كأس سقراط الأخيرة... القبض على جمر السؤال!!
عندما سمع سقراط نبوءة العرافة ( البيثيا) القائلة بأن سقراطأحكم الناس.فوجئ واراد التيقن من تلك النبوءة, اذ كيف له ان يكون أحكم الناس وهو لايعلم إلا تكسير الصخور, فما كان منه إلا ان أخذ يتجول في الاسواق بحثا عمن يمتلكالحكمة, ليجد نهاية ان كل الناس يدعون الحكمة, بينما أحد منهم لا يمتلكها.
إلا سقراط فهوالوحيد الذي يعرف , انه لا يعرف في الوقت الذي يعتقد الآخرون انهم يدركون ما لايعلمون. وبهذا ا لحدث تيقظت مقدارته الفلسفية القائمة على طرح التساؤلات التي وصلتحد السؤال عن المقدسات .
حوارات سقراطكانت تلقى اهتمام الشباب ما اثار ذعر وقلق سادة اثينا فلفقت له تهمة افساد النشءوالالحاد وعلى اثر ذلك تمت محاكمته وحكم عليه بالموت.
(مسرحية ( كأس سقراط الاخيرة) تأليف موفق مسعود, اخراج وتمثيل زيناتي قدسية, التي قدمت مؤخرا على مسرح القباني تتحدث عن لحظات ما قبل الموت..اللحظات الاخيرة في حياة سقراط وما فيهامن افكار وصراعات نفسية.)
تقدم لناالحكاية المطروحة بضعة مشاهد تشتمل بدورها على تأويلات عن الكيفية التي قتل بهاسقراط فهل تجرع السم فعلاً ام مات ميتة اخرى..?
واذ يطرح العرضتساؤلا عن تلك الميتة, إلا انها ليست الموضوعة الاساس أفلم يشك سقراط من خيانةالاصدقاء, أو لم يشتمل العرض من خلال الحوارات المفترضة ( المنولوجات) كماً هائلاومكثفاً عن أفكار ابي الفلسفة الغربية.. افكار لا تقتصر على مكان وزمان محددين, وانما تتحرر من قيد (الزمانية) ليمتلئ العرض باسقاطات مثيرة ومنبهة للعقل البشري. وبالتالي يمكن لتلك الافكار التي توالدت في رأس سقراط ان تقتحم رأس أي انسان عاقليبغي التحرر من كل سائد متعفن ومن ظلم كل طاغية مستبد وكل فكر سلطوي . ولكن .. أليست الثقافة السائدة في مجتمعاتنا العربية هي ثقافة الاجابة, بل الاستكانة الىتلك الاجابة-كما ذكر أحدهم- لنمسي غير قادرين على التحليق بعيدا في فضاءات السؤال /التساؤل وهنا تبدو اهمية العرض وراهنيته.
اشتمل النص علىمقولات فلسفية يمكن للمتلقي ان يميز انها لسقراط سواء من خلال عمق تلك الاقوالوتكثيف مقدار الفكر فيها , او من خلال الطريقة المميزة التي القاها بها الفنان(قدسية) دون ان يعني هذا اي ضعف في بنية النص ككل ,اذ تنسجم هكذا نصوص مع طبيعةالعروض المونودرامية لأنها تساعد على تأكيد عمق الافكار المطروقة والمطروحة من قبلالشخصية الوحيدة الرئيسية.
اما سينوغرافياالعرض فقد تميزت بنقل اجواء ذاك الزمان, من ناحيتي زي سقراط, وديكور القطع الحجريةوالاعمدة, بالاضافة الى وجود القضبان المعلقة موحية بمكان السجن, ولربما كان ذلككناية عن سجن افكار سقراط.
ديكور الحجر جاءموظفا ببراعة لا سيما عندما اعتبر العمودان وكأنهما افلاطون وكريتون وكأنهما فكراثينا المتحجر مقارنة بفكر سقراط المتمرد الحر, فما الحركة التي يُسقط فيها سقراطالعمودين إلا اشارة الى محاولة النيل من الفكر الجامد المتيبس.
اعتمدت الرؤيةالاخراجية احيانا ادخال أصوات مسجلة, قد يبرر هذا الامر عندما جاءت تلك الاصواتلتعبر عن شخصيتي كل من كريتون أفلاطون , أ ي استعيض عن التجسيد الحسي للشخصيتينبالصوت . ولكن ما لا يبرر ادخال تسجيل لصوت سقراط ( قدسية) في البداية, ما افقدالعرض حيويته وقربه من المتلقي في تلك اللحظة.
نجح سقراط بنشربذور الاسئلة في عقول الشبيبة.. تلك الاسئلة التي حصدت موته ليغدو من اشهر شهداءحرية الرأي واعلاء الصوت المتمرد الخارج عن كل مألوف بال .
اعذروني على صغر حجم الخط..