الرسام العالمي ايتان دينيه وقصة اسلامه


العودة   منتديات ليالي لبنان > الأقسام الادبية والشعرية,شعر,خواطر,قصائد,قصص,فلسفة > فلسفة وفكر - شخصيات ومشاهير - ادباء وعلماء

الرسام العالمي ايتان دينيه وقصة اسلامه

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-24-2009, 03:09 PM   رقم المشاركة : 1
foxcrazy
Banned

foxcrazy






foxcrazy غير متواجد حالياً

foxcrazy will become famous soon enough


إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى foxcrazy

Thumbs down الرسام العالمي ايتان دينيه وقصة اسلامه

ألفونس إيتان دينيه (1861 ـ 1929م) رسام ذو حضور إنساني عالمي، تتلمذ على يد جالان (Galland) وتوني روبير ـ فلوري (Tony Robert-Fleury) وبوجيرو (Bouguereau). عاش أزيد من ربع قرن بمدينة بوسعادة الجزائرية ، التي خلّدها وخلَّد أهلها في لوحاته الفنية المفعمة بالموهبة والحب وروح التسامح العالية ، له رسومات إبداعية شهيرة ومؤلفات نفيسة جعلت شهرته تجوب الآفاق، ويبلغ درجة العالمية.

بعد اعتناقه الإسلام سمي باسم: ناصر الدين دينيه. وبحضور مفتي الجزائر سنة 1913م، نطق إيتان دينيه بالشهادتين، معلنا اعتناقه وحبه وإخلاصه للإسلام والمسلمين عن قناعة وعلم وإيمان لا يتزحزح. وقال يومها قولته المشهورة، وهو يردد الشهادتين ويعلن إسلامه على رؤوس الأشهاد: "لم يكن اعتناقي الإسلام وليد الصدفة، بل عن دراية تامة، ودراسة تاريخية عميقة طويلة الأمد لجميع الديانات".

إثر دراسته الأكاديمية بباريس، حصل سنة 1884م على منحة للسفر إلى الجزائر، فأُغرم الشاب دينيه يومها بالصحراء الجزائرية، ليصبح مستشرقا ، لامسه سحر هذا البلد ، فأقام به، ولم تُفْلِح سفرته إلى مصر سنة 1889م صحبة صديقه الرسام لوروا (Leroy) في اجتذابه وإغوائه، حيث اختاره القدر مستشرقا أوروبيا مسلما إلى الجزائر ، يقيم بها ويعلن إسلامه.

لقد فتنته الجزائر، فانبرى لتصوير الحياة اليومية، ومختلف مظاهر الحياة الاجتماعية والدينية بالجنوب الجزائري وخاصة ببوسعادة، فخلَّد البوسعاديين وحياتهم اليومية بفنية منقطعة النظير، وخلَّف عن الجزائريين تراثا تشكيليا في شعرية باذخة واحتفاء بجمال الألوان الجنوبية الخاطفة بسحرها وبهائها ، وما تزال الذاكرة التشكيلية العالمية تحتفي به إلى اليوم، وتكِنُّ له تقديرا خاصا، وما يزال رصيده الفني من اللوحات المرسومة محط إعجاب واهتمام في العديد من المعارض التشكيلية الكبيرة والمتاحف العالمية.

وما زال رُفاته يحضنه قبر بسيط ببوسعادة في بقعة اقتناها دينيه حبّاً وانتماءً لهذه الأرض التي جمعته حيا وميتا بصديقه ورفيقه ومرشده سليمان بن إبراهيم وزوجته؛ وهما الشخصان اللذان رافقاه في رحلته الحجّية أيضا، حيث زاروا جميعا سنة 1929م البقاع المقدسة وسيناء وجبل طور، فسمي من يومها بالحاج ناصر الدين، ودوَّن رحلته الحجية تحت عنوان ( الحج إلى بيت الله الحرام) ، فكانت حسن الختام ، إذ بعد أيام قليلة جدا من تدوينها أسلم الروح إلى بارئها عشية يوم: 24/12/1929م بمرسيليا، فنقل جثمانه إلى جنة الله في أرضه، كما كان يحلو له أن يسمي بوسعادة، وخصَّها بفنه الكبير، وروائعه الخالدة، دُفِن ناصر الدين دينيه يوم 12/01/1930م ، ولعل المطَّلع على لوحات هذا الفنان العظيم يستكشف ولعا خاصا بتخليد طقوس التعبد والصلاة، ونفحات الإيمان والصلاح، ولا أدل على ذلك لوحتُه الشهيرة: "اّفاق السجود"، بل يمكن القول إن بذرة روحانيته تفتقت منذ سنة 1882م حين عرض في لوحاته مشاهد دينية، ليحصل سنة 1883م على أول استحقاق.

مؤلفاته
ألَّف إيتان دينيه بعد إسلامه العديد من الكتب القيمة، منها كتابه الفذ: (أشعة خاصة بنور الإسلام)، وله كتاب (ربيع القلوب) و(الشرق كما يراه الغرب) و(محمد رسول الله). وكان لحج "ناصر الدين دينيه" إلى بيت الله الحرام عام 1928م أثره في أن يؤلِّف كتاب (الرحلة ) اْو (الحج إلى بيت الله الحرام) .


واشتمل كتاب الرحلة (الحج إلى بيت الله الحرام) على مقدمة وسبعة فصول، وملحق ذي فصلين، تقع جميعًا في أكثر من مائتي صفحة، وقد زيّنها ناصر الدين بثماني صور من صنع يده للكعبة، والحرم الشريف، ومنظر الحج بعرفات، وصلاة المغرب حول الكعبة، وجبل النور الذي تلقَّى عنده الرسول الأمين الوحي عند نزوله أول مرة ، وقد تصدَّى كتابه لرحلات كل من الرحالة السويسري بيرك هارد في كتابه (رحلة إلى جزيرة العرب) سنة 1914م، والرحالة الإنجليزي بيرتون في كتابه (الحج إلى مكة والمدينة)، والرحالة الفرنسي ليون روش الذي قام برحلته إلى الحجاز بتكليف من الجنرال الفرنسي (بيجو)، وأصدر كتابه (عشر سنوات في بلاد الإسلام)، والرحالة الفرنسي لوب ليكو في كتابه (في بلاد الأسرار حج مسيحي إلى مكة والمدينة)، وجرفي كول تيلمون في كتابه (رحلة إلى مكة) سنة 1896م، وبلجراف في كتابه (سنة في بلاد العرب الوسطى).
وهو كتاب يُعدّ مراجعة شاملة ومنصفة لكل الكتب السابقة، كشف فيه الأغراض المبيّتة لرحلات المستشرقين، وأنصف في الوقت ذاته المستشرقين الذين تحرَّوا الصدق والدقة في كتاباتهم، كما عالج قضايا، مثل: المستشرقين والقرآن الكريم، المستشرقين واللغة العربية، الاستشراق والخط العربي والدعوة إلى الحرف اللاتيني، الاستشراق والشعر العربي.
وقد أحدثت كتبُه دويًّا في دوائر المستشرقين.


كما دافع عن الكتابة بالحروف العربية، مصوّرًا خطيئة الذين أرادوا إبدال خط آخر بها قائلاً: "الكتابة العربية هي أرقى نوع فني عرفه الإنسان، وأجمل خطّ يستطيع المرء أن يقول فيه من غير مبالغة: إن له روحا ملائمة للصوت البشري، موافقة للألحان الموسيقية".

كما وصف الكتابة العربية بأنها: "عبارة عن مفتاح يكشف عن ألغاز الحركات القلبية الدقيقة، وكاْن حروفها خاضعة لقوة روح خفية ، فتراها تارة تلتف مع بعضها على أشكال هندسية بديعة مع محافظتها على جميع الأسرار المودعة فيها، وتارة تراها تنطلق وتقف بغتة كأنها معجبة بنفسها، وتارة تراها تنطلق جارية تتعانق، وتارة تتفرق".
ويضيف: "كلَّما تأملت في أشكالها الجذابة أخذت أفكاري إلى أحلام بعيدة، ولا يلزمني أن أكون مستعربًا ولا ساحرًا لأتمتع بجمالها الساحر الفريد، بل كل إنسان توجد فيه روح الفن تأسر قلبه هذه الكتابة".
ويؤكد أن الخط العربي يمتاز على سائر الخطوط بكتابته من اليمين إلى اليسار اتباعًا لحركة اليد الطبيعية، فنجد الكتابة أسهل وأسرع من الكتابات التي تكتب من الشمال إلى اليمين؛ ولهذا كان الفنان الكبير (ليوناردو دافينشي) يرسم ويكتب من اليمين إلى اليسار اتباعًا لقاعدة الخط العربي.


من أقواله
"لقد أكَّد الإسلام من الساعة الأولى لظهوره أنه دين صالح لكل زمان ومكان؛ إذ هو دين الفطرة، والفطرة لا تختلف في إنسان عن آخر، وهو لهذا صالح لكل درجة من درجات الحضارة"من كتابه محمد رسول الله
وبما أن دينيه كان فنانًا موهوبًا، فقد لفت نظره الجانب الجمالي والذوق الرفيع للحياة النبوية، يقول: "لقد كان النبي يُعنَى بنفسه عناية تامة، وقد عُرف له نمط من التأنق على غاية من البساطة، ولكن على جانب كبير من الذوق والجمال".
من اْقواله كذلك "إن حركات الصلاة منتظمة تفيد الجسم والروح معًا، وذات بساطة ولطافة وغير مسبوقة في صلاة غيرها".
ويقول عن تعدد الزوجات: "إن تعدد الزوجات عند المسلمين أقل انتشارًا منه عند الغربيين الذين يجدون لذة الثمرة المحرّمة عند خروجهم عن مبدأ الزوجة الواحدة!


ولا يخطئ قارىء الرحلةِ الحجية لإيتان دينيه، الروح المتفتحة لهذا العقل الغربي الكبير، الذي وجد في الإسلام سبيلا إلى نورِ لم يعد بوسع اْوروبا توفيره ، ولذلك يمكن اعتبار رحلته هذه ـ إلى جوار مصنفاته الأخرى المشار إليها ـ ملمحا نموذجيا لحوار الحضارات. بل لقد وجدت ـ حقيقة ـ أن مقدمة الرحلة، على وجازتها، تعبّر عن تسامح كبير بين الديانات والحضارات والأمم. ومن كتاب الرحلة اْجتزئ بعض الفقرات:
"تُرى هل يستطيع هذا الكتيِّب، باستعادة حقيقة الحج إلى مكة، وتبديد الخِلافات المحدِقة بمستقبل السلام في الشرق، وكذا الإسهام ـ بشكل متواضع ـ بإقامة وئام صادق بين اليهودية والمسيحية والإسلام، وئام يتوجّب على الحضارة تحقيقه ؟ اْوليسوا إخوة ورثوا ثلاثتهم ـ بالدرجة نفسها ـ توحيد إبراهيم الخليل؟ ألا نرى كيف يجهر المسلمون بتبجيل موسى والمسيح ؟


يوم يجهر اليهود والمسيحيون بالقدر نفسه من التبجيل لمحمد، أحد أكبر واْعظم الشخصيات التي عرفها التاريخ، سيعم السلام الشرق الأوسط لا محالة" .
إشراقات في مقام رسول الإسلام
لحظات الشوق إلى محمد رسول الله عرفت أول اضطرام لها، عندما جاب إيتان دينيه رياض السيرة النبوية العطرة، فأعجب بسيد الخلق أيما إعجاب، وخلَّف لنا عن حياته الزكية مؤلفا مطبوعا، ويمكن لقارئ رحلته أن تستوقفه أربع محطات هي ذروة هذا الإنجاز الخليق بالإعجاب والإكبار:
1 ـ لحظة استهلال السفر والشوق لزيارة قبر الحبيب
كانت لحظة الانطلاق عسيرة، لما خامرها من إحساس بالإحباط، ناجم عن كون تلك البقعة المقدسة المتوجه إليها محرّمة على فضول السياح الأوروبيين وتبشير المبشرين: يقول دينيه "لم يكن لنا أي حظ في الحصول على الترخيص بالحج، لأن الملك ابن سعود لا يطمئن إلى سلامة طوية الأوروبيين الذين أسلموا حديثا، فيمنعهم من دخول الحرم"(الرحلة)، لذلك استهل دينيه الفصل الأول بقوله: "تُرى هل سيتحقق حلمنا وستتحقق معه فريضة الحج؟ هناك أحاسيس تخالجنا لحظة الانطلاق، لكن ثقتنا كبيرة بالله جل جلاله .


2 ـ لحظة امتحان الأشواق وكشف الغمة
سيزداد الشوق توهجا، والأمل التماعا أمام امتحان الإجراءات الشكلية والتضييقات الجمركية. وسيستعر الشوق بقدر أكبر حينما تصبح المدينة المنورة، حيث قبر رسول رب العالمين على مرمى البصر"(الرحلة).


لكن "أوروبية" دينيه تمنعه من تحقيق المطمع والمنية، وجني ثمار الرحلة بيسر، ومع ذلك لم يفتر لهيب الشوق بل زاد استعارا عند مشاهدة قوافل الحجيج: يقول دينيه فى كتابه الرحلة "دخلنا مغتمين، وأمضينا ليلة رهيبة لم يغمض لنا فيها جفن، جَرّاء الهرج الذي يصعد إلينا من الساحة التي تطلّ عليها مشربياتنا المرتفعة بأمتار قليلة عن سطح الأرض، فكنا نرى ـ دون انقطاع ـ مرور القوافل الهندية والمصرية ،كم غبطنا هؤلاء الحجاج الذين، من شدة فقرهم، لا يستطيعون ايجاد أماكن في السيارات، لكنهم على يقين بأنهم سيصلون غدا إلى المدينة المقدسة!
انفلق الصبح، ما عساه يحمل لنا من جديد؟ لقد حُمِلت رسائلنا توّاً إلى مكة، فاْقنعت الحكومة بصفاء سريرتنا، كما أن سعادة وزير الشؤون الخارجية قد هاتف قائم مقام جدة للترخيص لنا بالحج، وأمر السلطات بتسهيل سفرنا. وبدوره قام القائم مقام بإشعار مطوفنا وحمَّلَه مسؤولية إبلاغنا هذا القرار السعيد. وعلى الفور نهضنا لوداع نائب القنصل السيد جولت الذي شاطرنا قَلَقنا، وهو الآن يقاسمنا فرحتنا كصديق حقّ.


لكن أنّى لنا العبارات القادرة على التعبير عن مدى العرفان الذي نكنه لمسلمين صدَّقونا وكفَلونا.
ولم يتنفس الصعداء وينزاح الغم إلا حينما أقَلَّته السيارة من جدة إلى المدينة ليشعر بنفحات فتح رباني لم يتيسر لغيره من الأوروبيين: "وأخيرا ها نحن في الطريق إلى المدينة المنورة، كانت سعادتنا بالغة، رغم ما شابها من كدر، كانت سعادة عارمة لأننا ولجنا الحرام المحرّم على كل أوروبي".
وعن لحظة عبور السيارة أبواب جدة يقول دينيه اْنه اْحس بقشعريرة حينما رأى آفاق رحبة لا متناهية من هذا البلد المكتنف بالأسرار تنفتح أمامه من كتاب "(الرحلة).


وبعد امتحان السفر ومغامراته بين جدة والمدينة ـ والتي تستحق أن تُقْرأ في مكانها من الرحلة لطابع التشويق الذي يكتنفها ـ صارت عزيمة إيتان دينيه أشد قوة، وقد باتت صورة المدينة المنورة تداعب خياله، وتملأ وجدانه المشدود إلى زيارة قبر خير البرية، ويستطرد دينيه فى كتابه الرحله اْنه لم يغمض له جفن وهو يواجه اْحد اْعظم اْيام حياته من كتاب"الرحلة"
3 ـ لحظة الوقوف في مقام رسول الله
سرعان ما ترقى الفرحة إلى لهفة واللهفة إلى سعادة لا يحس بها إلا من عاش تبدل الزمان والمكان ، لحظة انبثاق القبة الخضراء التي تضم قبر الرسول صلى الله عليه وسلم :يقول دينيه "فجأة لمحنا فوق طريق له دُرَج، قبّة خضراء ساطعة أحاطت بها مآذن بيضاء ترتفع نحو السماء في قلب مدينة ذات بيوت ضاربة إلى الرمادي، فانتاب أفئدتنا شعور يعجز عنه الوصف، لأن من هذه القبة الخضراء حيث قبر الرسول، ينبعث نور رباني حبا المدينة بلقب المنورة. والواقع أنه أمام هذه القبة التي تتلألأ مثل زمردة فائقة مكللة بالذهب ومرصعة بين أعمدة من الرخام الأبيض، كل شيء يتوارى ؛ تتوارى البيوتات الداكنة والحارات القاتمة التي لا تعكس شعاع الشمس، كما أن نخيل الواحات نفسه يبدو في خفر من خضرته المتواضعة، والجبل الوحيد الذي ينبعث منه بصيص من نور هو جبل اْحد الشهير، لقد كنا منجذبين نحو القبة كما لو جذبتنا قوةُ جاذبية: "اللهم بحرم بيتك الحرام، حرِّمني على النار، وارزقني ما رزقته أولياءك". ثم استعجلنا سائقنا، الذي عجَّل السيارة". وطبعا وهو في المقام الكريم ،كان قد أخلص قلبه لحب الله ورسوله ، فأفرغ قلبه من التعلق بأسباب الدنيا، كما يمكن أن نفهم من تعليقه في الهامش على لفظ "الرزق" في الدعاء السابق، حيث قال: "إننا نقصد الرزق الروحي، لأننا لا نطلب من الله فضل الدنيا، بل الهِبات الروحية الربانية"(الرحلة).


الشغف بزيارة قبر خاتم الأنبياء والمرسلين ملأ قلبه، فلم يستطع صبرا على ذلك بمجرد حلوله بالمدينة: يقول دينيه "بعد أن توضأنا، خرجنا على الفور إلى مسجد الرسول الكريم، القريب من مسكننا. وينبغي أن نعترف، لقد وجف قلبنا من التأثر في هذه اللحظة المهيبة: سندخل المسجد الشهير، وسط حشود متهللة، وسنردد وراء المزوار أمام شُبّاك القبر الطاهر الصلاة والتسليم على النبي، أحسسنا بسعادةَ عارمة بمجرد أن فكرنا في تملّي قبر محمد"(الرحلة). ها هو الآن في الروضة الشريفة قرب أقدس مكان بمسجد الرسول، وفور أداء تحية المسجد، طار إلى مقام النبي، فانتابه إحساس لم يشعر به في حياته: "نحس بالهيبة والسكينة حين نفكر بأن وراء هذا الشباك يرقد في قبره أشرف البريّة، الذي حقق أروع نبوءة عرفها العالم"(الرحلة).
ولم ينس ـ وهو الذي درس حياة الرسول الأعظم، وألف كتابا في سيرته ـ لم ينس أن يتذكر آراء الأوروبيين مفكرين وفلاسفة كبار عن عبقرية هذا العظيم الذي يقف الآن أمام قبره الشريف، والذي شهد له أَلَدّ أعداء الإسلام مثل (صموئيل زويمر) كما شهد له المنصفون منهم مثل (جوستاف لوبون والمفكر الإنجليزي الشهير كارلايل). والسلام أمام قبر محمد صلى الله عليه وسلم كافٍ للبرهنة على أن المسلمين الذين يجاهرون بتبجيل كبير لا قِبل لنا به في التعلق بأي قديس من أي مِلَّة أخرى، لا يسألون محمدا قضاء حاجة، أو تفريج كربة، فذلك شِرك ، بل يسألون الله له .
وبهذا نكون قد عشنا مشهد إجلال فريد في العالم. إن في السلام على رسول الله بصوت خفيض وقلب فارغ من علائق الدنيا، ما يجعل المقام مقام هيبة تعبِّر عنها الروح بنبرة يعجز القلم عن الإعراب عن مشاعرها المؤثرة من كتاب"(الرحلة).


4 ـ لحظة مغادرة المقام النبوي
كانت هذه رابع اللحظات وأقساها على قلب يتوزعه الاستلذاذ بمشهد روحاني لم يشهد له نظير، وتوجس من البَعاد عن مدينة الرسول بقبتها الخضراء وقبر نبيها الكريم: "بقلب ملتاع، ابتعدنا عن مدينة الرسول، تُرى هل سيجود لنا الزمان بمشاهدتها مرة أخرى؟ لكننا حملنا في أذهاننا مشهدين فائقي الروعة: مشهد القبة الخضراء، التي تتلألأ كجوهرة سماوية، على رأس رسول الله، والمشهد البديع للشباك النحاسي عبر النقوش القرآنية الرائعة التي نقلت سلام أرواحنا الحار إلى الرسول الكريم" من كتاب(الرحلة).
ابتهالات مستشرق مسلم
" أضرع إليك في الضراء، وأحمدك في السراء. وأعوذ بك من متاع الدنيا.
أنا كمسافر يستظل بظل شجرة، وحين تبلغه الشمس، يغادر هذا الظل إلى الأبد.
اللهمّ أمتني فقيرا، واحشرني في زمرة الفقراء".


وصية الفنان ناصر الدين دينيه
ما ذكرته من إفادات عن صدق الرجل وحسن إسلامه، يدفعنى لاْن اْقدّم ترجمة كاملة لوصيته اعتبارا لقيمتها كشهادة ضمنية عما كنّته سريرة الرجل من إيمان راسخ:
يقول بخصوص جنازتي :
1 ـ يجب أن تكون جنازتي إسلامية ، لأنني ـ منذ عدة أعوام ـ آمنت بالإسلام دينا، وخصصت أعمالي وجهودي لإجلال هذا الدين.
2 ـ أن يوارى جثماني في مقبرة إسلامية ببوسعادة البلد الذي أنجزت فيه الجزء الكبير من لوحاتي.
3 ـ إذا ما وافتنني المنية في مكان آخر، يجب نقل جثماني إلى بوسعادة، ومصاريف النقل تؤخذ من تركتى
4 ـ إذا ما وافتني المنية بباريس، ولم يحضر أي مسلم للصلاة على جنازتي، فيجب أن تكون الجنازة مدنية ، في انتظار إقامة جنازة إسلامية لي ببوسعادة.
ينسخ هذا الإقرار كل الترتيبات التي اتخذتُها في زمن سابق.


وفاة الفنان الفرنسى المسلم ناصر الدين دينيه
في ديسمبر سنة 1929م توفى (ناصر الدين دينيه) بباريس، وصُلِّي عليه بمسجدها الكبير بحضور كبار الشخصيات الإسلامية، ووزير المعارف بالنيابة عن الحكومة الفرنسية، ثم نُقِلَ جثمانه إلى الجزائر، حيث دُفِن في المقبرة التي بناها لنفسه ببلدة (بوسعادة) تنفيذًا لوصيته.


دُوّنت أعمال ناصر الدين دينيه في معجم (لاروس)، وتزدان جدران المعارض الفنية في فرنسا بلوحاته الثمينة، وفيها لوحته الشهيرة (غادة رمضان).

رحم الله الفنان الكبير ناصر الدين دينيه واْسكنه جنات الخلود .







من مواضيع العضو :
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



forum xml threads xml RSS
الساعة الآن 05:21 PM.


Powered by vBulletin V3.7.2. Copyright ©2000 - 2009

Search Engine Optimization by vBSEO 3.2.0