العراق منذ عام 1991 حتى الوقت الحاضر
رائحة نار و بارود.. لحن حزين يعزفه عود.. جرح نازف.. و قلب ممزق يأمل بأنه في يوم ما إلى أرض الوطن سيعود....
-1-
عاد في المساء كعادته.. استقبلته الجدران الباردة.. و أصداء أحاديث و ضحكات من غابوا..
أمه في المطبخ تحضر طعام العشاء.. أخته ترتب المائدة و هي تتحدث على الهاتف و تضحك.. شقيقه في غرفته يستمع لموسيقا الـ Rock بصوت مرتفع.. و والده يجلس في الزاوية بالقرب من المكتبة حيث يعيش في عالم آخر من خلال صفحات كتاب ما..
لم تعد الحياة بعد سفرهم عادية.. كما لم يكن عمل والده في هيئة التصنيع العسكري عادياً.. و طبعاً قراره بترك هذا العمل لم يكن عادياً أيضاً..
قدم استقالته بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 مباشرة فلم يقبلوها و هكذا امتنع عن الذهاب للعمل و بات مطلوباً!!
بين ليلة و ضحاها أصبح والده مطلوباً و ملاحقاً..
أصبح اسماً ضمن قائمة سوداء دفع الكثير من المال ليشطب اسمه منها لتأتي بعدها مرحلة تهريبه خارج الأراضي العراقية.. تهريبه إلى أوروبا ليستقر هناك مع أسرته..
لقد خرج مرغماً.. خرج من العراق هرباً من ظلم الطغاة.. من ظلم من لا تستطيع أن تقول لهم "لا" لأنهم نصبوا أنفسهم آلهة على الأرض..
الجدران باردة..
الثلاجة خاوية..
و لا يوجد طعام على المائدة!!!
منذ أن سافر أفراد أسرته و تركوا بغداد ظل هو وحيداً.. يتابع دراسته الجامعية.. و ما بين كلية الطب و الدوام في المستشفى كان يمضي الوقت بسرعة و لكنه كان دائماً على موعد مع الذاكرة حين يعود في المساء..
وضع كيس الطعام الجاهز على المائدة.. دخل إلى المطبخ و أخرج صحن و ملعقة و جلس ليأكل.. و كيف يكون للطعام نكهة في هذه الظروف؟؟
العراق مهدد.. ظلم و جوع و خوف و رائحة الحرب تملأ المكان.. الحرب ستقوم.. و يشهد على هذا رائحة الدم و البارود التي بدأت تفوح...
كان يظن بأنه يستطيع مغادرة بغداد بسهولة ما إن ينهي دراسته.. و لكنه لا يرغب بذلك الآن..
الموت يحيط بالبلد من كل جانب و هو طبيب..
كيف يترك المستشفى حيث يعمل؟؟ كيف يترك المرضى و هم بأمس الحاجة إليه؟؟ كيف يترك كل هذا و يرحل؟؟
ألا يكفي أنه لا يوجد ما يكفي من الدواء و لا ما يكفي من التجهيزات؟؟ ألا يكفي أن رائحة الحرب وصلت حاملةً معها رائحة الدم و جراح شعب لا يدري إلى أين تأخذه الأقدار؟؟
أتراه يصنع من المستشفى و المرضى و رائحة الحرب مجرد حجة؟؟
أتراه يريد أن يخفي في قلبه السبب الحقيقي؟؟ أتراه يخجل من الاعتراف بحبه؟؟
يخجل من فكرة اعترافه بأنه يعشق هذا البلد لدرجة الجنون؟؟
يعشقه رغم كل الآلام التي سببها له؟؟
يعشقه بالرغم من النظام القاسي و الضغوط الدولية.. و التهديدات الأمريكية..
يعشقه رغم أن والده اضطر رغماً عنه لهجره.. اضطر لأن يحمل عائلته الصغيرة و يرحل..
يومها رفض أكرم الفكرة تماماً.. رغم أن جواز سفره و الفيزا و البطاقة كانت جاهزة.. يومها قال لوالده:
(هاذي بغداد، و أنا أعيش فيها مثل ما يعيش السمك بالماي.. تريد أتركها للأنذال يلي طالعوك منها و يلي ما يساوون و لا قمري؟؟)
ها هو يغرق كل يوم أكثر.. ها هو سمكة تغرق أكثر و اكثر في محيط اسمه بغداد لم يكن يعرف عنه الكثير..
يمضغ طعامه.. يستمع لتحليل سياسي.. و لآخر الأخبار.. لا شيء يُعرض على هذه الشاشة إلا الأخبار.. يتناول ثلاث لقمات و يشعر بالقرف... ما أقذر السياسة.. ما أقذر السياسيين.. يطلون علينا بربطات عنقهم و قمصانهم الحريرية.. يتحدثون طويلاً.. يقولون الكثير من الكلام الفارغ.. و كي يحصلوا هم على المزيد من الأموال لشراء المزيد من القمصان و ربطات العنق يتخذون قرارات غبية.. قرارت ظالمة..
هذا هو عملهم بكل بساطة و لهذا السبب يتقاضون أجوراً..
يتقاضون أجوراً كي يخططوا للمزيد من الحروب و الموت.. و كلما ازداد الوضع تأزماً كلما لمع نجمهم أكثر و علت أصواتهم أكثر و زادت أرصدة بنوكهم أكثر في حين أن الشعوب المسكينة هي التي تدفع الفواتير الباهظة و تملأ تلك الأرصدة بالدم...
-2-
الثالثة فجراً..
طرق شديد على باب البيت..
تعلو الضربات على الباب..
تعلو أكثر..
ينهض من فراشه مذعوراً..
أتراه كابوس ما؟؟
أتراه يسمع صوت الطرقات في حلمه؟؟
يركض نحو الباب..
يفتحه..
عشرة رجال بضخامة الجدران..
عشرة رجال يسدون نور الشمس بقاماتهم..
يسأله أحدهم بصوت قوي لم يعرف الرحمة يوماً:
(انت أكرم عامر؟؟)
جف حلقه و اصفر وجهه.. أجاب بذعر (إي أنا)
يسحبه رجلان ضخمان على الدرج و خمس وحوش يدخلون إلى الشقة يقلبونها رأساً على عقب..
يقاوم قليلاً يحاول أن يسأل ما الذي يحدث.. يحتج يعترض.. (أنا طبيب ماني بمجرم ما يصير تسوون هالشي.. ما يصير تـ...) و قبل أن يكمل جملته يشعر بضربة على مؤخرة رأسه.. شيء بارد.. ظلام في عينيه و دم يبلل القميص الداخلي الأبيض الذي يلبسه..
-3-
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
لا إله إلا الله
الله أكبر الله أكبر الله أكبر
و لله الحمد..
صباح العيد
رائحة الكليجة تملأ البيت.. تداعب الحواس و تطرب المعدة..
صوت التكبير و التهليل يملأ الحي..
ثم.......
ظلام
سكون
لا شيء إلا الظلام
يشعر بالصداع..
رأسه يؤلمه..
فتح عينيه..
لم يتمكن من ذلك..
حاول أن يتعرف على المكان من خلال الرائحة..
رائحة الرطوبة.. رائحة لحوم البشر.. رائحة الدم.. رائحة العرق و الصديد.. رائحة الحديد.. رائحة العنف.. إنها هي رائحة الموت..
لكن أين اختفى صوت التكبير و أين اختفت رائحة الكليجة؟؟؟؟
حاول فتح عينيه مجدداً..
صورة مغبشة..
ظلام..
هو لا يرى بوضوح..
حاول أن يتذكر ما حدث.. عندها فقط شعر بالألم في مؤخرة رأسه..
آه لقد تم القبض عليه.. لكن السؤال يظل حائراً: بتهمة ماذا؟؟؟
دلو من الماء البارد..
لقد ألقوا عليه دلواً من الماء البارد..
ارتجف.. شهق .. فتح عينيه بصعوبة..
قطرات الماء متوزعة على شعيرات أهدابه..
صورة مغبشة من جديد.. تبدأ بالتوضح رويداً رويداً..
يحاول أن يتحرك..
لكنه مكبل بسلاسل حديدية.. مكبل على كرسي ما.. يداه مكبلتان خلف ظهره و قدماه مكبلتان بأرجل الكرسي..
قطرات الماء على شفتيه..
يشعر بالعطش..
يحاول أن يلعق تلك القطرات بلسانه..
لا تزال عيناه مغمضتان..
دلو آخر من الماء البارد.. يستقبله بفم مفتوح كي يشرب..
يريد أن يفرك عينيه ليزيل آثار الماء و يتمكن من رؤية ما حوله بشكل أوضح.. لكن يداه مكبلتان..
ها هو يرى الآن..
لمبة متدلية من السقف..
يرى شعاعها دوائر دوائر عريضة تأخذ بالاتساع شيئاً فشيئاً..
جثة ضخمة أمامه.. لا يستطيع تميز معالمها لأنها تقف في وجه الضوء و تبدو مظلمة...
(هلا و غلا و الله)
صوت مخيف يرج الغرفة الرطبة...
(الدكتور أكرم... مممممم شاكو ماكو؟؟ شتريد تخبرنا؟؟)
ينظر من جديد محاولاً رؤية معالم هذه الجثة المخيفة.. يحاول أن يعرف ما الذي يحدث.. من الذي يكلمه... أهو ضابط؟؟ لواء؟؟ عميد؟؟ من هو؟؟ كيف سيخاطبه؟؟ أيقول له سيادة اللواء أم حضرة الضابط؟؟ الكلمة هنا محسوبة.. و هو يعلم بأنه (مع الحكومة ما كو لعب)...
و تخطر في باله كلمة سحرية ترضي كل هؤلاء المعقدين.. كلمة ترضي كل من حصل على منصب و ظن بأنه أصبح نائباً لله على الأرض.. كلمة ترضي كل مجانين العظمة.. ألا و هي كلمة (سيدي)...
(سيدي و الله إنتو أدرى بحالنا.. أنا طبيب و أشتغل في مستشفى....) و قبل أن يكمل قاطعه الصوت الصادر عن تلك الجثة.. (نعرف.. نعرف.. هذا نعرفه زين يا معود.. بس حنا نريد الأشياء يلي ما نعرفها).. تتحرك تلك الجثة بعيداً نوعاً ما.. يضع في فمه سيجاراً كوبياً..
كوبا و غيفارا و الثورات.. و طاغية يدخن سيجاراً كوبياً!!!
يا لها من مفارقة!!
كوبا الوطن الذي حرره غيفارا الذي تربى على يديه عشرات الثوار و الحالمين، هي نفسها موطن السيجار الذي يدخنه كل الطغاة!!!
تخرج لتلك الجثة يد.. تمسك باللمبة و توجه نورها إلى وجهه.. و يصيح بصوت عالي:
(شتستنى؟؟ جاوب).. يستجمع شجاعته أمام ذكرى غيفارا التي مرت أمامه للحظات و يقول:
(قتلش ما كو شي ما تعرفونه.. أنا طبيب و....).. الجثة تقاطعه و تصيح بعصبية:
(حمد، راشد.. هذا الكلب ما يفعل يحكي.. يظهر إنو ناسي الكلام.. ذكروه)...
تخرج تلك الجثة و تحل محلها جثتان..
صفعات و ركلات.. صيحات ألم.. ضرب عنيف.. و الكثير من دلاء الماء البارد..
كم هو صعب الظلم!!
كم هو صعب أن ترغب بالصراخ فلا تستطيع أن تصرخ..
أنت ترغب بالكلام فلا تستطيع أن تتكلم..
أن تكون الكلمات كلها عالقة في حلقك كالبلغم دون أن تتمكن من لفظها نحو الخارج..
أن تشعر و كأنك في كابوس.. و بأن هناك من يخنقك.. و أنت تصرخ كثيراً لكن... دون صوت!!!
كم هو صعب أن تجلس عاجزاً تتلقى الضربات فقط دون أن تتمكن من الدفاع عن نفسك..
أراد أن يثور.. أن يفعل شيئاً..
و حين توقفا عن ضربه للحظات..
نظر في وجوه معذبيه.. من بين خطوط الدم التي على وجهه و قطرات العرق الممزوجة بالماء البارد، من بين الألم و الكدمات التي بدأت تظهر آثارها على وجهه..
نظر إليهما و بصق!!
(أنذال.. أنذال.. أنذال) ثم بصق مجدداً..
انهالت عليه الجثتان بالضرب و الركل مجدداً..
القضية الآن باتت شخصية..
بين رجل موثق إلى كرسي و كلبين مسعورين..
لحظات فقط و كان على كرسي كهربائي.. تسري في جسده موجات الكهرباء.. تسري في جسده طاقتها.. ينتفض جسده.. يطلق صيحات ألم يتردد صداها في تلك الغرفة الرطبة.. صيحات ألم تتجاوز الجدران الصماء لتصل لمسامع كل المساجين في حرب نفسية و لا أقوى.. كان ينتفض بقوة مع كل صعقة كهربائية.. يضغط على أسنانه بقوة.. ثم يصرخ متألماً.. و ما أن تنتهي الصعقة و تتقدم نحوه إحدى الجثتين.. كان يستجمع قوته و شجاعته التي بعثرتها الكهرباء و يصيح في وجوههم:
(قلت لكم ما سويت شوي.. ما سويت شي يا ظلام يا طغاة يا أنذال يا كلاب) ثم يبصق من جديد و تسري في جسده الكهرباء من جديد تسابق الدم الجاري في عروقه..