زمن القشرية


العودة   منتديات ليالي لبنان > أقسام المنتدى العامة > المنتدى العام

زمن القشرية

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-19-2009, 06:24 PM   رقم المشاركة : 1
الفارس64
عـضو جـديد

الفارس64
 
الصورة الرمزية الفارس64





الفارس64 غير متواجد حالياً

الفارس64 will become famous soon enough


افتراضي زمن القشرية





نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا
فلاأدري أ أقول زمن القشرية أم بشر القشرية فكيف للزمان أن يتغير ويصبح قشريا؟؟
فعلى كل حال حتى لا نختلف بين رغبتي والحقيقة دعونا نقول أن عنوان موضوعنا قد سمي (القشور واللباب)
ولنستمع لما لم أقله أنا وما لا يحق لي تسميته بل للجواهر التي ذرفتها إلى العالم الأمواج الداخلية للملاك الثائر:



ما شربت كأسا علقمية إلا كانت ثمالتها عسلا
وما صعدت عقبة حرجة إلا بلغت سهلا أخضر
وما أضعت صديقا في ضباب السماء إلا وجدته في جلاء الفجر
وكم مرة سترت ألمي وحرقتي برداء التجلد متوهما أن في ذلك الأجر والصلاح ولكنني لما خلعت
الرداء رأيت الألم قد تحول إلى بهجة والحرقة انقلبت بردا وسلاما
وكم سرت ورفيقي في عالم الظهور فقلت في نفسي ما أحمقه وما أبلده غير أنني لم أبلغ
عالم السر حتى وجدتني الجائر الظالم وألفيته الحكيم الظريف
وكم سكرت بخمرة الذات فحسبتني وجليسي حملا وذئبا حتى إذا ما صحوت من نشوتي رأيتني
بشرا ورأيته بشرا
وأنا وأنتم أيها الناس مأخوذون بما بان من حالنا متعامون عما خفي من حقيقتنا
فإن عثر أحدنا قلنا
هو الساقط وإن تماهل قلنا هو الحائر التلف وإن تلعثم قلنا هو الأخرس وإن تأوه قلنا تلك
حشرجة النزع فهو مائت
أنا وأنتم مشغوفون بقشور (أنا) وسطحيات(أنتم)لذلك لا نبصر ما أسره الروح إلى (أنا)
وما أخفاه الروح في (أنتم)
وماذا عسى نفعل ونحن بما يساورنا من الغرور غافلون عما فينا من الحق ؟؟
أقول لكم وربما كان قولي قناعا يغشي وجه حقيقتي
أقول لكم ولنفسي إن ما نراه بأعيننا ليس بأكثر من غمامة تحجب عنا ما يجب أن نشاهده ببصائرنا
وما نسمعه باذاننا ليس إلا طنطنة تشوش ما يجب أن نستوعبه بقلوبنا
فإن رأينا شرطيا يقود رجلا إلى السجن علينا ألا نجزم في أيهما المجرم
وإن رأينا رجلا مضرجا بدمه واخر مخضوب اليدين فمن الحصافة ألا نحتم في
أيهما القاتل وأيهما القتيل
وإن سمعنا رجلا ينشد واخر يندب فلنصبر ريثما نتثبت أيهما الطروب
لا ياأخي لا تستدل على حقيقة امرئ بما بان منه
ولا تتخذ قول امرئ أو عملا من أعماله عنوانا لطويته
فرب من تستجهله لثقل في لسانه و ركاكة في لهجته كان وجدانه منهجا للفطن وقلبه مهبطا للوحي
ورب من تحتقره لدمامة في وجهه وخساسة في عيشه كان في الأرض هبة من هبات السماء وفي
الناس نفحة من نفحات الله
قد تزور قصرا و كوخا في يوم واحد فتخرج من الأول متهيبا ومن الثاني مشفقا
ولكن لو استطعت تمزيق ما تحوكه حواسك من الظواهر لتقلص تهيبك وهبط إلى مستوى الأسف
وانبدلت شفقتك وتصاعدت إلى مرتبة الإجلال
وقد تلتقي في صباحك و مسائك رجلين فيخاطبك الأول وفي صوته أهازيج العاصفة وفي حركاته هول
الجيش أما الثاني فيحدثك متخوفا وجلا بصوت مرتعش وكلمات متقطعة
فتعزو العزم والشجاعة إلى الأول والوهن والجبن إلى الثاني غير أنك لو رأيتهما وقد دعتهما الأيام إلى لقاء المصاعب
أو الاستشهاد في سبيل مبدأ لعلمت أن الوقاحة المبهرجة ليست ببسالة والخجل الصامت ليس بجبانة
وقد تنظر من نافذة منزلك فترى بين عابري الطريق راهبة تسير يمينا ومومسا تسير شمالا فتقول على
الفور ما أنبل هذه وما أقبح تلك ! ولكنك لو أغمضت عينك وأصغيت هنيهة لسمعت صوتا هامسا في الأثير قائلا:
هذه تنشدني بالصلاة وتلك ترجوني بالألم وفي روح كل منهما مظلة لروحي ،وقد تطوف في الأرض
باحثا عما تدعوه حضارة وارتقاء فتدخل مدينة شاهقة القصور فخمة المعاهد رحبة الشوارع
والقوم فيها يتسارعون إلى هنا وهناك فذا يخترق الأرض و ذاك يحلق في الفضاء وذلك يمتشق
البرق وغيره يستجوب الهواء وكلهم بملابس حسنة الهندام بديعة الطراز كأنهم في عيد أو مهرجان وبعد
أيام يبلغ بك المسير إلى مدينة أخرى حقيرة المنازل ضيقة الأزقة إذا أمطرتها السماء تحولت إلى جزر
من المدر في بحر من الأوحال وإن شخصت بها الشمس انقلبت غيمة من غبار أما سكانها فما برحوا بين الفطرة
والبساطة كوتر مسترخ بين طرفي القوس يسيرون متباطئين ويعملون متماهلين وينظرون إليك كأن وراء عيونهم
عيونا تحدق إلى شيء بعيد عنك فترجل عن بلدهم ماقتا مشمئزا قائلا في سرك
إنما الفرق بين ما شاهدنه في تلك المدينة وما رأيته في هذه لهو كالغرف بين الحياة والاحتضار
فهناك القوة بمدها وهنا الضعف بجزره هناك الجلد ربيع وصيف وهنا الخمول خريف وشتاء
هناك اللجاجة شباب يرقص في بستان وهنا الوهن شيخوخة مستلقية على الرماد
ولكن لو استطعت النظر بنور الله إلى المدينتين لرأيتهما شجرتين متجانستين في حديقة واحدة
وقد يمتد بك التبصر في حقيقتيهما فترى أن ما توهمته رقيا في إحداهما لم يكن سوى فقاقيع لامعة زائلة
وما حسبته خمولا في الاخرى كان جوهرا خفيا ثابتا
لا لست الحياة بسطوحها بل بخفاياها ولا المرئيات بقشورها بل بلبابها ولا الناس بوجوههم بل بقلوبهم
لا ولا الدين بما تظهره المعابد وتبينه الطقوس والتقاليد
بل بما يختبيء في النفوس ويتجوهر بالنيات
لا ولا الفن بما تسمعه بأذنيك من نبرات وخفضات أغنية أو من رنات أجراس الكلام في قصيدة
أو ما تبصره بعينك من خطوط وألوان مصورة
بل الفن بتلك المسافات الصامتة المرتعشة التي تجيء بين النبرات والخفضات في الأغنية وبما
يتسرب إليك بوساطة القصيدة مما بقي ساكتا هادئا مستوحشا في روح الشاعر
وبما توحيه إليك الصورة فترى وأنت محدق إلي ما هو أبعد وأجمل منها
لا يا أخي ليست الأيام والليالي بظواهرها وأنا ،انا السائر في موكب الايام والليالي
لست بهذا الكلام الذي أطرحه عليك إلا بقدر ما يحمله إليك الكلام من طويتي الساكنة إذن
لاتحسبني جاهلا قبل أن تفحص ذاتي الخفية
ولا تتوهمني عبقريا قبل أن تجردني من ذاتي المقتبسة
لاتقل هو بخيل قابض الكف قبل أن ترى قلبي
أو هو الكريم الجواد قبل أن تعرف الواعز إلى كرمي وجودي
لا تدعوني محبا حتى يتجلى لك حبي بكل ما فيه من النور والنار
ولا تعدني خليا حتى تلمس جراحي الدامية.



عن كتاب( البدائع والطرائف)








من مواضيع العضو :
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



forum xml threads xml RSS
الساعة الآن 10:22 AM.


Powered by vBulletin V3.7.2. Copyright ©2000 - 2009

Search Engine Optimization by vBSEO 3.2.0