امرأة ضحكت لها الدنيا واستقبلها الفرح بين أحضانه*تعيش مع زوجها وابنتها حياة هادئة ومستقرة تمنحهما الحنان والعناية*ويمنحانها سر سعادة الحياة بل يمنحانها الحياة ذاتها
وفجأة يلعب القدر لعبته معها وتفقد أغلى ما تملك بل كل ما تملك بحادث سير سخيف يأخذ منها زوجها وابنتها بكل بساطة ودون أي إنذار يا له من قدر*تصحو من غيبوبتها بعد ثبات لا تعرف كم دام لتجد نفسها وحيدة في عالم غريب
عنها*وكأنها أول مرة ترى هذه الوجوه وأول مرة تدخل هذا البيت رغم انه البيت الذي احتضن طفولتهاونضوج شبابها كأنها فقدت الذاكرة أو توقفت ذاكرتها عند لحظة وقوع الحادث*فلا يمر بخيالها إلا منظر ابنتها النائمة كالملاك والدماء تغطي
وجهها*وزوجها الذي القي رأسه إلى الخلف على المقعد وكأنه يستريح من رحلة شاقة ومتعبة وهي مقتنعة تماما أنهما نائمان وسيصحوان بأي وقت*وعاشت أياما طويلة على هذه الحال*و اشرف على علاجها النفسي طبيب ذكي يتقن مهنته تماما كانت جلساتهما اليومية تدوم ساعات وساعات*كان الطبيب يملك ملامح هادئة تعطي الناظر لها طابعا مريحا*وكانت روحه المرحة تمنح لمن يتعامل معه
شعورا جميلا ونوعا من الفرح حتى لو كان يغرق بالحزن*وهذا أكثر ما ساعدها على الخروج بشكل تدريجي من حالتها وحزنها*وبدأت شيئا فشيئا تتأقلم مع مصابها وتقتنع بان ابنتها وزوجها قد ماتا ويبدوان مع تلاشي السبب الذي جمعها مع الطبيب كان يظهر سببا آخر يجمعهما ولكن هذه المرة بجلسات من الحب وليس العلاج فقد تعلقت به وكأنه العصا التي مدت لها لتنتشلها من الرمال المتحركة التي كادت أن تبتلعها
وهو رأى في أعماق تلك المرأة المصدومة امرأة رائعة تملك من الجمال
وحها ومالا تملكه أي امرأة*أحب روحها المتألمة وشعر بتنهيدتها وكأنها تخرج من صدره عاش ألمها وعاش حزنها*وعاهدها انه سيعيد لها السعادة التي سرقت منها وبعد أكثر من سنتين من العلاج البطيء والشاق*شارفت رحلة العلاج على
الانتهاء وبدأت جلساتهما تقل وأصبحت تذهب اليه مرة كل أسبوع*ولكن أحاديثهما على الهاتف لا تنقطع طوال اليوم إلا عند الضرورة ومن كلماته نسجت احلامها*وعلى وعوده سهرت الليالي ترسم مستقبلها وتبني امالها وبقيا هكذا فترة*تعلقت به لدرجة انه أصبح هو عقلها وحواسها التي تتعامل بها مع من حولها*ولكن يبدو أن القدر لا يريد أن يتركها وشانها فاليوم قد اعتذر لامها عن الجلسة*ومنذ أربعة أيام لم تسمع صوته
وانتظرته يوما بعد يوم وهو وكأنه غير موجود بهذه الدنيا*ومن بين مخالب هذا الانتظار الذي يتلذذ بتجريحها ويستمتع بتعذيبها انتشلتها فكرة الذهاب إليه*وصلت العيادة دخلت لم تكن الممرضة موجودة فدخلت غرفته وليتها لم تدخل فقد كانت
هناك مريضة أخرى تجلس مكانها على الكرسي ذاته ويمسك يديها ويقرب وجهه منها كما كان معها تماما وربما كان يهمس لها بنفس الهمسات عندما رآها امسكها من يدها وخرجا من الغرفة ولم تعاتبه أبدا أو تلومه فقط سألته*هل مازلت تحبني
هل ما زلت أنا*فاطرق بوجهه إلى ا لأرض ولم يجبها فاعتذرت منه وقالت*كم أنا غبية اسأل سؤالا اعرف إجابته مسبقا؟بل ومتأكدة منها أيضا وغادرته بعد أن اقتربت منه وقبلت خده وشكرته لأنه منحها الحياة فقط وليس الحب