ربما قد تكون طاوعتني فكرتي على أن أكتبت هنا لأنه لايوجد قسم خاص يعني بالكتابات الحرة أو مايسمى بالقلم الحر لذا كتبت هنا هذا والذي عنون له موضعا باسم " عن الذكاء والعبقرية والمستقبل " والذي هو منصوص في التالي
تعالوا نبتعد قليلاً عن أحاديث السياسة والسياسيين، وما تحمله مثل هذه الأحاديث من تداعيات تبعث على الغم والاكتئاب، وتضاعف من درجة اليأس في النفوس. الموضوع الذي استحوذ على اهتمامي هذا الأسبوع جاء من خبر قصير أوردته صحيفة عربية في كلمات معدودات تحت عنوان (5000 عبقري من أذكياء ألمانيا) وتفصيل الخبر يأتي على النحو التالي "أعلن نادي الأذكياء في ألمانيا أمس أن عدد أعضائه تضاعف في السنوات العشر الأخيرة وبلغ خمسة آلاف من العباقرة، وعلى هامش المؤتمر السنوي المزمع عقده الأسبوع الجاري أرجع النادي الذي يطلق عليه اسم (منسا) أسباب زيادة عدد الأعضاء إلى ارتفاع معدلات الذكاء".
والسؤال الذي يثيره خبر كهذا هو: "كم عدد نوادي الذكاء في الأقطار العربية؟ وعلى الرغم من أن الإجابة بالنفي فإن أسئلة أخرى سوف تتداعى منطلقة في الإطار نفسه، ومنها: لماذا لا تقيم الجامعات العربية في كلياتها المختلفة مثل هذه النوادي وتعمل على اكتشاف نسبة الذكاء بين طلابها للأذكياء - طبقاً للنتائج - إمكانية تطوير مساحة ذكائهم في تخصصاتهم العلمية والإنسانية.. إننا كسائر البشر ولا نختلف عنهم، وهم لا يختلفون عنا سوى بتهيئة الظروف والتمكين للأذكياء من إثبات وجودهم استعداداً للقيام بأدوارهم المطلوبة في خدمة مجتمعاتهم بدلاً عن تجاهل العبقريات ووأدها في مهدها أو تركها للصدفة التي لا تكتشف من الأذكياء سوى أقل من واحد في المليون"!!
إن الأمة العربية في شتى أقطارها زاخرة بالأذكياء وهي على مدى التاريخ مخزن للعبقريات العلمية والأدبية والفنية، وما ينقصها سوى التنظيم والتركيز على اكتشاف المواهب في مختلف التخصصات، وعلى هذا الخصوص كنت قد سألت دكتور جامعي الذي رد لي بقوله "بحكم عملي الطويل في التدريس الجامعي فقد كنت وما زلت أكتشف سنويا في مجال تخصصي الأدبي مواهب خارقة لو توفرت لها حياة كريمة معقولة والالتحاق بنادٍ يسمى (نادي الأذكياء) لكان لنا منهم الكثير من العبقريات الأدبية، وكذلك الشأن في بقية التخصصات الإنسانية والعلمية"، ولكن من يستطيع أن يغير مصير هؤلاء الأذكياء العباقرة ويحولهم من الانشغال بأمور الحياة اليومية وتصريف ذكائهم العالي في أمور يستطيع القيام بها غيرهم من محدودي الذكاء.
ترى هل سيأتي وقت يكون فيه لدى الأمة العربية، ولا أقول لدى كل قطر من أقطارها، نادٍ للأذكياء يجتمعون فيه تحت رعاية رشيدة تستفيد منهم في تجاوز واقع التخلف وما انطوت عليه السنوات الأخيرة من كوارث وحروب وصراعات هامشية وثانوية؟
سؤال أتمنى أن يشاركني في طرحه العشرات والمئات ممن يهمهم أمر هذه الأمة وضرورة العمل على تغيير واقعها عبر منطلقات معرفية علمية ومن رؤية محددة تبتعد كثيرا عن لغة المزايدات والمراوغة والمتاجرة بالشعارات الكاسدة والتي باتت عُملة صدئة لا تجد لها مكاناً في أسواق الأغبياء فضلا عن أسواق الأذكياء.
ومن النافل القول: بأنّ العقل الإنساني الذكي هو الذي صنع معالم هذا التطور المذهل الذي تشهده الحياة المعاصرة، وأن هذا العقل الذكي هو الذي جعلنا نتناول الإفطار في صنعاء والغداء في واشنطن والعشاء في طوكيو أو بكين، وهو الذي أمدَّنا بكل هذه الإمكانات في تقريب المسافات وفي إزالة معوقات الرؤية عبر الأقمار الصناعية وما في مستواها من هواتف مرئية وانترنت. أما الأغبياء فهم وحدهم الذين يحاولون تحطيم هذه القدرات أو تسخيرها لخدمة مصالحهم الضيقة وأحلامهم التي هي في الواقع كوابيس صار يعاني منها كل البشر الطيبين الذين يحلمون بأرض مليئة بحدائق الورد ونوادي الأذكياء.
تأملات شعرية:
العقل المفتوح على وديان
الضوء
الضارب في فلوات المجهول
يسير عميقاً في الأرض
ولا شاطئ يرتاح إليه.
يا هذا..
امنحنا بعضاً من نورك
بعضاً من مائك
نلجأ منه إليه!