إستفتاء أم استغباء
جرى مطلع هذا الأسبوع استفتاء حول منح الرئيس السوري بشار الأسد دورة رئاسية جديدة لسبع سنوات إضافية،وهكذا خاض الأسد معركة انتخابية "شرسة جدا"،كان النجاح فيها حليفه" بخلاف كل التوقعات"!
فوز بشارالأسد كان مفاجأة حقيقية للمراقبين وغير المراقبين رغم أن الإستفتاءات في سنوات سابقة لم تحمل مفاجآت لا في سورية ولا بأي قطر عربي آخر بفضل النظام الإستفتائي،الذي لا يكتفي بحكم الشعب دكتاتوريا بل ايضا يطلب من الشعب توقيعه بين حين وآخر، ويطالبه بالذهاب الى الصناديق ليبصم بموافقته على استمرار النظام ، ويضطر الشعب لترك أشغاله قبل الإستفتاء لينشغل بتجنيد الأصوات للرئيس الذي سيفوز سواء مارس أم لم يمارس دعايته الإنتخابية على 99% من الأصوات وفي أسوأ الأحوال على 97%،والتصويت في النظام الشمولي ليس الذهاب الى صندوق الإقتراع فقط بل هو أيضا الصراخ بأعلى الصوت" بالروح بالدم نفديك يا مرشحنا الوحيد الذي لن يجود الزمان بمثله ولن تحمل النساء مثله ..." والتصويت يعني ملصقات ولافتات عملاقة على الدكاكين والبيوت ومفترقات الطرق تأييدا ومحبة للرئيس، ودعوة للذهاب الى الصناديق والوقوف بالدور للإشتراك بقول"نعم"،وعلى المواطن أن يخصص من وقته بضع ساعات كي يقول هذه ال"نعم"؟ أما إذا تذمر مواطن وقال "لماذا أعطل أشغالي وأذهب الى إنتخابات نتيجتها معروفة ؟"حينئذ يزعل النظام منه! لأن المواطن يجب ان يعبر عن فرحته بنعمة الإستفتاء!
المنافس الإفتراضي للنظام لا يظهر علانية لأن الشعب سوف يتصرف كالقطيع ويبدأ بالتحريض عليه ومن ثم سيعمل النظام على سجنه كما حدث لأيمن نور في مصر الذي تجرأ على منافسة حسني مبارك ولهذا كان لا بد وأن يعاقب، ليس لأن الشعب يكرهه ولكن الشعب سيضطر للنفاق وللتعبير عن حبه الكبير للدكتاتور! وأول من سيغضب من المنافس (الإفتراضي) هم أبناء أسرته والمقربون لأنه بدخول المنافسة يورطهم بمعركة خاسرة سلفا فإذا أصر على موقفه سوف يتركونه وينكرونه وقد يعلنون براءتهم منه في الصحف كي ينقذوا ما يمكن انقاذه من انجازات الأسرة على مدار قرون التي ستصبح على كف عفريت بسبب هذا المنافس!
النظام الإستفتائي الذي درج في الدول العربية يعني ان الرئيس سيخوض معركة انتخابات ضد نفسه، والنكتة ان المرشح الوحيد يجلس في مقر الحزب الرئيسي وينتظر النتائج ربما بتوتر كبير وكأنه في انتخابات حقيقية! علما أن المنافسة الحقيقية في هكذا انتخابات تجري بين افراد الشعب وذلك في من هو أكثر ولاء للرئيس لغويا وعاطفيا ودبكويا ( أي من يدبك أكثر) وسيتنافسون على حجم اللافتة أمام المحل التجاري والملصق على السيارة! وسوف يتنافس الشعراء بتدبيج القصائد العمودية الموزونة طبعا في مدح الرئيس وأمجاده وإنجازاته لأن النفاق العربي لا يتوج إلا بالشعر والخطابات التي تشبه مفرقعات في زفة العروس!
تشتد المنافسة بين فئات وشرائح المجتمع على الولاء للمرشح الوحيد وهذا يشمل الأحزاب العلنية المعترف بها والطوائف والقوميات والأحياء والمؤسسات الرسمية والجمعيات الخيرية ويصل حتى العائلات،وهكذا تزدهر المزايدة ليس في انتقاد النظام لتحسين أدائه بل في حب النظام والولاء له والتفنن والإبداع في قلب أخطائه الى انجازات والغفران عنها حتى إذا اعترف الرئيس نفسه بها ! ويبدو لي ان أكثر من يرحب بفترة الإنتخابات هذه هم أصحاب مكاتب وورشات الإعلانات واللافتات والخطاطون لأنها فرصة لكسب بعض الرزق!
يزدهر في فترة الإستفتاء تضخيم الإنجازات الإقتصادية والعسكرية والإجتماعية للنظام العربي ، مثلا لم نشهد أي مسؤول في هذه الأنظمة يملك الجرأة ويعلن وجود تراجع في النمو الإقتصادي أو أن كوارث اقتصادية قد حصلت وأن عدد الفقراء في البلد قد تضاعف خلال سنوات!
لم نشهد وزيرا يعترف أن الفساد والرشاوى والكذب والنفاق هي الطريقة المثلى لبلوغ الغايات وتحقيق المآرب،وأن معاناة أصحاب الدخل المحدود سوف تستمر الى أجل غير مسمى وأنه لم يتحقق شيء من كل الوعود التي قطعت قبيل الإستفتاءات السابقة! وسوف يشاهد العالم حب الشعب للمرشح الوحيد عبر مظاهرات التأييد ، وسوف يبدو وكأن الجبهة الداخلية منيعة علما أنها هشة بل هشة جدا وما حصل في العراق بعد انهيار النظام يشهد على ذلك!
لعقود كثيرة تتكرر مشاهد الإستفتاءات الى أن يصدق الشعب كذبته ويبدو بالفعل مقتنعا بأنه يعيش أجمل حقبة من ازدهاره وأن البلد لا يمكن أن يعمر إلا بهذا القائد أو ذاك بل أن الدنيا ستخرب اذا ما تم استبداله والدليل مرة أخرى هو العراق! وسيقتنع الناس ان الديمقراطية لا تليق بالعرب وسوف نذبح بعضنا إذا حصلنا عليها وسوف يروّج بعض المثقفين العرب هذه الفرية على العرب! وطبعا سوف يسوقون مثالا ما يحدث في العراق وفلسطين!
ولكن الحقيقة ان ما حدث في فلسطين والعراق هو ما تريده امريكا واسرائيل اللتان تدأبان على محاربة أي بادرة تقدم عربية ، من مصلحة اسرائيل وامريكا استمرار قمع الشعوب العربية وكبتها ، والديمقراطية لا تستسيغها امريكا إلا عندما تكون موالية لمصالحها والعبرة الماثلة هي تشافيز المنتخب ديمقراطيا والذي يحاول الأمريكان التآمر عليه والإطاحة به بطرق غير ديمقراطية!
المعارضة السورية دعت لمقاطعة الإستفتاء لأنه غير مقنع! ويجب أن نحيي هذه المعارضة وإن كانت ضعيفة لا تكاد تلاحظ عل السطح بسبب قبضة النظام ولكن يحتاج المرء الى شجاعة أسد كي يعلن معارضته في نظام شمولي!
صحيح أننا لا نضع كل الأنظمة العربية في سلة واحدة،وهناك الكثير من انجازات للنظام البعثي في سورية وجبهته التقدمية فالنظام السوري نظام ممانع للإحتلال وللتدخل الأمريكي الفظ في المنطقة،وهو الذي مد يد الدعم للمقاومة اللبنانية لأن هذا يلتقي ومصلحته،وصحيح أن اللاجئين الفلسطينيين في سورية يحصلون على حقوق كثيرة ولا يوجد تمييز ضدهم بسبب جنسيتهم الأصلية، وربما هناك انجازات زراعية ومقارنة بالماضي قد تكون كبيرة ولكن هذا لا يعني أن طريقة نظام الحكم الإستفتائي صحيحة وسليمة، فهي دكتاتورية صريحة!
الإستفتاء نوع من الإستغباء فالشعوب العربية لا تستفتى حيث يجب أن تستفتى! والرئيس وحاشيته يقررون ما هو جيد وما هو سيء للشعب والبلاد ،ومن حق الشعب فقط أن يتفضل الى الصناديق ليبصم ...على ما تقرره القيادات التاريخية طبعا..
انا بتاسف لكل السورين بس مو هم المقصودون
وهاد مجرد اخبار
يعني فشة خلق
اخوكم ران امير