اللجوء.. شبح مازال يلاحق الفلسطينيين أينما وجدوا
لم تكن نكبة عام 1948 وما تبعها من مأساة تعرض لها الشعب الفلسطيني من تشريد وتهجير وإبعاد عن الأرض والوطن، هي النكبة الوحيدة التي حلت بهذا الشعب على مدار سنوات نضاله الطويلة، ففي عام 1967 كانت خيبة الأمل الكبرى في الهزيمة العربية حين تمكنت قوات الاحتلال الإسرائيلية من إحكام سيطرتها على باقي الأراضي الفلسطينية.
ولازال شبح الهجرة والتشرد يلاحق الفلسطينيين إلي يومنا هذا، فالقوات الإسرائيلية لا تفرق بين هجرة الثمانية والأربعين أو هجرة اليوم، فتهدم البيوت وتجرف الأراضي وتعيد احتلال المدن والقرى الفلسطينية دون مبالاة أو اهتمام، وبمساندة من ذلك الوحش الأمريكي، حتى أصبح المواطن الفلسطيني يعيش حياة الهجرة في كل مكان يحل به، ولم لا مادام الفلسطيني هو المستهدف الأول في هذا الصراع على الوجود والبقاء مع العدو الإسرائيلي.
فلم يقتصر الأمر على إقامة الدولة الإسرائيلية المزعومة التي وعدت بها بريطانيا في عام 1917 وحسب، بل امتد ذلك للقضاء على كل ما هو فلسطيني، وحتى من هاجر من بلده أو قريته وترك أرضه عام الثمانية والأربعين لم تتركه إسرائيل يعيش بأمان ويلملم جراح هجرته الأولى، بل إنها تسعى جاهدة للقضاء عليه وتهجيره مرة تلو الأخرى.
فهناك وبين أزقة المخيم تخرج اللاجئة الفلسطينية رقية محمد نجيب من مخيم جنين تبحث عن مأوى وبيت جديد يوفر لها ولأبنائها أبسط حقوقهم في الحياة الآمنة كباقي البشر بعد أن شردتهم قوات الاحتلال للمرة الثالثة من أي مكان حاولا الاستقرار فيه، ودمرت جميع أغراضهم ولم يبق لهم مسكن أو ملبس أو حتى ما يثبت بأن لهم حق في هذه الأرض ولو مجرد ورقة صغيرة تثبت هويتهم.
فالاحتلال يتعمد تدمير كل شيء كما تقول اللاجئة رقية وتضيف "لقد نجوت وأبنائي من الموت بإعجوبة لأن القذائف الإسرائيلية انفجرت على بعد عدة أمتار منا ورصاصهم مر فوق رؤوسنا مما يؤكد أنهم يريدون القضاء علينا والانتقام من كل فلسطيني ما دام لاجيء وينحدر من ذلك المخيم الذي حطم كبريائهم وهزم قوتهم المتغطرسة"، فبعد شهر على نزوحها من منزلها الذي شيدته طوال سنوات العمر بالعرق والدم والتعب تجد نفسها وأولادها الآن بلا مأوى.
وتقول رقيه والدمع يغسل وجهها "هدمته صواريخ وقذائف الاحتلال الإسرائيلي بلمح البصر بثواني معدودة خلال هجومها على مخيم جنين الصمود, وبعد أيام فقط من ذكرى مرور 55 عاما على نكبتها الأولى كما تقول رقيه عام 1948 والتي شردت أسرتها من بيتهم في حيفا واصلت قوات الاحتلال هجمتها وحربها المسعورة والممنهجة ولم تكتف بما نعانيه من هموم وآلام لتلاحقنا إلى منازلنا التي بنيناها في مخيم جنين بشكل متواضع أملا بالعودة لتلك الأرض التي ستبقى شاهدا حيا على تآمر العالم على الشعب الفلسطيني فلاحقتنا القوات الإسرائيلية ودمرت المنازل الجديدة لتشردنا مرة ثالثه دون سبب وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع".
إن عملية التشريد الثالثة التي فرضتها قوات الاحتلال على رقيه والعشرات بل المئات من العائلات الفلسطينية ومن ضمنها عائلات تسكن في مخيم جنين تجسدت في قول اللاجئة رقية (لم نكد نستقر في المنزل الجديد وبينما كانت كوابيس القصف والصواريخ تقتحم أحلامنا وتنغص حياتنا وتحرمنا طعم النوم والحياة, استيقظنا في تلك الليلة على أزيز الرصاص يقتحم جميع أنحاء المنزل"، وتتابع "في البداية اعتقدت أنه حلم الاحتلال المزعج الذي يلاحقنا كل ليلة ولكن ما أن هز البيت انفجار شديد فأدركت أنها حقيقة وأن هناك هجوم إسرائيلي فزحفت وأطفالي نحو غرفة المطبخ الداخلية وسط صرخاتهم وحالة ذعر شديدة، فالرصاص اندفع داخل منزلنا كالمطر من كافة الاتجاهات، واخترق النوافذ والأبواب ثم ألقيت ثلاثة قذائف سقطت على بوابة المنزل واخترقت جدار غرفة النوم والمدخل الرئيسي.
ووسط الذعر والخوف احتمى أبناء رقية وزوج وخطيب ابنتها في زاوية غرفة الضيافة والأمل يحدوهم وكما تقول "بأن تقيهم الجدران شظايا القذائف ورصاص الموت والحقد ولكن الرصاص مر بيننا فبدأنا نصرخ أوقفوا إطلاق النار هناك أطفال ونساء خاصة وأنني لمحت من فتحة الباب تحرك الجنود قرب درج المنزل ولكن دون جدوى فالجنود القتلة لا يهتمون لصرخاتنا, فحدثتني نفسي أن الجنود قادمون لقتل الذين نجوا من مجزرة المخيم فشعرت بخوف وقلق شديد على أسرتي خاصة عندما شاهدت حالة التوتر والقلق والخوف التي بدت على ابنتي والتي فقدت القدرة خلال ذلك على الكلام".
في ذلك الوقت لم يأت في مخيلة رقية إلا ما رأته من مجزرة مخيم جنين، القتل والدمار والذعر والخوف صراع مع النفس للتحدي والبقاء على قيد الحياة لتكون الشاهد، وتجسد الأسطورة النضالية الفلسطينية فكل الصور المأساوية ومناظر القتل والدمار التي وقعت قبل أيام في مخيم جنين مرت كشريط سينمائي سريع في مخيلة الأم التي صرخت من أعماقها حتى لا تتكرر المجزرة فجعلتها تقف وتتحدى رصاص الجنود وقصفهم وتندفع بسرعة نحو البوابة وتقف بتحدي أمام الجنود لتفدي أبنائها وتمنع المجزرة وتقول: كانت أصعب لحظات حياتي فقد تخيلت دماء ومجزرة جديدة تنتظر أبنائي فقررت أن أخرج من المنزل لأواجه الجنود مهما كان الثمن فلم أفكر بنفسي وبالنتيجة لأن استمرار إطلاق النار كان يعني قتلنا جميعا وبدون تردد فتحت الباب ووقفت وجها لوجه أمام جنود إسرائيلين، وكانوا أكثر من عشرين مدججين بكل أنواع الأسلحة، فهاجموني من شدة ذعرهم ووضعوا أسلحتهم في رأسي وهم يصرخون لا تتحركي أين المخربين, أخرجي جميع المخربين من منزلك وإلا نسفناه، فقلت لهم بغضب لا يوجد لدينا أحد أعيش هنا مع أبنائي وأسرتي فالقاني أحدهم أرضا وهو يصرخ بذعر رغم أنه محاط بجنود وأسلحة.. فوقفت أمامه وصرخت لا تطلق النار هناك أبنائي وتوقف وسأدعهم يخرجون.
وفي لمح البصر تحول البيت لثكنة عسكرية تقول رقية: لم أر إلا جنود يقفزون عن السطح والجدران ويركضون داخل منزلي وهم جاهزين لإطلاق النار, فأخرجوا أطفالي وبناتي ويوسف خطيب ابنتي وحسن زوج ابنتي الثانية وصلبونا على الدرج حتى فتشوا المنزل ثم فتشونا واقتادونا للشارع وصلبونا حتى الصباح واعتقلوا حسن ويوسف وابني حسن 15 عاما رغم أنه مصاب برصاصهم, ولم يكتفي جنود الاحتلال بما أحدثه قصفهم في المنزل من دمار فاتلفوا كل شيء ولم يبق لنا حتى فرشة ننام عليها ولا زلت عاجزة عن إيجاد مسكن جديد لأسرتي فاضطررنا للنوم بين أنقاض المنزل المدمر حتى يفرجها الله علينا.
ليس غريبا أن يحدث ذلك من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي في عائلات وأبناء الشعب الفلسطيني فلقد أصبح الأمر شبه باعتيادي ويقابله الفلسطينيون بكل قوة وتحدي وصمود لأنهم علي يقين بعدالة قضيتهم وشرعيتها في أنهم يحلمون حقيقة الأمر بأن يرجعوا إلى ديارهم وقراهم ومدنهم التي هجروا منها سواء في نكبة 48 وغيرها، فكل المواثيق والقوانين الدولية تشرع لهم هذا الحق لأنه حقهم في العودة ومازالوا وسيظلوا يتحدون المخططات والسياسات الإسرائيلية الهادفة لقتلهم وإبادتهم من هذا العالم ويثبتون جذورهم الفلسطينية من خلال نضالهم وقوة إيمانهم على تحقيق مصيرهم وانتصار قضيتهم العادلة أمام همجية الاحتلال الإسرائيلي مهما قويت غطرسته.