ما أحوجنا إلى حاكم وطني
لا أعتقد بأن هناك نظام سياسي أو حزب أو أي تجمّع أيدلوجي أو عقائدي متكامل على وجه البسيطة، ولكل نظام من تلك الأنظمة إيجابياته كما له سلبياته، وهذا يصل بنا إلى الإدراك بأن لا حاكم في هذا العالم إلا وله من يعارضه ويختلف معه أو يتربّص للإطاحة به.
ولكن هناك أفضليات ودرجات في مستوى الحسّ الوطني بين حاكم وحاكم، فإن رجحت كفة الحسنى الوطنية على حساب مركزية القرار، والتفرد في قيادة البلاد وبخاصة في دول العالم الثالث، نستطيع وقتها أن نقول إن الأهمية والأفضلية تحسب إلى من يراعي تماسك ووحدة واستقلال الوطن، وهي دون شك حسنات وضرورات تبيح المحظورات.
خلال فترة حكم الرئيس صدام حسين للعراق لم يحدث أن يقتل 650 ألف عراقي مدني أعزل دون ذنب، ولم يشهد العراق تدميراً شبه كامل لبنيته التحتيّة، ولا تقسيم البلد على أسس طائفية ومذهبية، تبقى تلك التهم التي وجُهت للرئيس صدام عامّة، ولا أعتقد أن أي حاكم أو أي نظام في العالم بريء من مثلها، حتى أن الزعيم العروبي جمال عبد الناصر، وبما عُرف عنه من عطف وروح إنسانية لم ينج من مثل هذه التهم، والمعروف موقفه من صديق عمره عبد الحكيم عامر تحديداً، وقد كان السبب المباشر في نكسة الـ 67 وهزيمة العرب، وحمل المسؤولية كاملة من أجل دولة مصرية عربية، بلا انقسامات ولا نزاعات داخل مجلس قيادة الثورة.
أما شافيز القائد المناهض لظلم الإمبريالية العالمية، فمن دون شك لو نجحت القوى المعادية لفنزويلا في القضاء على نظام حكمه "لا قدّر الله"، ستكون أول تهمة توجه له قمع حريات شعبه ووصفه بالديكتاتور.
وشارل ديجول الذي ناضل وكافح من أجل فرنسا الموحدة المستقلة، فقد كان يواجه الكثيرين من المعارضين لسياسته، خاصة موقفه الواضح في الجزائر. لكن لا أحد على الإطلاق يمكنه القول أنهم خانوا أوطانهم.
لم يحدث في التاريخ المنظور على الأقل، أن حوكم رئيس دولة من قبل المحتل، ولأجندات انتخابية داخلية للدولة المحتلة. فلو كان العراق يتمتع بسيادة وحرية على أراضيه ومواطنيه، لقلنا إنها إرادة شعبية في مقاضاة رئيسه، لكن أن تُعد مهزلة وعلى حلقات ولعدة شهور، والحكم مجهّز مسبقاً، ينتظر الإعلان في الوقت المناسب من أجل خوض الانتخابات الأمريكية الداخلية، يصبح الحكم هنا فاقداً للشرعية وباطلاً جملة وتفصيلاً، والاحتلال غير الشرعي في حكم القانون الدولي، يسقط ذلك الحكم.
أمام هذه المهزلة السياسية نجد أن هناك من يبرر حالة الخرس العربي الرسمي، على خلفية أن ما يحدث في العراق ومحاكمة الرئيس صدام شأن عراقي داخلي، والحقيقة أنه شأن أمريكي- صهيوني وإيراني. فإيران لم تنسَ هزيمتها إبان الحرب، والصهاينة لم ينسوا الصواريخ الموجهة من العراق إلى تل أبيب، ومعظم الحكام العرب، انقلبوا ضد صدام بعد أن أقلقتهم القوة العسكرية للعراق، لتكشف الحرب الخليجية الثانية عن مدى خطورة التآمر على العراق كبلد عربي. كما أنه ليس من مصلحة أمريكا ولا "إسرائيل" وجود تلك القوة العربية، وتشكل خطراً على مخططاتهم في تقسيم الوطن العربي كله.
ما لا يدركه المنقلبون على وحدة واستقلال العراق وقوته، أن هناك فرقاً شاسعاً بين رئيس وطني وآخر خائن، وأن الشعب العربي يفتقد حقيقة لحاكم ينتهج سياسة توحيد البلد ضد الهجمة العسكرية المقنّعة بشعار الديموقراطية، أو كما قيل "ما أحوج العرب إلى حاكم ديكتاتور عادل".
لم نجد حاكماً عربياً ينتصر لكرامة منصبه، وأن يتصوّر بأن الرئيس العراقي صدام حسين هو ند له، وتناسى الجميع مواقف صدام القومية عندما تصدى لتهشيم بوابة الشرق العربي، وعندما دعم الانتفاضة الفلسطينية وأسر الشهداء في أوج حصار العراق، ووقوف المرحوم ياسر عرفات معه بخندق واحد إبان حرب الخليج الثانية، واليوم رغم أن من يصفون أنفسهم بأنهم على درب عرفات، لم يتلفظوا بكلمة حق ولم يتخذوا موقفاً يدين عدم عدالة المحكمة الأمريكية الاحتلالية في العراق، وقبل شهور أقاموا الدنيا ولم يقعدوها على تصريح السيد خالد مشعل، بأن الذين حملوا صور صدام لا يمثلون كل الشعب الفلسطيني، وهذا صحيح، ولا يمكن أن تجتمع الأمة على رأي واحد، ولكن استخدام المظاهرات للطعن بحركة حماس في رأيهم أمر مبرر، والغدر الأمريكي- الصهيوني أمر مبرر أيضاً لطعن المقاومة الفلسطينية بكل مناسبة وفرصة!، وأن ما تلقاه الجالية الفلسطينية في العراق من قتل وتهجير قسري ليس من مهمة منظمة التحرير والزمرة الفاسدة فيها!.
كنا نأمل أن يناصروا باسم الشعب الفلسطيني القضايا العادلة، وأن يعلنوا بشجاعة إن حكم الاحتلال الجائر لا يحتكم للشرعية، كما حال أسرانا في سجون العدو، فالقضايا المبدئية لا تتجزأ ، فكلنا بالنسبة لهم مباح وما شاؤوا فعلوا بنا، سواء كنا رؤساء أو وزراء أو مدنيين عزّل.
أما الشعب العربي هنيئاً له سبات أهل الكهف، وعندما يصحوون مذعورين سيتساءلون ماذا حل بهم وبأوطانهم من قتل وتدمير واحتلال، وانتهاك للمقدسات.
تبقى الإجابة عن هذا كله، خيبة عربية من جماهير وأحزاب سياسية متضاربة تعتبر أن الحكم بالإعدام على صدام حسين نجاحاً لرؤيتها الحزبية، وليس البحث في مبدأ الإهانة والتطاول الأمريكي علينا كأمة واحدة وهي تنصّب نفسها الحاكم بأمورنا وقضايانا. فقد أصبحت حتى المطالبة بوقف تنفيذ الحكم مطلباً باطلاً يقع في محظورات مقاومة الاحتلال، وكأنه لا يعني كرامة وإرادة شعب العراق بإجراء استفتاء عادل ومستقل عن الحكومة ومطالب الاحتلال، لتقرير مصير آخر رئيس شرعي للعراق.
فيا قادتنا الحكماء تصهينوا كما تريدون، وأديروا ظهوركم إلى مشروع المجازر القادمة في فلسطين، وافعلوا كل الموبقات في العالم، فحسابكم مع الشعب عندما يشاء الله.
إنها إهانة ما بعدها إهانة تلحق بكم كرؤساء وحكام وقادة، وهو كأس حنظل لا بد سيأتي يوم تشربون منه، سواء من ولاة أموركم الغرباء، أو من شعوبكم يوم يأتي الحساب، أو عندما تحاك المؤامرات ضدكم ومن داخل غرف نومكم.
الكاتبة: سوسن أحمد برغوثي