حـق الجـار
للإشتراك بليالي لبنان على الفيس بوك
لبنان
قديم 10-20-2010, 10:40 AM   رقم المشاركة : 1
الحوت الازرق الحر
{::عضو نشيط::}

الحوت الازرق الحر
 
الصورة الرمزية الحوت الازرق الحر





الحوت الازرق الحر غير متواجد حالياً

الحوت الازرق الحر will become famous soon enough


افتراضي حـق الجـار


حـق الجـار
قال الإمام زين العابدين (ع):
"وأمَّا حقُّ الجار، فحفظُه غائباً، وكرامتُه شاهداً، ونصرتُه ومعونتُه في الحالين جميعاً. لا تتبع له عورة، ولا تبحث له عن سوأة لتعرفها، فإن عرفتها منه عن غير إرادة منك ولا تكلُّف، كُنتَ لما علمتَ حصناً حصيناً وستراً ستيراً، لو بحثتْ الأسنةُ عنه ضميراً لم تتصل إليه لانطوائه عليه. لا تستمع عليه من حيث لا يعلم. لا تسلمه عند شديدة، ولا تحسده عند نعمة. تُقيل عثرته وتغفر زلَّته. ولا تدَّخر حلمك عنه إذا جهل عليك ، ولا تخرج أن تكون سلماً له. تردُّ عنه لسان الشتيمة، وتبطل فيه كيدَ حامل النصيحة، وتعاشرُه معاشرةً كريمةً ، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله".

1- تعريف الجار
س: سماحة الشيخ، السؤال الأول من هو الجـار ؟
الجار هو الشخص الذي يسكن في الجوار، سواء أكان قريباً من حيث الصلة الرحمية، أو كان من اتباع الديانة نفسها، أو كان من أتباع الرسالات السماوية الأخرى، أو غير ذلك، فلا علاقة لمعتقداته وآرائه بانطباق عنوان الجار عليه. ولا يُصنَّف على أساس المعرفة القديمة به، أو المعرفة الحديثة الناشئة عن السكن في الجوار.
لكن لعامل القرب والبعد عن مكان السكن أهمية واضحة لتحديد الجار، فعن رسول الله(ص) عندما سئل عن حد الجوار، قال:"أربعون داراً"(1). وقال أمير المؤمنين علي(ع):"حريم المسجد أربعون ذراعاً، والجوار أربعون داراً من أربعة جوانب"(2).
وقد أشار القرآن الكريم بالإجمال إلى قسمي الجوار: الجار القريب والجار البعيد، عندما أمر بالإحسان إلى أصناف من الناس ومنهم الجار بقسميه، فقال:" وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً "(3).

2- النصرة والمعونة
س: لنبدأ مع رسالة الحقوق للإمام زين العابدين(ع) حيث قال: "وأمَّا حقُّ الجار، فحفظُه غائباً، وكرامتُه شاهداً، ونصرتُه ومعونتُه في الحالين معاً"، فكيف نفهم هذا الموقف من الجار؟
يغيب الجار عن منزله قاصداً عمله أو زيارة أرحامه وأصدقائه أو مسافراً لفترة من الزمن، فحقه أن يكون محفوظاً من جيرانه عند غيابه، وذلك بحفظ بيته وماله وخصوصياته وأسراره، وحفظ غيبته في المجالس التي تنعقد بين الجيران والأصحاب.
أمَّا في حالة حضوره فله الاحترام وحسن المعاملة ولطافة الملاقاة، وهذه هي آداب الإسلام العامة في العلاقة مع الناس، وهي آكد في العلاقة مع الجار، لأنَّها تعبِّر عن رعاية كرامة الجار لجاره. فالكرامة مسألة معنوية تترجمها مفردات السلوك وأخلاقية التعامل بين الجيران، فالكلمة الجارحة تخدش عنفوان الإنسان، وعبوس الوجه يزعج عند الملاقاة، وعدم الاكتراث يؤذي مع تكرار الاحتكاك اليومي، وعدم المساعدة يؤلم عند التعرض لأزمات ومشاكل من دون مساندة الجار.
فالقاعدة في التعاطي مع الجار نصرته ومعونته في حالتي الحضور والغياب، بالوقوف إلى جانبه في حالة الحضور، وبالذود والدفاع عنه وعن أملاكه وعياله في حالة الغياب. وكذلك في كل أحواله، سواء أكان ظالماً أو مظلوماً، فإذا كان مظلوماً وقف جاره إلى جانبه لدفع المظلومية عنه، وأعانه في مواجهة الظالمين، وأعاد الحق له، ودفع البلاء عنه، وإذا كان ظالماً نصحه وأرشده وذكَّره بالآخرة، ومنعه من التمادي والتورط في ظلم أكبر. ولا تعني النصرة والمعونة مساندته في ظلمه وعدوانه والتعصب له على الباطل، فعن رسول الله(ص) أنَّه قال:"أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.
قيل: يا رسول الله نصرتُه مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟
قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه"(4).

3- ستر العثرات
س: يتابع الإمام السجاد(ع) بقوله: "لا تتبع له عورة، ولا تبحث له عن سوأة لتعرفها، فإن عرفتها منه عن غير إرادة منك ولا تكلُّف، كُنتَ لما علمتَ حصناً حصيناً وستراً ستيراً، لو بحثتْ الأسنةُ عنه ضميراً لم تتصل إليه لانطوائه عليه"، فلم هذا الاهتمام بحفظ أسرار الجار؟
لكل إنسان أسراره وعيوبه، فلا يصح من الجار تتبع عثرات جاره، وهذا بلاء كبير منتشر في مجتمعاتنا، حيث الرغبة في كشف أسرار الآخرين ومعرفة عيوبهم والإطلاع على خصوصياتهم. فإذا صدر صوت من بيت الجار ترصَّد المحيطون به مصدر الصوت وأسبابه ونتائجه، وإذا حصلت مشكلة بين الزوج وزوجته سعى البعض لمعرفة أسبابها وتناقلوها بينهم، وإذا اختلفت العائلة في داخلها بين الوالدين والأولاد انتشر خبرهم بين الجميع وانتهكت حرمتهم وحرمة أسرارهم. ويبالغ البعض بحشريته فيطالب الآخرين بتعريفه وكشف عيوب جيرانه كعربون للأخوة والصداقة، وهذا مرض اجتماعي ونفسي وأخلاقي يهدم بنيان العلاقات الاجتماعية.
وماذا ستنفعك المعلومات الخاصة بجيرانك؟ ولماذا يوقع المرء نفسه في دائرة الغيبة والبهتان فيرتكب إثماً شرعياً يحمِّله وزراً يوم القيامة؟ وما هي فائدة فضح أسرار الناس الذين يعيشون مع بعضهم البعض ويرون بعضهم يومياً؟ وهل تستقيم علاقة الجوار في إطار عدم المحافظة على أسرار وسوءات وعيوب الجيران؟
الأفضل أن لا يطَّلع الإنسان على ما لا يعنيه، فربما حلَّ المختلفون مشاكلهم، فلا نتعرف عليها ولا نعرف بحلها، فهي خارج دائرة التأثير في حياتنا وما يحقق منافعنا، بل من المفيد أن تبقى الصورة والانطباعات إيجابية عنهم وذلك حسن استمرارية الجوار والتعاون بين الجيران من دون مواقف مسبقة أو حساسيات وإشكالات وخلافات.
عليك أن لا تتبع عثرات جارك لتعرفها، فلو صادفت بعض عيوبه وعرفتها من غير إرادة وقصد منك، ومن دون بذل وتكلُّف للإطلاع والمعرفة، كنت حريصاً على سترها ستراً لا يطَّلع عليه أحد إلاَّ الله، وكأنك حصن مكين يدفع عنه كل من يتقدم إليه، ومهما حاول الآخرون وبذلوا الجهد لإثارة الموضوع على رؤوس الأشهاد، عليك أن تبقى كتوماً وحريصاً على أسرار جارك من دون بذل أي جهد للإطلاع عليها واستكشاف حقائقها وتفاصيلها.

4- المعاشرة الكريمة
س: أرجو متابعة تفسير كلام الإمام زين العابدين(ع) في حديثه عن حق الجار لتكتمل الصورة لدينا؟
"لا تستمع عليه من حيث لا يعلم"، فهذا تجسس محرم، وعليك أن تحفظ رغبة جارك في عدم إطلاعك على بعض أسراره، فلو أراد إطلاعك لفعل.
"لا تسلمه عند شديدة"، لأنَّه بحاجة إلى مساعدتك ومساندتك ونصرتك، فكن إلى جانبه بقدر استطاعتك، فسيترك موقفك أثراً كبيراً في نفسه بوقوفك معه عند الشدائد.
"ولا تحسده عند النعمة"، فالحسد تمنٍ لحصولك على نعمة أنعمها الله عليه بحرمانه منها، وهذه نظرة ضيقة وجاحدة، فالله هو المنعم، وكما أنعم عليه يمكن أن يُنعم عليك، فاطلب من الله أن يعطيك من دون أن تتمنى حرمانه مما أعطاه الله تعالى، فالله غني حميد، وهو مجيب الدعاء، والحسد مضر بصاحبه، وهو استبدال لطلب الخير بولوج الشر.
"تُقيل عثرته وتغفر زلَّته"، فكل بني آدم خطَّاء، لذا كن رحيماً بجارك يرحمك الله تعالى، فأقِل عثرته إذا تعثَّر وكن سنداً له في ذلك، واغفر زلته إذا أخطأ وأساء، وأعطه الفرصة ليتعظ ويعود إلى رشده، وإلاَّ لن تبقى علاقة بين اثنين إذا حاسب أحدهما الآخر وعاداه على كل خطأ يرتكبه.
"ولا تدَّخر حلمك عنه إذا جهل عليك"، فإن بإمكانك استيعابه بحلمك، ويمكن أن تخسر علاقتك معه بغضبك عليه، ولو كان مسؤولاً بسبب تصرفه الجاهل، فله عليك أن تعينه على نفسه، وأن تكون حليماً عند الغضب.
"ولا تخرج أن تكون سلماً له"، بحيث يشعر بالاطمئنان معك، لشعوره بالسلام بجانبك، في حضوره وغيابه.
"تردُّ عنه لسان الشتيمة"، فلا ترض أن يشتم بحضرتك، "وتبطل فيه كيدَ حامل النصيحة"، فلا ترضى أن تكون النصيحة سبباً للكيد والضرر والأذية، "وتعاشره معاشرة كريمة"، فتكون علاقتك معه مطبوعة بالعِشرة الحسنة، وهي خلاصة السلوك العام المأمول من الجار مع جاره.

5- مكانة الجار
س: سمعت رواية عن الرسول(ص) بأنه ظن توريث الجار، فكيف نفهم مكانة الجار على هذا الأساس؟
بلغ اهتمام الإسلام بالجار حداً جعل النبي(ص) يحدثنا عن ظنه بأنَّ الله تعالى سيورثه، فعنه(ص):"من آذى جاره حرَّم الله عليه ريح الجنة، ومأواه جهنم وبئس المصير، ومن ضيَّع حق جاره فليس منّا، وما زال جبرائيل(ع) يوصيني بالجار حتى ظننت أنَّه سيورثه"(5).
إنَّ التواصل اليومي بسبب الجوار ينعكس على حياة الإنسان في مكان استقراره وسكنه، لذا يسأل بعض الناس عن طبيعة وواقع السكان في مبنى معين أو حي معين أو قرية معينة قبل أن يستأجر المنزل أو يشتريه، فإذا ارتاح لمواصفاتهم أقبل على المكان وإلاَّ بحث عن غيره.
كما نلاحظ أن البعض يتمسك بمكان سكنه على الرغم من ضيق سعته وزيادة عياله، لما تولَّد عنده من حب وعلاقة إيجابية مع جيرانه، في مقابل من يسعى لتغيير سكنه بسبب أذية جيرانه له، وخوفه على سلوك أولاده، وطبيعة الأجواء السلبية في علاقات الجيران مع بعضهم البعض.
عندما نسمع كلام الرسول(ص) عن مكانة الجار، نشعر بالمسؤولية في الاهتمام ببعض التفاصيل التي تؤنس الجيران بعضهم مع بعض، وتحقق غرض الجوار الإيجابي بحسب توجيهات الإسلام. وهنا تكمن أهمية اللقاءات الدورية بين سكان المبنى الواحد، والتزاور بين الجيران، والتفقد في الأفراح والأتراح، وتقديم العون والمساعدة عند الحاجة لها، والمشاركة في الأعمال ذات النفع المشترك في المبنى الواحد أو الحي الواحد، من دون النظر إلى غلبة المنفعة الخاصة على منفعة الجماعة، والموافقة على المشاريع والأنشطة التي يرغب بها أغلب السكان من دون النظر إلى الكسب الشخصي، وعدم إيذاء الجار بالاعتداء على حقوقه أو ممتلكاته أو الأقسام المشتركة، وعدم إزعاجه بصوت مولد الكهرباء أو باستغلال الممرات المشتركة للأغراض الشخصية.
وفي كل الأحوال لن تكون تكاليف الأعمال المشتركة كبيرة، وهي تستحق التضحية لمصلحة الجيرة، ولن تكون الخلافات البسيطة بمستوى يستحق التفريط بحسن الجوار، ولن تخدم الأنانية صاحبها عندما يستغل الظروف لمكاسب محدودة على حساب جيرانه. فلو قارنَّا ما نقدِّمه لمصلحة حسن الجوار، وما نأخذه كمكاسب شخصية تسيء إلى الجوار، لوجدنا أن ما نقدِّمه قليل جداً في مقابل نتائجه الإيجابية، وما نأخذه تافه جداً في مقابل مساوئه.

6- احترام وقت الآخرين
س: في الغرب يراعون أوقات بعضهم البعض، ويُعلمون بعضهم مسبقاً برغبتهم في اللقاء، فما رأيكم باعتماد هذا الأسلوب؟
لسنا بحاجة لننطلق من تصرف غربي في مسألة عالجها الإسلام ووضع ضوابطها بدقَّة، ولم تقتصر المعالجة على جانب من الزيارة فقط، وإنما شملت مجمل العلاقات الاجتماعية وما يحيط بها، كصلة الرحم وعلاقة الجوار والصداقة والأخوة والمشاركة في الأفراح والأحزان وغيرها، لكنَّ المشكلة في التطبيق.
لقد اعتاد البعض أن يدرس ظروفه ورغباته، وأن يختار توقيت الزيارة الذي يناسبه، إذ يعتبر التكليف مرفوعاً بين الجيران والأصحاب، فيذهب للزيارة من دون إعلام مسبق ما يسبب حرجاً لجاره، عندما تكون ظروفه غير ملائمة، أو يكون في فترة استراحته، او كان يهييء نفسه لموعد مسبق وزيارة اجتماعية ضرورية مع عائلته. وإذ يحاول إبراز اهتمامه بظروف جاره الذي يصادفه خارجاً من باب منزله، باستعداده للعودة في وقت آخر، لكنَّ طريقته توحي باحتمال حصول مشكلة وخلاف لو لم يستقبله ويلغي مواعيده الأخرى من أجله.
إنَّ هموم وأعباء الفرد في زماننا تتطلَّب تنظيماً دقيقاً للوقت، واحتراماً له من قبل الآخرين، وقد صرَّح القرآن بما لا لَبس فيه عن أهمية الاستئذان ومراعاة ظروف الآخرين، قال تعالى:" فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ "(6)، وعلينا أن نتقبَّل الاعتذار عن الاستقبال بشكل طبيعي وعادي، إذ يمكننا اختيار وقت آخر يكون مناسباً للطرفين. ولا يليق إشعار الجار بقبول عذره، ثم ترتيب آثار سلبية في المعاملة بسبب هذه الحادثة، فالقضية لا تستحق كل هذا التضخيم، إذ أنَّ علاقات الجوار أبسط وأسهل بكثير من هذه التعقيدات، والأصل أن تُبنى على التفاهم واليسر والاحترام، وأن يقدِّر الجار ظروف جاره.

7- الجيران ثلاثة
س: هل تختلف النظرة من جار لآخر؟ وهل للإيمان وعدمه أثر في العلاقات والحقوق المجتمعية للجار؟
إنَّ النظرة الإسلامية إلى الجوار مرتبطة بهذا العنوان الذي يشمل كل فئات المجتمع من كل الأعراق والمذاهب والآراء، ولا تتبدَّل أخلاقية المسلم في التعاطي مع الجيران بين فرد وآخر في ضرورة المحافظة على السلوك الإسلامي والآداب الشرعية، وبالتالي لا تختلف الحقوق المجتمعية العامة للجار الذي ينطبق عليه هذا التوصيف.
والحد الأدنى أن يؤمن الإنسان جاره فلا يؤذيه ولا يظلمه ولا يصيبه بشرور كتطبيق لتعاليم هذه الرسالة السماوية السمحاء، فعن الإمام الرضا(ع):"ليس منَّا من لم يأمن جارُه بوائِقَه"(7)، وأن تتحقق التوجيهات التي ذكرها الإمام زين العابدين(ع) في حق الجار.
روي أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله(ص) وقال له: إني اشتريت داراً من بني فلان، وإنَّ أقرب جيراني مني جواراً من لا أرجو خيره ولا آمن شرَّه. فأمر رسول الله(ص) علياً(ع) وسلمان وأبا ذر أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بـ:"أنه لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه"(8)، فنادوا بها ثلاثاً.
وعلى العموم فحق الجار محفوظ، وقد تزيد عليه حقوق أخرى، وهذا ما نفهمه من الرواية عن رسول الله(ص) بأن الجيران ثلاثة(9): فجار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد.
فأمَّا الجار الذي له ثلاثة حقوق، فالجار المسلم القريب، له حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام.
وأمَّا الجار الذي له حقان، فالجار المسلم، له حق الجوار وحق الإسلام.
وأمَّا الجار الذي له حق واحد، فكل من سكن بالجوار ولا يحمل صفة الإسلام أو القرابة أو كليهما معاً.
وكما تقوى العلاقة أو تضعُف بين الناس كعلاقة شخصية تنمِّيها الزيارات والقناعات المشتركة والتواصل الدائم وغيرها، فكذلك تكون علاقة بعض الجيران مع بعضهم البعض أقوى منها مع البعض الآخر، وهي تندرج في المساحة الخاصة لتمتين العلاقات وتعزيزها وفق الرغبات المشروعة والأُنس الذاتي للأفراد، ولا تؤثر على الضوابط العامة لحقوق الجار التي يجب مراعاتها مع الجميع.

8- الإحسان
س: لاحظنا ورود آية في القرآن الكريم تتحدث عن الإحسان للجار، فما السر في ذلك؟
أمرنا الله تعالى بالإحسان لمجموعة من الناس لكل منهم خصوصية تستدعي إعطاءه من دون مقابل، وتجاوز البدلية في التعامل معه، وذلك لمصلحة تمتين العلاقة بهم، وهو تعبير عن نمط الإسلام في تربية المسلم على الصفات الكمالية، ومنها الرحمة والعفو والإحسان وغيرها، قال تعالى:" وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ "(10)، وذلك في كل مواقع الحياة ومع جميع الناس كسلوك يطبع شخصية المسلم في الحياة، ثم يأتي التخصيص والتحديد ليضفي طابع الاهتمام بشريحة منهم، قال تعالى في القرآن الكريم:" وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراًً"(11).
وعندما تكون العلاقة مع الجار مبنية على الإحسان والتقديم والبذل، وترتبط بالدعوة إلى الله تعالى وعدم الشرك به، نفهم أهمية المحافظة على الجوار وتطوير العلاقة مع الجيران بما ينشر الراحة والإطمئنان بينهم، ولا يقتصر الأمر على كف الأذى عنهم بل الصبر على أذاهم كمفردة من مفردات الإحسان العملي، فعن أمير المؤمنين علي(ع):"ليس حسن الجوار كف الأذى، لكنْ الصبر على الأذى"(12).

9- الجار قبل الدار
س: سماحة الشيخ، أيهما أولى الجار أم مكان السكن؟
تحدث رسول الله(ص) عن حق الجار فقال:
"إن استغاثك أغثه، وإن استقرضك أقرضه، وإن افتقر عدت إليه، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عدت عليه، وإن أصابته مصيبة عزَّيته، وإن مات تبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلاَّ بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فاهدها له، وإن لم تفعل فادخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك يغيظ بها ولده، ولا تؤذه بريح قِدرك إلاَّ أن تغرف له منها"(13).
فإذاً حق الجار أن تعينه وتغيثه وتساعده عند فقره، وتقف إلى جانبه في كل حالات فرحه وحزنه، ولا تزعجه ببناء يمنع عنه الهواء أو يزعجه إلاَّ بإذنه، وتلتفت إلى مشاعره ومشاعر أولاده، فإذا أنعم الله عليك واشتريت شيئاً ولا قدرة له عليه، فاحمله إلى منزلك سراً كي لا يتأثر أولاده وهم محرومون من هذا الشيء، وتقدِّم له من طعامك إذا وصلت رائحته إلى منزله، فهذا دليل على مستوى التفاعل اليومي المطلوب، وحساسية العلاقة بين الجيران، وأهمية البحث عن الجار قبل البحث عن مكان السكن، لأنَّ الجار أهم من المكان، فالجار قبل الدار.
جاء رجل إلى رسول الله(ص)، فقال: يا رسول الله، إني أريد شراء دار، أين تأمرني أشتري، في جهينة، أم في مزينة، أم في ثقيف، أم في قريش؟.فقال له رسول الله(ص):"الجوار ثم الدار، الرفيق ثم السفر"(14).
وقال أمير المؤمنين علي(ع) في نهج البلاغة:"سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار"(15).
وروى الإمام الحسن(ع) قال:"رأيت أمي فاطمة (عها) قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عامود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات، وتسميهم وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء. فقلت لها: أمَّاه لم لا تدعوِنَّ لنفسك كما تدعونَّ لغيرك؟ فقالت :يا بني، الجار ثم الدار"(16).

10- ثمار دنيوية وأُخروية
س: ما هي ثمرة هذه العطاءات للجار؟
إنَّ مكاسب الآداب والسلوك الإسلامي دنيوية وأُخروية، كما هي كل توجيهات الإسلام فإنها تحقق للإنسان منافع دنيوية له، ثم يكسب الأجر والثواب في الآخرة كمكافأة على عمله. فالتوجيهات الإيجابية للتعامل مع الجار تُكسِب صاحبها أجراً في الآخرة لأنَّه التزم بالأوامر الإلهية، وتحقق له ربحاً دنيوياً في اتجاهين:
الأول: تحقيق الاستقرار النفسي والروحي بسبب العطاء والإحسان وحسن المعاملة مع الجيران، فالمؤمن يرتاح لما ينجزه ثم ينعكس إيجاباً عليه، فيربح في علاقاته الاجتماعية، ويأنس بالجو الذي يساهم في إيجاده بين جيرانه، ويشعر بالاطمئنان في الوسط الذي يعيش فيه.
الثاني: الحصول على عطاءات إلهية دنيوية كمكافأة مباشرة على حسن تعامله مع جيرانه، فيطيل الله عمره، ويزيد في رزقه، ويعمر دياره.
قال رسول الله(ص):"حسن الجوار يعمر الديار ويُنسئ في الأعمار"(17).
وقال أبو عبد الله(ع):"حسن الجوار يعمر الديار ويزيد في الأعمار"(18)، وهو مؤدى قول الرسول(ص).

وقال أيضاً:"حسن الجوار يزيد في الرزق"(19).
وفقنا الله تعالى لحسن الاستفادة من توجيهات الإسلام العظيمة، التي ترسم لنا خطوات الحياة السعيدة في الدنيا، وثواب الآخرة في جنة أُعدَّت للمتقين.
الهوامش
(1)السنن الكبرى للبيقهي-ج6 ص276.
(2)روضة الواعظين للفتال النيسابوري –ص 336.
(3)سورة النساء الآية 36.
(4)السنن الكبرى للبيهقي-ج6 ص94.
(5)من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق-ج4 ص 13/مسند أحمد –ج2 ص 85.
(6)سورة النور الآية 28.
(7)عيون أخبار الرضا(ع) للشيخ الصدوق-ج1 ص 27.
(8)الكافي للشيخ الكليني-ج2 ص 666 (بوائقه = شروره).
(9)راجع مستدرك الوسائل للميرزا النوري –ج8 ص 424/كنز العمال-ج9 ص58.
(10)سورة القصص الآية 77.
(11)سورة النساء الآية 36.
(12)كنز العمال للمتقي الهندي-ج16 ص204.
(13)بحار الأنوار للعلامة المجلسي-ج79 ص93.
(14)مستدرك الوسائل للميرزا النوري –ج8 ص 429.
(15)نهج البلاغة للإمام علي(ع) –الخطبة 31 من وصيته للإمام الحسن(ع) عند انصرافه من صفين.
(16)علل الشرائع للشيخ الصدوق-ج1 ص 182.
(17)الكافي للشيخ الكليني-ج2 ص 668.
(18)المصدر نفسه –ج2 ص 667.
(19)المصدر نفسه –ج2 ص 666.
منقول






من مواضيع العضو :
0 علميا: 11مداعبة حميمية تتمنى المرأة لو أنك تعلمها
0 أمور تخجل المرأة الإفصاح عنها بالعلاقة الزوجية
0 أكثر 10 مناطق إثارة بجسد المرأة
0 خـــــــذـني حبيبي
0 احصلي على عينان أكثر سحرا واتساعا دون عمليات التجميل
0 يا فاتنة الحسن
0 مشاكل الضعف الجنسي العشر الأكثر شيوعاً
0 نساء لاتشبع من ممارسه الجنس
0 غشاء البكارة طرق فض غشاء البكارة اسباب فشل فض الغشاء
0 اضرار فض غشاء البكارة باليد إياك وفض غشاء البكارة بيدك
0 خدعة غشاء البكارة
0 فوائد الزعرور - فوائد الزعرور الطبية
  رد مع اقتباس
قديم 11-02-2010, 08:32 PM   رقم المشاركة : 3

السنيورة الليبية
 
الصورة الرمزية السنيورة الليبية






السنيورة الليبية غير متواجد حالياً

السنيورة الليبية will become famous soon enough


افتراضي

بارك الله فبك ياحوث على هذه المواضيع



من مواضيع العضو :
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

RSS2 XML
الساعة الآن 04:49 PM.


Powered by vBulletin V3.7.2. Copyright ©2000 - 2014

Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.0 RC 2