وهكذا تدور عجلة الهيمنة الأمريكية التي صدعت من قبل افغانستان والعراق, لتصبح إيران كما اتهمت سابقاتها عدو الأمس, عدو اليوم, عدو الغد وهكذا يجد العرب أنفسهم فيما يشبه رقصة السلام علي طبول الحرب.. إن أكثر الناس سذاجه هم الذين يعولون علي أن يخرج الرئيس جورج بوش من جعبته حلا لمشكلات المنطقة فلا توجد أزمة اهتمت بها الولايات المتحدة الأمريكية, إلا إنقلبت إلي كارثة, كما حدث في السودان والصومال, ويحدث حاليا في كينيا وباكستان.
تلك هي الثمار الملموسة لمفهوم الهيمنة الأمريكي, وهذه الثمار لم تنضج من تلقاء نفسها, وإنما علي شجرة الأيديولوجية الأمريكية التي واكبت الولايات المتحدة الأمريكية منذ بواكير ميلادها, وتؤكد الوثائق التاريخية صحة هذا الرأي, إذ أن هناك كثيرا من الباحثين يصرون علي أن الولايات المتحدة الأمريكية. قد أقيمت منذ نشأتها علي مشروع استيطاني توسعي علي صعيد القارة( سلب فلوريدا ونصف المكسيك وفتح الغرب وإبادة السكان الأصليين) وصار بالتدريج مشروعا يطال الكوكب بجميعه, علي أنه قطعا إن كنت علي صواب فيما أراه. فإن الهيمنة هي فكرة تجسيد أمريكا, بهدف السيطرة علي الدول, ومنح النمو لها طبقا لاستراتيجية الإعاقة. وهذه الاستراتيجية تولد استراتيجيات أخري منها استراتيجية التفكيك والتجزئة, ولا نود الإطالة هنا وضرب الأمثلة الكثيرة التي زودتنا بها الوثائق التاريخية. وحسبنا منها أن نذكر أن الحرب العالمية الثانية التي دمرت أوروبا والاتحاد السوفيتي والصين واليابان. كانت فرصة مناسبة لتطور تكنولوجي مذهل في الولايات المتحدة. فهي القوة الوحيدة التي نظمت قيادتها العسكرية علي مستوي الكرة الأرضية
وجدير بنا أن نذكر في هذا المعرض أن التاريخ الكامل لتطور الهيمنة الأمريكية ليس من أهدافنا, وذلك أنه موضوع لا نهاية له, وحسبنا هنا أن نذكر أن النظريات( الجيوسياسية) القديمة لفريدريك تيرنر وماهان وبروكس آدمز في نهاية القرن التاسع عشر, ولدت مرة أخري في مغلفات جديدة تتكيف مع الظروف التاريخية المعاصرة, فاولئك وهؤلاء يتقاسمون وجهة النظر نفسها, فقد أكد المنظرون السياسيون المحدثون الأساس الفكري للواقع الراهن للولايات المتحدة كقوة عالمية, كما أنهم ربوا رجال السياسة الأمريكية البارزين, الذين وضعوا أمريكا علي طريق فرض هيمنتها وزعامتها في العالم.. ومن ذلك تحديد ويلس عالم السياسة الأمريكي, حدود الولايات المتحدة بالكلمات التالية: هذه الحدود موجودة في كل مكان
أمريكا تصارع علي مجمل الكرة الأرضية. وما قاله ويلس يصدق شيء من قبيله فيما قاله جون كيلي مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق: إذا كان مقدرا للاستراتيجية الأمريكية بمنأي عن الفيروس الذي أكل الإمبراطوريات ـ والذي يسمونه بالتاريخ ـ فيجب عليها أن تنشر الجثث الإقليمية في كل مكان علي امتداد العالم كله من أجل أن تستعملها بأصابع مدربه في استهلاك أصحاب العظام الساخنة والأفكار الساخنة وبالتالي لا يغفل علي أحد جوهر فكرة( نهاية التاريخ) التي قام بتدبيجها مفكرو الولايات المتحدة وعلي رأسهم فرنسيس فوكوياما. وأول ما نستطيع ملاحظته علي الفور, أن أمريكا لم تضع الوقت في سبيل تحويل الأفكار إلي أعمال, فبعد انهيار ـ الاتحاد السوفيتي عام1991 قامت باستخدام يوغوسلافيا كميدان تجارب لفرض نظامها العالمي الجديد ومذهب الحدود المتحركة الذي لايعترف بأي معاهدات دولية
ومن حيث الجوهر يمكن القول بأن تفتيت واحتلال يوغوسلافيا, يعد تصويرا واضحا للديناميكية التعسفية للفكرة الحدودية في السياسة الخارجية الأمريكية. وإذا استثنينا حرب البلقان, فإن الأغلب الأعم للعمليات العسكرية التي نفذتها القوات الأمريكية منذ أن وضعت الحرب الباردة أوزارها, تمت في الدائرة الاستراتيجية للشرق الأوسط بتخومه الآسيوية الافريقية, وأن جميع الوحدات السياسية التي طالها هذا التدخل العسكري, كانت عربية وإسلامية( هجمة طرابلس, عاصفة الصحراء وتداعياتها المستمره والتدخل بالقوة في الصومال وقصف السودان وتصديع افغانستان ومن بعدها العراق) وذلك أمر قد يشكل مفارقة مكانية واضحة, بحكم أن هناك مواقع أخري كانت أولي بالتدخل العسكري باستخدام نفس مقاييس الذرائع والتبريرات. وكل هذا من شأنه أن يعني أن الدائرة الاستراتيجية بتخومها الآسيوية والافريقية, تشكل جل اهتمامها بدءا من أطروحات( هنتنجتون وبرنارد لويس, عن الصدام القادم والحتمي بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية
ومن بعدهما تكالبت الماكينة البحثية في الولايات المتحدة في سبيل بناء هيكل استراتيجية أمريكية جديدة للقرن الحادي والعشرين, وقد تجدر الإشارة إلي واحدة منها لاعتبارات التوضيح والأهمية في وقت واحد, ويمكن اختار دراسة( تشارلز وليم) تحت عنوان ـ الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين ـ وتتميز خطوطها بأنها ناطقة بالأبعاد المكانية لهذا الوجود الاستراتيجي الأمريكي الجديد سعيا نحو القرن الأمريكي, تقول هذه الخطوط: إن التحولات الديموجرافية( السكانية) في الشرق الأوسط في أفقها المنظور ستبدل تاريخ المنطقة, وستمثل أحد أهم تحولات التاريخ الضخمة, ففي عام1980 كان المسلمون يشكلون18% من سكان العالم, وبحلول الربع الأول من القرن الحادي والعشرين سيشكلون أكثر من30% فمصر ستقفز إلي حدود120 مليونا قبل حلول منتصف هذا القرن, وسوريا ستصبح قوة سكانية بوصولها إلي50 مليونا, والسعودية ستتضاعف ثلاث مرات فتقفز من21 مليونا إلي61 مليونا
أما إيران فإن نموها سيكون انفجاريا, سيتجاوز160 مليونا.. يضاعف من تأثير ذلك تضخم البنية السكانية الشابة في الهيكل السكاني لهذه الدول التي ستصبح أعمدتها تحت ضغط هائل لأجيال جديدة شابه, تتميز بوعي وطني متصاعد يرفض التدخل الأجنبي, ويقوي روح المقاومة ضد سيطرة الشمال, وذلك ما يمثل ـ بألفاظ الدراسة ـ أكبر تحد للوضع الأمريكي في الشرق الأوسط خلال القرن الحادي والعشرين. مما يشكل غطاء لأمريكا ويعطي دعما مباشرا لها لشن عدوانها علي إيران. وأذكر أن سقوط شاه إيران, يظل درسا بليغا محفورا في الذاكرة السياسية الأمريكية, إن من مصلحة أمريكا التأكيد للنخب الحاكمة في الخليج, أن قوات أمريكية دائمة تحميها, وهو الضمان الوحيد لما تعتبره تهديدا قادما من إيران. بعد أن استنزفت السيناريو الخاص بالعراق. ولسنا نريد أن نتابع هذه الأمور بالتفصيل, فليس في هذه المقالة موضع لتقصي مثل هذه المسائل, ولذلك نكتفي بالتساؤل: هل تنجح إيران في كسب المباراة والافلات من العقوبات واحتمالات ضربة عسكرية
وتأكيد دورها كقوة إقليمية, وتثبيت أوضاعها في العراق ولبنان وسوريا والخليج وغزة, وفرض الأمر الواقع وإجبار أمريكا علي التعامل بواقعية, والوصول معها إلي صفقة معينة بنظام المقايضة لربط الملف الإقليمي بالملف النووي؟! وللإجابة عن هذه التساؤلات, قد يكون من الضروري أن نعرف شيئا عن موقف كل من الطرفين المتصارعين ويمكننا ان نذكر في هذا السياق, ضعف الإدارة الأمريكية الحالية داخليا, وتزايد عدم الثقة لدي الشعب الأمريكي في اتخاذها القرارات الصائبة بعد الحرب علي العراق, وتزايد الانتقادات لهذه الحرب ونتائجها, وثانيهما نجاح إيران في كسب التعاطف بعد خطاب الرئيس الإيراني الي الرئيس الأمريكي والدعوة للحوار بينهما, وثالثها موقف الصين وروسيا الرافض لفرض العقوبات, أو اللجوء الي الخيار العسكري في المرحلة الحالية علي الأقل, ورابعها نجاح إيران في تقوية موقفها في المنطقة بتأثيراتها داخل العراق, ومع حزب الله وحماس, ورفعها شعارات رنانة عن تحرير القدس من إسرائيل, لعلمها أن تلك الشعارات سيكون لها مدي عميق في الوجدان العربي والإسلامي وانتهاجها خطابا مطمئنا للدول الخليجية والشرق أوسطية
وتأكيداتها المستمرة علي أن برنامجها النووي سلمي ولايسعي للتحول الي برنامج عسكري, وخامسها فتح ملف إسرائيل النووي بقوة في المحافل الدولية, والدعوة لانضمام الدولة العبرية لمعاهدة منع الانتشار النووي في إطار إقامة شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل ويدعم ذلك تصريح الدكتور محمد البرادعي مدير الوكالة الداعي للحوار مع إيران, وتصريح المخابرات الامريكية.