابعة و الخمسين من عمره ، لم يكن يعيش له أولاد , و لكن قلبه امتلأ بالحب لحفيديه الحسن و الحسين و كان يغمرهما بالحنان و يدعوهما ابنيه , فكان يقول لفاطمة : " ادع لى ابنى , فإذا ما جاءا ضمهما إليه و شمهما " , و لقد أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحسنين , و قال لأسامة بن زيد : " هذان ابناى و ابنا ابنتى , اللهم إنى أحبهما فأحبهما , و أحب من يحبهما ".
لقد كان لفاطمة الشرف العظيم من الله سبحانه و تعالى أن جعل فى ولديها أشرف سلالة هى سلالة المصطفى عليه الصلاة و السلام ..
فاطمة التى ذهب على بن أبى طالب يوما ليسأل النبى : " أيهما أحب إلى رسول الله : ابنته فاطمة أم زوجها على بن أبى طالب , فقال المعصوم فى ابتسامة : فاطمة أحب إلىّ منك , و أنت أعز علىّ منها !!!!!!
فى مرة – مر رسول الله على بيت أحبائه , فوجد الحسن يبكى و يطلب طعاما و ابويه نائمين , فلم تطاوعه نفسه أن يوقظهما , و قصد غنمة فحلبها و سقى منها الحسن حتى ارتوى !!
و فى أخرى مر فسمع الحسين يبكى فعاتب ابنته قائلا : " أو ما علمت أن بكاءه يؤذينى ؟
ثم كانت المولودة الأولى : زينب سميت على اسم خالتها الراحلة زينب بنت محمد (ص) , ثم كانت أم كلثوم بعد عامين من مولد زينب .
لقد ماتت بناته الثلاث : زينب و رقية و أم كلثوم فى حياة أبيهن (ص) و بقيت له فاطمة و نسلها ما بقى هو على قيد الحياة .
الحبيبة بنت الحبيب(7)
عاطفة الأبوة
مات ولدا الرسول الكريم : القاسم و عبد الله فى باكر أيامهما , وأما ابراهيم الذى رزق به المصطفى صلى الله عليه و سلم فى السنة الثامنة من الهجرة , فقد لقى وجه ربه قبل أن يستكمل العامين .
و ماتت بناته الثلاث : زينب و رقية و أم كلثوم , و هن فى ربيع العمر , و لم يتبق له إلا فاطمة التى ملأت هى و بنوها دنيا المصطفى بهجة , فأحاطهم بموفور عطفه و حنانه .
كان ينادى الحسنين ( الحسن و الحسين ) بـ ( ولدىّ ) و كان يدعو زينب و أم كلـــــثوم ( الصغيرتين ) اللتين عوضتاه عن فقد ابنتيه زينب و أم كلثوم (الكبيرتين ).
حمل الرسول (ص) أحد حفيديه إلى المسجد و وضعه جانبا , و صلى بالناس فأطال السجود , سألوه لم أطال ؟ فقال إن ابنى ارتحلنى (امتطى ظهرى ) فكرهت أن أعجله .
وقف يوما يخطب فى المسلمين فأقبل الحسن و الحسين يتعثران فى رداءيهما , فقطع خطبته و قام إليهما فوضعهما بين يديه .. ثم أكمل الخطبة .
دُعى يوما إلى طعام , فإذا بالحسين فى الطريق يلعب مع أترابه , فأخذه و قبله و قــال : " حسين منى و أنا من حسين . اللهم أحب من أحب حسينا " .. و هنا قال قائل : " و الله إن لى ولدا ما قبلته قط " , فيرد الرءوف الرحيم : " من لا يرحم لا يرحم " .
ثم تبدأ مرحلة جديدة فى حياة الزهراء .. الرسول (ص) يستعد للسير لفتح مكة .
الحبيبة بنت الحبيب(8)
إلى مكة !!النور يضئ الجزيرة العربية !! .. محمد صلى الله عليه – بنصر من الله يستعد للعودة إلى أصل الديار .. إلى أحب البقاع إلى قلبه .. إلى مكة .. ثمانية أعوام و الزهراء تتحرق شوقا إلى الأوبة .. تجلس مع الفارس المغوار على بن أبى طالب يتسامران حول مراتع الطفولة التى كانت و ذكريات الصبا الذى كان ..
كيف مكة الآن يا ترى ؟ .. كيف بيتنا الذى كان لنا , الأحباب ؟ .. مثوى خديجة !!
خرجت الزهراء مع الجيش العرمرم ميمما وجهه شطر مقر البيت الحرام , قائده السراج المنير و النبى الخاتم , قائده أبوها , و من أعظم جنوده زوجها !! ..
و تمر أطياف أخواتها : أم كلثوم , رقية , و زينب .. لقد جئن إلى المدينة و لم يخرجن معها , فهن ثاويات الآن فى ثراها .. نفس الثرى الذى يضم جدهن عبد الله !! .
القائد (ص) يعسكر فى " مر الظهران فى انتظار المعركة الكبرى ... و لكن !! .. قريش عن طريق أبى سفيان – الذى سارع إلى الرسول ليعلن إسلامه ... و يتفرق الناس : إما إلى دورهم أو إلى المسجد الحرام أو إلى بيت أبى سفيان ...
محمد – أعظم الرجال – يدخل مكة مطأطئ الرأس شكرا لله العظيم .. دخل الجيش و الفارس المغوار زوج الزهراء يحمل الراية .. الرسول يهبط قريبا من مثوى سيدة النساء خديجة, تصحبه الزهراء ...
سجد المصطفى شاكرا لله .. الجبال تتصدع خشية و رهبة و الجموع – عشرة آلاف - تكبر :
الله أكبر , الله أكبر , الله أكبر , لا إله إلا الله وحده , نصر عبده , و أعز جنده , و هزم الأحزاب وحده , لا إله إلا الله و الله أكبر" ...
طاف الرسول حول البيت سبعا ثم وقف على باب الكعبة يخطب فى الناس :
" يا معشر قريش : ما ترون أنى فاعل بكم ؟ " .. قالوا : " خيرا , أخ كريم و ابن أخ كريم " ..
قال : " اذهبوا فأنتم الطلقاء "
صدق من سماك " الرءوف الرحيم " يا رسول الله ,,,
الحيبية بنت الحبيب
(9)وداعا مكة
تبيت الزهراء ساهرة تستمتع بالعودة و تجتر الذكريات و تتمثل الأحباب : و كأن أمها خديجة رضى الله تعالى عنها تطل على الحبيب فى يوم النصر الأغر , و كأن أرواح شقيقاتها تهفو إلى مراتع الحياة التى كانت سعيدة فى رحاب البيت العتيق .. أرواحهن معها يشاركنها الفرحة بهذا النصر المبين ..
تسهر حتى الصباح لتسمع بلالا بصوته الندى يدعو إلى صلاة الصبح من فوق الكعبة المشرفة , و المسلمون يتوافدون إلى البيت الحرام ليؤدوا الصلاة لأول مرة فى تاريخ الإسلام بالبيت العتيق !!
و يحدث حادث .. فرح الرسول بعودته إلى بلده فرحة عارمة حتى ظن الأنصار أنه لن يغادر مكة , و أن أنس بقومه و قربهم إليه دونهم .. و قال قائل منهم : " لقد لقى و الله رسول الله صلى الله عليه و سلم قومه " .. بل إن شاعرا – حسان بن ثابت – أنشأ قصيدة يعاتب فيها رسول الله لذلك ..
بلغ ذلك الزهراء , فتوقعت أن يكون لهذا العتاب ما بعده .. و بلغ الأمر الرسول فجمعهم و خطب فيهم , و أنهى خطبته بقوله صلى الله عليه و سلم : " ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء و البعير و ترجعوا برسول الله إلى رحالكم ؟ فو الذى نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار, و لو سلك الناس شعبا و سلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار , اللهم ارحم الأنصار و أبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار" ..
بكى الناس حتى ابتلت لحاهم , و هتفوا : " رضينا برسول الله قسما و حظا " ...
و بكى أهل مكة و قد رأوا رسول الله يهم أن يغادرهم راجعا إلى دار الهجرة ..
أما فاطمة , فقد قامت تودع الدار و الجوار و تزور قبر أمها – خديجة – قبل أن يحين موعد الرحيل !!!
لقد كان مقامه فى مكة حلما امتد شهرين و بعض شهر ..
لكن الحلم الأعظم قد امتد عامين .. فيهما كانت الزهراء سعيدة بصحبة أبيها و تنعم بحبه لها و لزوجها و لبنيها ....
(10)
الوداع الأخير
الزمن : أواخر شهر صفر من السنة العاشرة من الهجرة .
المكان : المدينة المنورة .
الحادث : المصطفى يشكو من مرض ألم به .
المسلمون يظنون أنها مجرد وعكة ألمت برسول الله صلى الله عليه و سلم , إلا الزهراء التى ارتعدت لسماع النبأ .. لقد كانت منذ حين تزور أباها عند أم المؤمنين عائشة , استقبلها الأب الرحيم مرحبا " مرحبا يا بنتى " , قبلها و أجلسها إلى يمينه , همس لها أنه يحسب أن أجله قد حان , الزهراء تبكى بحرقة , المصطفى يقول لها :" و إنك أول أهلى لحوقا بى .. ألا ترضين أن تكونى سيدة نساء هذه الأمة ؟ .. ضحكت الزهراء .
عجبت عائشة و قالت : " ما رأيت كاليوم فرحا أقرب إلى حزن " و سألت فاطمة عما أسر به إليها الرسول ، فقالت فاطمة :
" ما منت لأفشى على رسول الله سره " ... الرسول يصبح صحيحا معافى .. و لكن المرض يعاوده , و تراه الزهراء متحاملا على نفسه يدور على نسائه يستأذنهن أن يمـّرض فى بيت عائشة .. الزهراء تسهر عليه و تقيم معه تخدمه و تجتهد فى الدعاء , المرض يشتد برسول الله و يصب الماء على رأسه و يقول : " وا كرباه " .. فتخنقها العبرات و تقول بصوت ملؤه الألم و اللوعة : " وا كربى لكربك يا أبتاه " ..... الرسول يرد عليها : " لا كرب على أبيك بعد اليوم "..................................... و يحم القضاء .. لحق الرسول بالرفيق الأعلى ...
كيف العزاء يا زهراء .. إنه الإحساس باليتم بعد فقد الأب الحنون الرحيم الرءوف ... صلى الله عليه و سلم .
تحاملت الحبيبة على نفسها و راحت إلى قبر الحبيب فأخذت حفنة من تراب القبر و قربتها من عينيها اللتين قرحهما البكاء و راحت تشمها قائلة :
ماذا على من شم تربة أحمد .. ألا يشم مدى الزمان غواليا ؟
صبّـت على ّ مصائب لو أنها .. صبت على الأيام عدن لياليا
بكت .. وبكى الناس , و تركت التراب بتفلت من بين أناملها , تقطعت نياط القلوب , نظرت إلى يديها الفارغتين من التراب , و مضت باكية , و الناس يشيعونها بعيون دامعة .
جاءها أنس بن مالك و راح يواسيها , فقالت له : " كيف مكنك قلبك أن تسلم للأرض جثة رسول الله ..... فشهق و بكى , و لم يجرؤ أحد بعدها أن يتحدث معها مواسيا .....كل مصاب بعد مصابها لمم .
(11)
البيعة
رجال من بنى هاشم يجتمعون مع على على مسمع من الزهراء . الحديث يدور حول : كيف تعطى البيعة لأبى بكر و يتجاوز على بن أبى طالب ؟ , أنه الأحق بالخلافة , فهو ربيب رسول الله , و هو زوج ابنته و ابن عمه , و هو أبو حبيبى رسول الله : الحسنين , و هو أول الناس إسلاما و أكثرهم علما و شجاعة و جهادا .
و يحملها زوجها على دابة و يطوف بها على الأنصار تطلب منهم مساندة ابن أبى طالب ، فيقولون لها : " يا بنت رسول الله لقد سبقت بيعتنا لأبى بكر , و لو سبق زوجك إلينا لما عدلنا به أحدا " .
فيقول على : " أفكنت أدع رسول الله فى بيته و لم أدفنه , و أخرج أنازع فى سلطانه ؟ "
و تقول الزهراء : " ما صنع أبو الحسن إلا ما ينبغى , و لقد صنعوا ما الله حسيبهم و طالبهم " .
وبعد عودتها إلى بيتها , إذ بضجة قرب الباب , إنه عمربن الخطاب يقسم منذرا أن يحمل عليا على بيعة أبى بكر اتقاء الفتنة ... فتصيح الزهراء بكل اللوعة : " يا أبت رسول الله , ماذا لقينا من بعدك من ابن الخطاب و ابن أبى قحافة ؟ (أبو بكر) , فضج الناس بالبكاء , و عاد عمر حزينا مغلوبا على أمره , و جاء إلى أبى بكر و طلب منه أن يذهبا إلى فاطمة يسترضيانها , ولكنها لم تأذن لهما و أشاحت عنهما .....
أبو بكر : يا حبيبة رسول الله , و الله إن قرابة رسول الله أحب إلى من قرابتى , و إنك و الله لأحب إلى من ابنتى عائشة , و لقد وددت يوم مات أبوك أنى مت و لا أبقى بعده , أفترانى أعرفك و أعرف فضلك و شرفك , و أمنعك حقك و ميراثك من رسول الله (ص) , و لكنى سمعته صلى الله عليه و سلم يقول : " نحن الأنبياء لا نورث و ما تركناه صدقة " " .
الزهراء : أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله (ص) تعرفانه و تعملان به ؟
أبو بكر و عمر فى صوت واحد : نعم .
الزهراء : نشدتكما الله , ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاى , و سخط فاطمة من سخطى , فمن أحب فاطمة ابنتى فقد أحبنى و من أرضى فاطمة فقد أرضانى , و من أسخط فاطمة فقد أسخطنى ؟
أبو بكر و عمر : بلى سمعناه من رسول الله (ص)
الزهراء : فإنى أشهد الله و ملائكته أنكما اسخطمانى و ما أرضيتمانى , و لئن لقيت رسول الله لأشكوكما إليه .
فارتعبا لما سمعا , و خرج أبو بكر إلى الناس باكيا , يسألهم أن يقيلوه من بيعتهم , لكنهم أبوا حتى لا تكون فتنة .
الحبيبة بنت الحبيب
(12)الرحيل
لم تعد الزهراء تطالب بشئ بعدها , لكنها كانت دائما مستسلمة للحزن المقيم , الحزن فى القلب , و الهم فى الصدر, والدمع فى العين ... لم يعد لها من أمل إلا أن ترحل للقاء أبيها تحقيقا للبشرى التى كان صلى الله عليه و سلم قد بشرها بها أنها ستكون أول من يلحق به من قومه ...
الزمن : يوم الاثنين الثانى من رمضان سنة 11 هـ .
الأحداث : عانقت بنيها عناق مودع ...
استدعت (أم رافع مولاة أبيها صلى الله عليه و سلم ) و طلبت منها ماء للغسل .
اغتسلت كأحسن ما يكون الغسل , ثم ارتدت ثيابا جديدة .
قالت لأم رافع : " اجعلى فراشى فى وسط البيت ".
اضطجعت على الفراش , استقبلت القبلة ...
أغمضت عينيها .. ثم .. ثم ...
و قام على فحملها – باكيا – و دفنها بالبقيع ..
ودعها .. ثم عاد محزونا إلى بيته الموحش يضم صغاره ..
المسلمون فى كل المدينة محزونون باكون بعد أن شيعوا الزهراء – آخر بنات النبى – إلى القبر , و لم يكن قد مضى على رحيل
المصطفى ستة أشهر .
و فى المدينة – فى نفس الثرى – اجتمعت الأسرة : جثمان الرسول صلى الله عليه و سلم , و زينب , و رقية , و أم كلثوم ... و فاطمة ... رضوان الله عليهمن أجمعين .
و انتهت الحياة الأرضية للزهراء , و لكن التأثير كان عظيما فى الحياة الدينية و السياسية فيما بعد , فقد ظهر الشيعة , و حدثت مأساة كربلاء , و قامت الدول الفاطمية ... تأثير بالغ الأثر .