صدام ووثائق امريكا
قليلة هي المعلومات التي تكشف الغطاء عن الايام الاخيرة للرئيس الراحل صدام حسين في المعتقلات الامريكية، وحتى ما جرى تسريبه منها يظل من طرف واحد، وهو الطرف المنتصر في الحرب الاخيرة، اي الطرف الامريكي.
بالامس اماطت صحيفة الـ'نيويورك تايمز' اللثام عن وثائق تتعلق بالتحقيقات التي اجراها عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف.بي.آي) مع الرئيس صدام بعد وقوعه في الاسر، أبرز ما جاء فيها اعترافه باخفاء سر تدميره لكل ما في حوزته من اسلحة الدمار الشامل حتى لا يظهر بمظهر الضعيف امام ايران التي حاربها لأكثر من ثماني سنوات.
ربما تختلف الآراء حول هذه المسألة، فهناك من سيؤيد الرئيس العراقي في خطوته هذه، لأن معظم العراقيين يعتبرون ايران عدواً لدوداً لبلادهم، وانها ستلجأ يوما ما للثأر لهزيمتها (او عدم انتصارها) في الحرب مع العراق التي خسرت فيها اكثر من مليون جندي على الاقل. وفي المقابل هناك من يعتقد بأن اخفاء سر تدمير هذه الاسلحة عن المفتشين الدوليين، وعدم دعوتهم كشهود على عمليات التدمير من الاخطاء الفادحة للرئيس العراقي، ساهمت في تعريض العراق للغزو والاحتلال تحت ذرائع وجود هذه الاسلحة.
وايا كانت الآراء والتفسيرات، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي عزم الولايات المتحدة الامريكية على غزو العراق واحتلاله، بغض النظر عن اسلحة الدمار الشامل العراقية، سواء وجدت أو لم توجد.
العراق كان يشكل خطراً كبيراً على مشاريع الهيمنة الامريكية على المنطقة الغنية بالنفط اولاً، واسرائيل كدولة تحتل اراضي عربية وتهدد الأمن القومي العربي.
الادارة الامريكية كانت تعلم جيداً ان الرئيس العراقي لا يملك اسلحة دمار شامل، فطائراتها كانت تقوم ليل نهار بأعمال التجسس، كما ان عملاءها من العراقيين كانوا يتواجدون على الأرض ويزودونها بالمعلومات اللازمة في هذا الصدد، مثلما تبين لاحقاً.
ولعل أكثر ما كان يقلق الادارة الامريكية، ومعظم دول المنطقة في الوقت نفسه، بما في ذلك ايران وزعامات عربية، وجود شخصية قيادية صلبة على قمة السلطة في العراق نجحت في الصمود وحفظ الأمن لأكثر من ثلاثة عشر عاماً من الحصار والاستفزازات الامريكية المتواصلة من خلال فرق التفتيش، وطائرات التجسس، والحملات الاعلامية المكثفة، ومناطق الحظر الجوي في الشمال والجنوب.
الرئيس العراقي الراحل كان يواجه الاعداء من كل حدب وصوب، اعداء عربا يتآمرون عليه، واعداء ايرانيين يريدون الانتقام منه، واعداء امريكيين يريدون تغيير نظام حكمه ويخططون لاغتياله، ولذلك لم يكن في وضع طبيعي يؤهله للتفكير بشكل جيد في ظل هذه المؤامرات مجتمعة، ووضع امني يحتم عليه التنقل من بيت الى آخر بحيث لا يبيت في البيت الواحد اكثر من ليلتين، مثلما كشفت الوثائق نفسها.
ومع ذلك يظل من الصعب الجزم بصحة هذه الوثائق مئة في المئة، فعهد الرئيس العراقي الراحل شهد الكثير من عمليات التزوير والأكاذيب، ويكفي التذكير بما قاله السيد موفق الربيعي مستشار الأمن القومي العراقي السابق، وأحد أبرز المتعاونين مع الاحتلال الامريكي قبل واثناء وبعد غزو العراق، فقد أدلى بتصريحات للصحافيين بعد اشرافه على اعدام الرئيس صدام بأنه كان يرتعد خوفاً امام المقصلة، لتأتي الأفلام التي وثقت تنفيذ حكم الاعدام لتعطي صورة مغايرة لذلك تماماً، الأمر الذي دفع السيد الربيعي نفسه الى التراجع عن اقواله، وتقديم رواية مختلفة، فقد كان الرئيس صدام في قمة الشجاعة وهو يعيش لحظاته الأخيرة، ومن كان يرتعد هو السيد الربيعي نفسه، مما دفع الرئيس الراحل الى طمأنته، والتهدئة من روعه، والقول 'بأن المشنقة للرجال'، ويتقدم اليها برأس مرفوع مردداً الشهادتين، وهاتفاً بحياة العراق وفلسطين وعروبة الاثنين.