يقول ريتشارد انطون ان تطور أنثروبولوجيا الشرق الاوسط مر بأربع مراحل: مرحلة سيطرة المستشرقين، ومرحلة سيطرة الرحالة والاداريين السياسيين في العصر الاستعماري، اي الأنثروبولوجيين الهواة - ومرحلة سيطرة علماء الانثروبولوجيا المحترفين، وأخيراً مرحلة سيطرة الانثروبولوجيين المحليين.
ما يعنينا ان الاستشراق كان المصدر الاول للبدايات التأملية الانثروبولوجية في الشرق الاوسط. في تلك المرحلة كان المستشرقون (حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريباً) علماء للعهدين القديم والجديد، او مبشرين، وفي افضل الحالات علماء بالدراسات السامية او هواة رومنطيقيين. ومن اجل ذلك يربط ادوارد سعيد بين الاستشراق والانثروبولوجيا ليس في النشأة؛ بل في المادة التي اعتمداها، ثم في انهما علمان استعماريان او نشآ في مرحلة الاستعمار ولخدمته. لكن لا يصح الخلط في هذه الحقبة، اي مطلع القرن التاسع عشر، بين مادة العلم ومنهجه او موضوعه. فالانثروبولوجيا في القرن التاسع عشر علم وضعي متطور، كان بدأ بملاحظات وجمع معلومات في اميركا الشمالية والجنوبية، في القرنين السادس عشر والسابع عشر. فهو فعلاً وليد الاستعمار، وإن حاول الاستقلال عنه في السبعين سنة الماضية. اما الاستشراق، فقد ارتبط بمحاولة الكنائس البروتستانتية ثم الكاثوليكية، ان تعرف اكثر عن موطن المسيح. وخضع التخصص منذ البداية لارغامات في مفاهيمه للحقيقة، ثم في علاقته بتطور العلوم التاريخية والاجتماعية، وأخيراً في علاقته بالاستعمار والسلطات الاستعمارية. مفاهيم الحقيقة فيه خضعت لإرغامات لأن صورة فلسطين والشرق كان ينبغي ان تطابق الوارد في العهدين القديم والجديد. ولهذا فطوال القرن التاسع عشر، وحتى الربع الاول من القرن العشرين، ظلت دراسات كثيرة تتراوح بين اعتبار الاسلام مسيحية محرَّفة او يهودية منحرفة؛ فتريح نفسَها بذلك من الاعتراف بالتغيير في المنطقة بعد عصور الانجيل. لكن في الوقت الذي كان الاستشراق يتعمق بين دراسة اللغات السامية القديمة، واستكشاف المعالم والآثار، كان العهدان القديم والجديد يتحطمان تحت وطأة الدراسات النقدية، التاريخية والأثرية والألسنية، فتنفصل الدراسات اللاهوتية، والاخرى النقدية عن الاستشراق، ويصير الاستشراق تدريجاً اختصاصاً في فيلولوجيات أو تاريخ الاسلام والشرق الاسلامي وشعوبه وثقافاته. ومع هذا الانفصال صار الاستشراق احد العلوم التاريخية، فاقترب مرة اخرى من الانثروبولوجيا مع فارق اساس في المنهج. فالمنهج الانثروبولوجي منهج تأصيلي يفسر كل شيء بالعودة الى الاصل المفترض رمزاً او حقيقة او تاريخاً، بينما التاريخانية التي تعتمد الفيلولوجيا النصية، والتطورات التاريخية، هي التي تسود في الاستشراق. على ان الامر الاكثر تعقيداً يتصل بعلاقة الاستشراق بالسلطة او بالأحرى السلطة الاستعمارية. ففي حين كانت اشكالية الانثروبولوجيا مزدوجة او مركبة من ازدواجين، كان هناك ازدواج من نوع آخر في الاستشراق. في الانثروبولوجيا كان هناك ازدواج البدائي في مواجهة المتحضر، والمستعمَر في مواجهة المستعمِر. بينما كان الأبرز في الاستشراق النقيض الثاني: مستعمِر/ مستعمَر. فحتى بعد الاستقلال، كان الاستشراق يمارَس في دوائر الجامعات التي انتجت الاطروحات الاساسية عن المجتمعات غير الاوروبية، وغير المتقدمة بالمقاييس نفسها. وادوارد سعيد، بل وميمي وفرانز فانون وكلاستر وغوشيه (وغيرهما من محرري مجلة Libre) يرون ان هذه الثنائية مهمة وأساسية في فهم اطروحات الاستشراق الاساسية.