جرعت قهوتي دفعة واحدة ، وبلا استئذان تطرق ضربات حادة في رأسي الآن وفي منتصف الليل ، والملل والألم يقطران مني ، أحاول استحضار الصور الغائمة ، أعاود تشكيلها ، أكاد أجن من كمية الكآبة المتزايدة طرقات قوية تدق على قلبي ، أفتح الباب لأجد " عروب " بشعرها الذهبي المشعث وقميصها الذي لا يغطيها والعبرات تتساقط على وجنتيها وعيناها الغائرتان تنبئان بقرب وقوع كارثة .
ابتلعت المفاجأة وحركت عيني متسائلاً فصاحت بي :
- رامي لنتزوج ونهرب .
- إلى أين يا حبيبتي ، أتدقين بابي في هذه الساعة لتقولي بكل بساطة تزوجني ، نهرب ، لا أستطيع أن أفعل هذا بك.
- أترفض ؟
- أنا أرفض الطريقة ، لا أحتمل فكرة هروبك وتدمير كيانك العائلي
- كياني العائلي محطم ، لا يعني شيئاً ،سوف نتزوج …
- أكرر ، لن أوافق على هذه الطريقة الفجة التي تجلب لك السوء .
وبحركة مجنونة دفعتني بقوة كاللبؤة ، فهويت أرضاً ، ووثبت فوقي وشرعت تصفعني صائحة بنبرة حزينة تخالطها الدموع :
- أيها الجبان ، أتعبث بي ؟
استوعبت الصدمة وأحكمت الإمساك بها ، وحصرتها بين قلبي وذراع المقعد وطفقت ألعق دموعها الحارة ، فخفت مقاومتها واسترخت ، فأخذتها بين أحضاني وشربت ألمنا حتى الثمالة .
نهضت من نومي لأجد " عروب " قد أعدت القهوة وسكبتها في فنجاني الضخم الذي كان هدية منها تعبيراً عن معارضتها تناولي القهوة بنهم .
أخذت أعب القهوة اللذيذة بشغف ، ولما انتهيت قدمت لها بعض ملابسي ، وانطلقنا نحو بيتها أوصلها ، وعدت أدراجي أسير حائراً شارداً ومفكراً ، كيف لي بامتلاكها ؟
إن أمها تعارض زواجنا إذا كنت سأبعدها آلاف الأميال ، وتشترط العيش معهم .
لو يعرفون إني لا أنفك مستمراً بالحياة على أمل العودة إلى النعيم الذي لا يزول .
بعد يومين اتصلت بها . أقفلت السماعة في وجهي لحظة سماعها صوتي !
صممت على زيارتها في اليوم التالي . طرقت الباب ، فكانت هي . لم تقل شيئاً ولا حتى همست وأكاد أقسم أنها حبست أنفاسها . مرت دقائق على هذا الحال فقلت :
- صباح الخير حبيبتي .
- قالت : كل شيء قد انتهى .
- لم ينتهي شيء ، سنصلح الأمر وتعود المياه إلى مجاريها .
- لن نستطيع فعل شيء أنى لنا أن نجتمع ونحن من بلدين عربيين مختلفين ؟!
- هذا لن يحول دون ترابطنا يا عروب .
- نظرت إلي باستهزاء وسخرية وضحكة ملعونة على شفتيها ثم صاحت : إذا اجتمعت دولتان عربيتان على أمر ، لن يحول شيء دون اجتماعنا ، فلننتظر إذن !
صفقت الباب بوجهي ، يا الهي كم تلقيت من الصفقات ! هبطت الدرج مسرعاً ، وتساؤل محير يراودني : هل كان علي الفرار بها ؟ هل أنا جبان ما أغباني وما أذكى عروب!
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,*