قلت :
" هكذا ستتمكن من... "
لكن وليد قاطعني :
" كلا يا رغد... "
حاولت المجادلة لكنه قال بصرامة لا تتفق و حالته المريضة :
" كلا "
لذت بالصمت بضع ثوان... و أنا في حيرة من أمر هذا الـ وليد !
مادام يجدني عائقا في سبيل تحركاته، لم لا يتركني مع خالتي؟؟ لم يزيد عبء مسؤولياته بينما أنا على استعداد بل و راغبة بشدة في إعتاقه من مسؤوليته تجاهي؟؟
قلت بصوت ضعيف مغلوب على أمره :
" وليد... أنا لا أريد العودة إلى المزرعة... "
نظرت إليه بتوسل... و واثقة من أنه فهم نظراتي... قال :
" لن نطيل البقاء هناك... يومين أو ثلاثة... ريثما استرد عافيتي و سيارتي "
و سعل قليلا... ثم تابع :
" نسافر بعدها جوا إلى العاصمة، و منها إلى الساحلية "
قلت :
" و معنا أروى... و أمها ؟ "
أومأ برأسه إيجابا... فهززت رأسي رفضا...
أنا أرفض العودة لنفس الدوامة من جديد...
خاطبته بنبرة شديدة التوسل و الضعف...
" أرجوك... دعني أعود إلى خالتي ... "
وليد ركز النظر في عيني برهة...
" أرجوك ... وليد "
أغمض وليد عينيه و هز رأسه ببط ء
" لا يمكن يا رغد .. انتهينا من هذا الموضوع "
و حين فتح عينيه كان نظرات التوسل لا تزال تنبعث من عيني ّ...
قال :
" أنا المسؤول عنك يا رغد... "
قلت بسرعة و تهوّر :
" أنا أعفيك من هذه المسؤولية "
و اكتشفت خطورة جملتي من خلال التعبيرات المخيفة التي انبثقت على وجه وليد فجأة...
حاولت أن أخفف تركيز الجملة فقلت :
" أعني... أنني لا أريدك أن ... تزيد عبئي فوق أعبائك ... و خالتي و عائلتها... مستعدون لأن..."
زمجر وليد :
" كفى يا رغد "
فابتلعت بقية الجملة بسرعة كدت أغص معها !
بدا وليد عصبيا الآن... و لكن عجز عن الصراخ لبحة صوته :
" لا أريد أن اسمع هذا ثانية يا رغد... أتفهمين ؟ "
لم أتجاوب معه فقال :
" أنا الوصي عليك و ستبقين تحت مسؤوليتي أنا إلى أن أقرر أنا غير ذلك... مفهوم ؟ "
فجاءني أسلوبه الجاف الفظ هذا... فيما كنت أنا أتحدث معه بكل لطف و توسل... حملقت فيه مصدومة به... حتى المرض لم يلين عناده ؟!
" مفهوم يا رغد ؟؟ "
قلت باستسلام و رضوخ :
" مفهوم "
و خرجت بعد ذلك بهدوء من الغرفة...
كم أشعر بالذل... كيف يعاملني وليد بهذا الشكل ؟ لماذا يقسو علي و أنا من كدت أموت خوفا عليه؟؟ لماذا يتسلط علي و يضرب بعرض الحائط رغبتي ؟
و هل علي أن أتحمّل رؤية الشقراء ترافقه و تتبادل معه الاهتمام و العواطف الحميمة.. بينما أكاد أعجز أنا عن مسح الدماء النازفة من أنفه و هو جريح مريض ؟؟
بعد فترة حضر سامر جالبا بعض الأطعمة... و وجدت نفسي منقادة لما تفرضه الظروف علي... و جلست مع ابني عمّي أشاركهما الطعام بكل بساطة !
إن لدي ابني عم اثنين... هما أهلي و أحبتي و كل من لي... و يساويان في حياتي الناس أجمعين... و إن احتل أحدهما الماضي من حياتي... فإن الآخر ... يحتل الحاضر و المستقبل...
ابنا عم... لا يوجد مثلهما ابنا عم على وجه الأرض !
و نحن نتناول الطعام كنت أراقبهما خلسة... و أصغي جيدا لكل كلامهما...
كم كانا لطيفين حنونين و هادئين جدا... بصراحة الله وحده الأعلم من منّا نحن الثلاثة كان الأكثر قلقا و الأشد اهتماما بشأن الآخرين !
فيما بعد تركت أكبرهما يقيل وقت الظهيرة... و جلست مع الأصغر في غرفة المعيشة نشاهد التلفاز...
~~~~~~~~~