وقفتُ حائرا غير قادر على التصرف... خاطبتني خالتي آنذاك :
" دعنا نذهب يا بني فهذا خيرٌ لنا "
قلتُ معترضا :
" كيف تقولين ذلك يا خالتي؟؟ تعرفين أن رغد تدرس في الكلية و لا يمكنني العودة بها إلى المزرعة و لا البقاء معها هنا وحيدين... أرجوكِ يا خالتي قدري موقفي... أرجوك ... اقنعي أروى بتغيير قرارها المفاجئ هذا "
لكن خالتي هزتْ رأسها سلبا... و قالتْ:
" ابنتي متعبة يا وليد... لقد لقيَتْ منك و من ابنة عمّك الكثير... رغم كل ما تفعله من أجلك... أنتَ صدمتها بقوة... و صدمتني كذلك... دعنا نعود إلى مزرعتنا نتنفس الصعداء... يرحمك الله "
لم أجرؤ على إطالة النظر في عينيها أكثر من ذلك... و لم أجسر على قول شيء... شعرتُ بالخجل من نفسي و أنا أقف حاملا ذنبي الكبير ...أمام كل ما فعلتْه عائلة نديم لي عبر كل تلك الشهور...
كم أشعر بأنني خذلتهم... و صدمتهم...
لكن...
ألم يكونوا يعرفون بأنني قاتل مجرم خريج سجون؟؟
هل يفرق الأمر فيما لو قتلتُ عمار عما لو قتلتُ غيره ؟؟
هل كان علي أن... أبوح بسري إلى أروى منذ البداية؟؟
كان يوما من أسوأ أيام حياتي... حاولتُ النوم من جديد بلا جدوى... و حاولتُ الذهاب إلى رغد و لم أجرؤ... و حاولتُ التحدث مع أروى فصدتني...
قبل غروب الشمس، ذهبتُ إلى أحد مكاتب شركة الطيران و حجزتُ أربعة تذاكر سفر إلى الشمال...
عدتُ بعد صلاة العشاء حاملا معي طعاما جلبتُه من أحد المطاعم...
كنتُ أشعر بالجوع و التعب و آخر ما أكلته كان بعض المكسرات ليلة أمس... كما و أن أروى لم تعد أي وجبة هذا اليوم...
" أحضرتُ أقراص البيتزا لنا جميعا... دعونا نتناولها فلابد أنكما جائعتان مثلي "
قلتُ ذلك و أنا أضع العلب الأربع على المنضدة في غرفة المعيشة، حيث كانت أروى و الخالة تجلسان و تشاهدان التلفاز...
الخالة ابتسمتْ ابتسامة سطحية أما أروى فلم تتحرك...
فتحتُ علبتِي و اقتطعتُ قطعة من البيتزا الساخنة و قضمتُها بشهية...
" لذيذة... تعالي يا أروى خذي حصّتك "
و مددتُ باتجاهها إحدى العلب... أروى لم تتحرك... فقلتُ مشجعا :
" إنها لذيذة بالفعل "
أتدرون بم ردّتْ ؟
" خذها لابنة عمك... لابد أنها الآن تتضور جوعا و هي حبيسة غرفتها منذ البارحة "
فوجئتُ و اغتظتُ من ردّها... و ما كان منّي إلا أن وضعتُ العلبة على المنضدة مجددا و أعدتُ قطعتي إلى علبتها كذلك...
الجو غدا مشحونا... و حاولتْ خالتي تلطيفه فأقبلتْ نحوي و أخذتْ إحدى العلب... و وضعتها بينها و بين أروى و بدأتْ بالأكل...
أما أروى فلم تلمسها...
حملتُ العلبة الثالثة و قلتُ و أنا أغادر الغرفة:
" نعم... سآخذها إليها "
و لا أدري بم تحدثتا بعد انصرافي...
حالما طرقتُ باب رغد و تحدثتُ إليها :
" أحضرتُ لك ِقرص بيتزا... تفضلي "
ردتْ علي :
" لا أريد منك شيئا..."
امتصصتُ ردها المر رغما عني، و أجبرتُ لساني على الكلام :
" لماذا يا رغد؟ إلى متى ستصومين؟ هل تريدين الموت جوعا؟ "
و ردّتْ علي :
" أكرم لي من الأكل من ثروة الغرباء "
استفزني ردها فطرقتُ الباب بانفعال و أنا أقول :
" ما الذي تقولينه يا رغد؟ افتحي الباب و دعينا نتحدّث "
لكنها صاحتْ:
" دعني و شأني "
فما كان منّي إلا الانسحاب... مكسور الخاطر...
استلقيتُ على أريكة في الصالة العلوية... وسط الظلام... لا أرى إلا السواد يلون طريقي و عيني و أفكاري...
و مرتْ الساعة بعد الساعة... و الأرق يأكل رأسي... و الإجهاد يمزق بدني و الجوع يعصر معدتي... و يهيج قرحتي... و لم يغمضْ لي جفن أو يهدأ لي بال...