علينا أن نميز بين العملياتي "التكتيكي" و "الاستراتيجي" والتاريخي ومهم جداًَ حل المسائل المتنوعة والمتعلقة بارتباط وتفارق النصر بين المستويات الثلاث.
قد تؤدي مئات الانتصارات العملياتيه "التكتيكية" إلى هزيمة استراتيجية وقد تؤدي عدة انتصارات استراتيجية إلى هزيمة تاريخية لذلك من المهم أن نولي اهتماماً رئيسياً وأن نبذل جهداً مركزياً لجعل الانتصار العملياتي الرائع الذي حققته المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان مقدمة وأساساً لانتصار تاريخي للأمة العربية "والإسلامية" ولجميع المستضعفين في الأرض .
إن هذه المقالة تتواضع لتأخذ مقاسات صاحبها البسيط وهي لن تكون نقداً ولا إرشاداً لأولئك الذين كتبوا بدمهم الطاهر السطور الأولى لاستراتيجية النصر والذين أيقظوا في الأمة أملاً دفن مرات منذ عقود وهم وحدهم الذين استطاعوا إبراز كوامن القوة غير المحدودة في الأمة التي قهرها تحالف الأعداء والأنظمة .
وعودة إلى المقدمة للتوثيق فإني أذكر بأن انتصارات الجيش النازي العملياتية الواسعة أدت إلى هزيمة استراتيجية لألمانيا .
وأن عدة انتصارات استراتيجية في فيتنام "وكوريا" وكمبوديا وكوبا أعقبت الانتصار الاستراتيجي الكبير للاتحاد السوفيتي لم تحل أبداً دون هزيمة تاريخية للمعسكر الاشتراكي .
من هنا أجد من واجبي أن أسهم كمواطن عربي بما رتبه عمل المقاومة علي من واجبات وأن أقترح ما أراه ضرورياً لقوة المقاومة وشمولها وجذريتها في حياتنا كأشخاص ومجموعات ودول وأعتقد أن هذا شرط أساسي للنصر الاستراتيجي والتاريخي .
إن العمليات العسكرية المنتصرة للمقاومة في جنوب لبنان على أهميتها لم تكن العامل الأهم بل ما أحدثته تلك العمليات في الأمة وما أكدته على المستوى الوطني القومي أخلاقياً وسياسياً هو أساس الانتصار .. من أجل ذلك فإن الاستمرارية والاتساق ومجابهة الهجوم المعاكس الإسرائيلي المدعم بالخلل البنيوي في الأمة بكل عوامل الفرقة والتقسيم والصراعات الداخلية وما ملخصه الحالة العراقية المرعبة هي المهمة الرئيسية التي تملي علينا واجبات ملحة في رفع مدى قدرتنا ونجاحنا في جعل جسد الأمة متسقاً وموائماً مع الحالات السياسية والأخلاقية التي رسخها فعل المقاومة وهي واجبات أساسية يتوقف عليها ترسيخ الانتصار .
لم يعد من المسموح استمرار الأولويات التي رسخها مناخ الاستهلاك والفساد والشطارات الحياتية التي فرضتها طبيعة الأنظمة الفاسدة بالبحث عن الخلاص الشخصي .
وعلينا أن نعلم أن المناخات الاجتماعية التي تعطي للمقاومة قوة متجددة في وسط توفر فيه البنية الأخلاقية والسياسية لأمة تريد أن تهزم أعدائها يتطلب تغييراً جذرياً في الأنظمة ومناهج التعليم وفي الاقتصاد وفي بنية الأحزاب .
إن التبرعات .. والمديح الإعلامي وحتى تقديم الدعم اللوجستي .. قد يكون كافياً لمعركة أو أكثر لكن المطلوب هو أعمق من ذلك بكثير وإن الحد المقبول لمتطلبات معركة واسعة لا مفر من خوضها دفاعاً وهجوماً ـ ثقافة واقتصاد ـ علماً وأخلاقاً وسياسة لا يقل عن تغيير جذري في سلم الأولويات والدوافع الشخصية والوطنية والأخلاقية .
إن الدوافع المناسبة للمقاومة تتعارض مع ما هو قائم ويشكل ذلك عامل اختناق لها .. فالتضحية تتعارض جذرياً مع شعار البحث المشروع وغير المشروع في غالبيته عن الثراء .
وانتماء التضحية المجيدة ـ بنكران ذات متقطع النظير ـ للأمة وللوطن يتعارض مع التبوغ القبلي والعشائري، واختيار الدفاع عن الثغور حباً بالله والوطن والأمة يختلف عن دوافع الدفاع عن الثروات والقصور والمقاومة تحتاج للرفاق والأخوة ولا تحتاج للنفاق .
وفي النهاية : إن هذه الظاهرة هي أشرف ظاهرة في عصرنا الحديث وهي أنبل قوة ستنتصر بنا وهي تلزمنا بتغيير كل شيء لا يتسق مع أخلاقها .. وأهدافها وبنيتها .
لقد أثبت حزب الله أنه مقاومة الأمة والآن علينا أن نكون أمة المقاومة فقد انتصرت بانتصاره .