نهدٌ من رمادٍ شفيف
لم أكنْ شجاعاً كاليوم في بوح تفاصيلٍ
تعبرُ إلى لجة الغموض
بعد أن أرختْ أميرتي ضفيرتها على نهدٍ من رمادٍ شفيف
ثمة ضوء كان هناك
وفي جنون احتضارِ بلادتهِ مدَّ لساناً أَضاعَ ذاكرة الكلام
فانفجر الموجُ من فرطِ ملوحته
يطيِّرُ نورسةَ النزيف
كانت مرايا سنابلها تُمطر جُلّناراً
وتُريق تعاويذها قطرةً قطرةً على حلمٍ وادعٍ كالحرير
يغصُّ بشهقةِ الموال
وتغمرهُ فيوضُ سحرٍ حلال يزورني كل مساء
على صهوةِ شلالٍ من بنفسج يتهادى على ضفة خصر أنيق
يكتبُ قصائدَ اللّظى على ورق الخريف
يُهفهف عطرَ نشوتِهِ
يغضُّ طرْفَ نزوتهِ ويكتب شهوتهُ على تويجات الضوء
مثل شهيق هطولٍ يَرُدُّ أمطاره إلى لهاث غابة
هجرتها طيورها نحو كهف خرابٍ
زائره الوحيد قمرُ كفيف
ياويح كلَّ صهيلٍ
يرحلُ قبلَ الفجرِ شمالاً
يحمل حسرةَ دمعتِهِ ويُرتِّبُ رتابتَهُ
ويخطُّ على أوردةِ المنفى
عناوين الموت الذي أسبل جفناً من رفيفِ صمتِ نافورةِ مواعيدٍ
يحاصرها انحباسُ غيمٌ كالحةٌ فيه مرايا الشتاء
وعلى شاطئ مهجور
يُريقُ دماء نوارسه ليكتب على الأفق بالأرجوان
(أميرةٌ دخلتْ قريتي فأفسدتها)
بزغتْ فجأةً من رذاذِ الزمان
زمَّلتني برداءٍ من سراب
وأَشعلتْ في القلب ديجورَهُ العاتي بالحداء
حفرتْ قبراً لقصيدةٍ
تتأرجحُ قامتُها في سراب ٍ .. يتلو قليلاً من هجيره
على عراءِ مسيري الذي مزّقَ دفترَ الرملِ بعد أن خط َّعليه :
ياويح كل رحيلٍ يتأبَّطُ في آخر الدرب _ وعد اليباس _ بكامل زينته
ويصدِّقُ أكذوبة الرياح على أشرعةٍ بُحَّ منها النداء
يعقوبية الحزن قافلتي ..
يتدلى صواعها في غيابت بئر يفيض قمحا وتمرا ً
وطيور غباري
تنتف ريش العاصفة لتحمي صغار أعشاشها
وتنشر على حبال دمي زوادة رحيل آزف للمغيب
كان اللقاء الأخير
موعدا لانطفاء نفس ماذاقت بعدهم سكناً من بكاء
وبردا يتدثر بالرحيل على قارب خريف حلوة العينين
يستفيق العمر في ضحكتها
تُكحِّلُ قصيدتي ببعض أهدابها
ثم تحرقها .. وتذرونا رماداً
في نهر الرثاء
تعب الشجو مني في هداة الليل الصموت
لا نبيذها يسكب الصحو على ذهولي
ولا وضوء مسبغ من رضاب قهوتها في الصباح
وحدي
أرفع مرساة لحدي
وبياض أكفاني تجهش بالبكاء ولا من مُخيط سواها
والزمان يضاجع أخاديد النواح
يكحل صوتي المبحوح
بقصاصاتٍ من خريف
و فواصل قصيدة تنوح على أرملة القوافي
تنحت تمثالا لحسرتها
يفترسه عراء الريح
ومن دفتر إلى دفتر ... ذئاب البياض تطارد أرنبة قصائد شبت على الأحزان
مصلوبة _ومن أول التكوين _ على عذرية الصبار
ولاشيء سوى عاصفة تشنق خصلة وحدتي
وتسقي وردة المنفى الأخيرة
آه يانطفة الثلج
أما زال الطريق طويلا إلى رحم النار..؟
هذا جمري المنهوب الرماد
يقبض بأصابعه عليّ
ثم يفتحها
فتغرب شمس القصيدة الشمطاء ساخرة مني
بعد أن شقت يسار صدري وأعادت إلى الخريف أوراقه
وبعثرت ثلة من زغاريد يُطلقها هلاكٌ زوّجَ جلّنارك ِ بأوهامي
هل يغفر الرب ذنبي ..
(( عندما هممت على لوز النهد وفككت أزرار اشتهائي
وأطلقت غزالات أفكاري
لتقضم تفاح هديل الريح ))
لقد تعبت مزاميري من الشرود على ضفاف امرأة
كدست سنابلي بين رحى ضفائرها
وفردت راحة التسبيح فوق كؤوس المساء
تهدهد قمرا يبكي على أمه في الليل
وصدراً تلبَّد بالحنين
وقبرات من ندم غارقة في لجة انتحار الريح
والنشوة البكر يحتكرها كأسك الموغل في الغياب
وأبي من نهر
يبني من أنين الناي كوخا
سقفه من سبع غيمات عجاف
و زفرته تشق قميص الضفتين
وأمي من قصب تُرضعني موالها القروي
وقبل أن يستعير الحمام منها حنجرة الهديل
تشيعني على زورق ورقي
وتهز سرير الماء كي لا يضحل المجرى
آهٍ
في غيابك .. أطلقت تنهيدة الاحتضار الأخيرة
كالغريب على أبواب قصيدة ضاعت مفاتيحها
يتسلق أسوار قافيتها العالية
لم يبق من العمر سوى بعض خريف
تتربص حطّابة الوقت بصفصافه العالي
وعاشقة تغزل في الليل حمامتها
وسبع قصائد تغفو على شرفة دفتر ٍ
قصقصت الأيام سطور زنابقه
وزخرفت بها
.
.
شاهدة اللقاء الأخير
.
.
.
والله يديمك يامطر