السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتبه عبدالمنهم الشحات
منقول من موقع صوت السلف
آما آن لك أن تلتزم؟
سؤال جدير بأن نسأله لأنفسنا قبل غيرنا، ولم لا نسأله لأنفسنا وقد سأله الله لمن هم أفضل منا، فأنزل الله على خيرة خلقه بعد أنبياءه على صحابة رسوله r حينما هاجروا إلى المدينة فوجد فيهم نوع من التراخي بعد طول جهاد ومعاناة فأنزل عليهم ربنا
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)
الحديد
هذا السؤال: آما آن لك أن تلتزم؟ سؤال لابد أن يسأله كل واحد منا لنفسه ولغيره، فكلنا في حاجة إلى أن نلتزم وإلى أن نجدد التزامنا ولكننا في هذه الرسالة نوجه السؤال إلى هؤلاء الأخوة الأحباء إلى قلوبنا، لأنهم آمنوا بالله ربًا وبمحمدٍ r نبيًا ولكن ما زالوا بعيدين عن الالتزام بكل ما أوجبه الله عليهم من دين الله فضلاً عن العمل من أجله فلهم حق علينا أن نوجه لهم هذا السؤال: آما آن لك أن تلتزم؟
وقد يقول قائل منهم: ولم هذا السؤال؟ ولم هذا التذكر بعد طول نسيان؟
نقول: لك حق في عتابك علينا وإن كان قد يكون لنا أنواعًا من العذر في تأخرنا في طرح هذا السؤال عليك ولكن الفرصة الآن سانحة لكي نعيد ترتيب البيت الإسلامي من الداخل...
نحن وأنت في خندق واحد
إن الفرصة الآن سانحة جدًا لأنك الآن تشعر بصدق أنك معنا في خندق واحد، لقد مكثت أعوامًا كثيرة وأنت في موقع المتفرج على تلك المعركة التي تدور بين الكفار وبين من أطلقوا عليهم وصف المتطرفين تارة والإرهابيين تارة أخرى، وكأن المعركة ليست بين الإسلام والكفر، أو بعبارة أدق: وكأن المعركة ليست بين بني الإنسان وبين الشيطان الذي أخذ على كاهله أن يضل بني آدم حقدًا وحسدًا لـمَّا حسد أباهم أولاً ثم حسدهم هم ثانيًا.
ظللت تتفرج على هذه المعركة وأنت مخدوع بهذه الشعارات، أنهم لا يحاربون إلا المتطرفين، لا يحاربون إلا الأصوليين، فإذا بك تفيق على أنواع من الحرب الشرسة على أمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها.
• حرب عسكرية تنال من المدنيين العزل غير الملتزمين أكثر مما تنال من الملتزمين.
•حرب اقتصادية؛ هدفها تشريد شباب المسلمين ونشر البطالة بينهم.
•حرب أخلاقية أنت ميدانها الأول.
•وأشد من ذلك وأطم حرب عقائدية؛ فعقيدتك مستهدفة إلى حد أن يطعن في قرآنك، وليس في بلاد الكفر فقط بل وفي بلاد المسلمين أيضًا، وصلت الحرب إلى حد أن يطعن في رسولك r وأن ينشر هذا الطعن على رؤوس الأشهاد علّه أن ينال من عقيدتك، وصلت إلى حد أن يصل التنصير إلى كثير من بلاد المسلمين وقد عشنا زمانًا نتصور أن التنصير لا يكون إلا في البلاد الشديدة الفقر، يستغلون حاجة المسلمين فيها إلى رغيف الخبز؛ فيضلونهم ويخرجونهم من النور إلى الظلمات والعياذ بالله.
فإذا بالتنصير يطرق جميع أبواب المسلمين!!
هل صدقت أنك معنا في خندق واحد؟!
أنت معنا في خندق واحد شئت أم أبيت، وشئنا أم أبينا، كلنا في خندق واحد، ولكن للأسف أنت واقف على باب الخندق.
لماذا تصر على الوقوف على باب الخندق؟!
ولك أن تتخيل مقدار العبء الذي يسببه الواقف على باب الخندق على أهل هذا الخندق، لاسيما وإن كان غير مستشعر أنه في حالة حرب، نعم إننا في حالة حرب حقيقية، إن لم تستشعرها فيما ذكرنا من حرب أولياء الشيطان علينا، فاسمع إلى قول الله U وهو يصف لك حرب الشيطان نفسه على بني آدم وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64)
الاسراء
ثم وصف الله لك الخندق الذي ينبغي أن تفر إليه وقد فررت إليه بالفعل وقطعت نصف الطريق إليه، لا بل قطعت معظم الطريق، لا بل قطعت كل الطريق ولكن للأسف ما زلت واقفًا على الباب إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65
الاسراء
هذا هو الخندق الذي كان ينبغي أن تفر إليه ولكنك وقفت على بابه فلا أنت احتميت من هجمات الأعداء ولا الأعداء كفوا عنك، لأنهم يعرفون أنك توشك أن تدخل إلى الخندق فتحتمي به، وهم يريدون أن يخرجوك.
هل تعرف تلك الحيل العسكرية التي تلقي فيها طائرات الأعداء بأنواع من المنشورات الكاذبة كنوع من الحرب النفسية لكي ترغم الجنود على الاستسلام؟
هل عرفت تلك الحيل التي يلقون فيها على هؤلاء الجنود المشردين الذين لم يستمعوا إلى كلام قادتهم ولم يلجؤا إلى خنادقهم؟
ألم تسمع إلى أنهم يلقون عليهم أنواعًا من الأطعمة والأشربة فيها أنواع من الضرر الفتاك، أو أنهم يلقون عليهم أنواعًا من هذا لكي يستميلونهم لكي يستسلموا وربما طلبوا منهم أن يستسلموا جَمَّاعَاتٍ لا وحدانا، وأن يأتوا بغيرهم يستأسرون لأعدائهم، هذه هي حال الواقف على باب الخندق، وأنت مازلت واقفًا على باب الخندق.
فهل آن لك أن تدخل؟ هل آن لك أن تتحصن بعبادة الله U؟ هل آن لك أن تعتصم بدين الله؟ هل آن لك أن تتوكل على الله تبارك وتعالى؟ هل استشعرت هذا المثل؟
لا تنتحر كانتحار الفَراش
فاسمع إلى هذا المثل الآخر عله أن يزيدك يقينًا، وعله أن يكون أكثر وضوحًا في ذهنك، اسمع إليه r وهو يقول: «مَثَلِى وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي»( ).
هذا هو مثاله r وهذا هو مثال الدنيا بزخارفها نار تحترق وفيها نور هذا النور يجذب الفراش إلى هذه النار، يجذب الفراش إلى هاويته، وهذا الفراش لا يدري أنه ينتحر انتحارًا، ورسول الله r ثم من بعده الذين اتبعوه على سبيله r في الدعوة إلى الله، رسول الله r آخذ بحجز الناس ممسك بهم ممسك بوسطهم يحجز كل واحد، يرده عن الاندفاع إلى حتفه ولكن وللأسف يوجد من يتفلت وللأسف يوجد من يصر على هذه المدافعة.
فلماذا تصر على أن تكون أحد رَجُلين ولا تريد أن تكون الثالث؟ إن هناك من كان كهذا الفراش فوصل بالفعل إلى هذه النار فاحترق والعياذ بالله، وهناك من يصر على أن يتفلت والنبي r ثم من بعده الدعاة إلى الله U يمسكون به ويردونه وهو مصر على أن يدافعهم وإن كان لم يصل بعد إلى النار التي تحرق، ولكنه يريد أن يصل، ولكنه يجاهد من يمنعه على أن يصل لهذا.
فلماذا لا تكون أنت أحد هؤلاء الذين يتبعون هدي رسول الله r، الذين يتبعوا سنة رسول الله r ويأخذون بحجز إخوانهم عن النار ويبعدونهم عن أسباب الشهوات ويأخذون بأيديهم إلى طريق الله تبارك وتعالى؟! لذلك فإن إخوانك الذين مَنَّ الله عليهم بالالتزام قبلك الذين يحاولون أن يكونوا ملتزمين بحق من جملة التزامهم أن يهتدوا بهدي نبيهم r فيأخذون بحجز إخوانهم عن النار، فهل آن لك أن تكون واحدًا منهم؟
هل آن لك أن تبدأ بنفسك فتنهها عن غيها؟ ثم تشرع في الأخذ بحجز غيرك فتمنعه من النار
هل آن لك أن تدخل في هذا الشعار الذي أطلقه r بأمر ربه:
قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108
يوسف
هل آن لك أن تسلك سبيل النبي r فتكون من هؤلاء الذين يأخذون بحجز إخوانهم عن النار؟
أخي الحبيب... أما آن لك أن تركب معنا؟
هذا النداء الذي وجهه نوح u لابنه أن يلحق بسفينة النجاة، وقد كانت سفينة مادية حقيقية وكانت الأمواج تلطمها من كل جانب ولم يكن هناك عاصم من هذه الأمواج إلا أن يؤمن الإنسان فيمنّ عليه ربه I بأن يجعله من ركاب هذه السفينة.
ولكن مازال المثل قائمًا وما زالت أمواج الشهوات والشبهات تعدل تلك الأمواج التي أنزلها الله تبارك وتعالى عقوبة لهؤلاء الذين كفروا بنوح u، ما زالت هذه الأمواج متلاطمة وما زالت توجد سفينة واحدة، تلك السفينة التي قال عنها الإمام مالك رحمه الله: السنة سفينة نوح من ركب بها نجا ومن لم يركب بها هلك.
أخي الحبيب... مالي أراك معرضًا عن السفينة، مكتفيًا بالسباحة وهل تجدي السباحة مع هذه الأمواج المتلاطمة؟
مالي أراك تسبح عكس التيار، إنك إن استمررت على هذه الحال توشك أن تغرق والعياذ بالله.
والسفينة موجودة، والسفينة عامرة تناديك، يناديك ركابها، اركب معنا، فهل آن لك أن تركب؟!
هل آن لك آن تلتزم؟
هل آن لك أن ترجع إلى ربك؟
هل آن لك أن تكون أحد ركاب هذه السفينة؟
اركب السفينة ولكن إياك أن تحدث فيها ثقبًا
أخي الحبيب... اركب معنا.
وإذا ركبت فلتكن على حذر من أخطاءك ومن أخطاء غيرك كن منها على أشد الحذر، فلتكن حذرًا في نفسك، ناصحًا لغيرك ألا يخطأ أي منهم خطأ، هذه مسئولية مشتركة بين جميع المسلمين ليست خاصة بفريق دون فريق ولا بفئة دون فئة.
إذا ركبت في السفينة فلا تُحدث فيها ثُقبًا، ولا تسمح لغيرك أن يحدث بها ثُقبًا.
واستمع إلى هذا المثل الذي ضربه لك رسول الله r «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا . فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا»( ).
نحن جميعًا في سفينة واحدة، اركب معنا فيها وإياك أن تحدث فيها ثُقبًا، وإياك أن تترك غيرك يحدث فيها ثقبًا، وإياك أن تستمع إلى وساوس الشياطين الذين سيزخرفون لك أنواعًا من زخرف القول، وأنواعًا من الشبهات لكي تحدث بنفسك أنت ثقبًا في السفينة، كما ضرب لنا النبي r ذلك المثل، وإياك أن يضيق صدرك بإخوانك وإن ضاق صدر إخوانك بك فاحتملهم لأنكم في سفينة واحدة ترجون من الله U أن تبلغ بكم شط الأمان.
لعلك الآن عرفت الإجابة على ما يمكن أن يدور في خاطرك، لعل يدور في خاطرك أن تقابل من يناصحك بهذا السؤال، بهذا الاعتراض الذي طالما ما اعتراض به كثير ممن يُدْعَون إلى الله تبارك وتعالى:
ومالك وشأني، والحقيقة إننا جميعًا في شأن واحد، ليس لك شأن ولنا نحن شأن آخر، نحن جميعًا في سفينة واحدة، فإن مللت أنت من النصيحة، فلن نمل نحن من تكرارها لأننا نريد أن ننجيك وأن ننجو معك، ولا نريد أن تهلك وأن نهلك معك كما بين لنا رسول الله r.
مأدبة الرحمن
أخي الكريم... اركب معنا وإذا ركبت فحافظ على سفينتنا حتى نصل إلى ساحل النجاة، حتى نصل سويًا إلى مأدبة الرحمن إلى الجنة، تلك المأدبة التي أعدها ربك U للطائعين وأرسل رسوله r يدعو الناس إليها كما بين رسول الله r أن مثله في أمر دعوته إلى الله تبارك وتعالى كمثل سيد بنى دارًا واتخذ فيها مأدبة وبعث داعيًا يدعو إلى مأدبته في داره، فالسيد هو الله تبار وتعالى، والداع هو رسول الله r، والمأدبة هي الجنة، ومن أجاب رسول الله r فقد أجاب الداع وقد أتى المأدبة فهنيئًا له بها، ومن عصى رسول الله r فلم يجب الداع ولم يأت إلى هذه المأدبة؟؟.
فهذه هي التي نريد أن نصل إليها بعد هذه الأمواج المتلاطمة، على الرغم من هذه البحار المليئة بالشهوات والشبهات، فمعنا السفينة التي لو التزمنا بها نصل بإذن الله، فإن هذا الداعي r لما أتى يدعونا وهو يعلم أنه يفصلنا عن هذه المأدبة وعن هذه الدار تلك الأمواج المتلاطمة أتى لنا بتلك السفينة وهيأها لنا وذللها لنا، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، ترك لنا هذه السفينة بلا ثقوب، بلا خروق، بلا أعطال، بلا أعطاب، ونحن الذين نُخرِّقُها، بل والبعض منا يقفز منها فلا يريد أن يستقر عليها مكتفيًا بتلك السباحة الضعيفة ضد التيار ولذلك يغرق من يغرق ويوشك من يوشك على الغرق والسفينة باقية، وركابها ينادون سائر إخوانهم هلموا إلينا اركبوا معنا.
فهل آن لك أن تركب؟
هل آن لك أن تواصل السير لعلنا نصل إلى تلك المأدبة؟
ولعلك تستغرب وتتعجب لما كل هذا الحرص ممن وصل إلى السفينة ويعرف السفينة التي توصله إلى المأدبة وما شأنه وشأن غيره ما دام أنه عرف الطريق إلى تلك المأدبة فإن عادة الناس أن من وصل ومن عرف الطريق إلى أنواع هذه المآدب فإنه لا يدل غيره عليها وإن دله فإنما يدله بكلمة من طرف اللسان وفقط.
ولكنها مأدبة الرحمن... مأدبة يزداد نصيب الفرد فيها كلما أتى بأناس آخرين معه، كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»( ). كلما كنت سببًا في ركوب عدد أكبر لهذه السفينة، كلما كنت سببًا في وصول عدد أكبر إلى بر الأمان، كلما كنت سببًا في وصول عدد أكبر إلى تلك المأدبة، كلما عظم نصيبك منها.
هل علمت الآن لم يتنافس الناس على الدنيا ويتشاحنون فيها، ويطرد بعضهم بعضًا منها، بينما في أمر الآخرة تجد من يصل في الحرص على دعوتك إلى درجة قد تظن أنها تضجرك، إلى درجة قد تظن أن فيها نوع من التطفل على خصوصياتك.
إن كل واحد يريد أن يصحبك معه إلى ساحل النجاة يريد في واقع الأمر أن ينفعك لأن في نفعه لك نفع لنفسه، لأن «...لأَنْ يَهْدِىَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ»( ).
فهل آن لك أن تركب معنا علنا أن يشد بعضنا أزر بعض لكي نصل إلى هذه المأدبة؟
أما آن لك أن تلتزم؟ بعد أن عرفت أن هذا هو المقصود من هذا الالتزام حتى وإن كانت الأمواج متلاطمة، حتى وإن كانت الطريق شاقة، حتى وإن حفت هذه المأدبة بالمكاره، أليست تستحق؟
مأدبة الرحمن: يرسل إليك أشرف خلقه لكي يدعوك إليها، أما تستحق منك كثيرًا من المجاهدة؟
والسفينة موجود، جاء الداعي وجاءت معه هذه السفينة ووصفها لك، فاركب معنا، علنا أن يمن علينا ربناأن ندرك هذه المأدبة.
ماذا يقدم لك الالتزام؟
لعلنا قد أجبنا في ثنايا هذا الكلام عن السؤال الذي قد يتردد في نفسك كثيرًا وماذا سوف أستفيد من هذا الالتزام؟ وماذا سيقدم لي هذا الالتزام؟ إنه هو الطريق إلى الجنة، إنه هو الطريق إلى مأدبة الرحمن...
الالتزام طريق النجاة
وإن أردت فوق هذا وإن كان لا شيء فوقه، فأيضًا نعيم في الدنيا والآخرة، الالتزام يوفر لك النجاة في الدنيا والآخرة، كما قال ربنا تبارك وتعالى:
وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا
ولعلك قد دخلت فيهم وإن كنت أيضًا على الباب، فالإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أعلاها شهادة أن لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ؛ فأين أنت من شعب الإيمان؟ ولعل الآيات قد فصلت شيئًا من هذه الشعب حتى لا تكتفي بأنك قد دخلت من الباب
إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) العصر
فالالتزام يجعلك تنجو من الخسران في الدنيا والآخرة بفضل الله تبارك وتعالى.
الالتزام يمنحك الكرامة في الدنيا والآخرة
قــال تعــالى
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) التين
خلق الله I الإنسان في أحسن خلقه، في شكله وصورته، في أحسن هيئة، خلقها الله تبارك وتعالى ثم جعل قلبه في أمثل الحالات، جعل قلبه مفطورًا على حب ربه وعلى الاشتياق إلى ربه، وعلى معرفة ربه ولكن الشياطين اجتالتهم، ولكن الشياطين حرفتهم، فرجعوا مرة ثانية من هذا التقويم الحسن إلى أسفل سافلين، إلى أن يكونوا كالأنعام بل هم أضل، لأن الأنعام بقوا على هيئتهم التي خلقوا عليها، على صورتهم التي خلقوا عليها، فما مقدار معرفة الله في قلوبهم.
فالأنعام تعرف ربها، بــل والجمــــاد تعرف ربهـــا وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ/الاسراء
بقيت الجمادات كما هي تسبح ربها وبقيت الحيوانات كما هي تعرف ربها، والإنسان الذي كان ينبغي أن يكون أكثر معرفة بالله، أكثر ذكرًا لله، أقرب إلى الله، يعرف بما أعطاه الله من عقل وقلب أن يتقرب إلى ربه وأن يتعبد لربه وأن يُعَبِّد الناس لربه ولكن من فقد هذا فقد صار كالأنعام بل هو أضل، نــــزل إلى أسفـــل سافلين
إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ/العصر
هؤلاء فقط هم الذين بقوا في أحسن تقويم، هم الذين بقوا مكرمين، فهذا الالتزام يمنحك الكرامة في الدنيا والآخرة.
يمنحك السعادة في الدنيا والآخرة قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) /يونس
فضل الله القرآن ورحمته أن جعلنا من أهله، فإذا كنت من أهل القرآن التالين له آناء الليل وأطراف النهار، العاملين به، المقيمين لحدوده، فأنت من هؤلاء الذين يحق لهم أن يفرحوا بفضل الله وبرحمته، وإن كنت ممن يجمع منصبًا وجاهًا أو يجمع مالاً أو يجمع شهوة فرج، أو شهوة نظر، أو غير هذا، فهذا هو ما يجمع أهل الدنيا، وهذا مما لا خير فيـه
الالتزام يمنحك الطمأنينة
قال تعالى الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28 الرعد
فلا اطمئنان للقلوب إلا بالالتزام بدين الله، إلا بالإكثار من ذكر الله، ولعلك تلمس هذا أكثر مما يلمسه غيرك فلا طمأنينة في مال ولا طمأنينة في جاه ولا طمأنينة في شهوة محرمة، ولا طمأنينة في أي شيء من هذا، كل هذا نوع من الريب ونوع من اضطراب القلوب وأما الطمأنينة فبالإيمان مع ذكر الله I.
وفوق هذا الالتزام طريقك إلى الجنة
بل إن أحسنت وأتممت ربما يكون طريقك لصحبة رسول الله r حتى وإن لم تأتِ من الأعمال ما يؤهل لهذا، كما في حديث أنس t أن رجلاً سأل النبي r عن الرجل يحب القوم ولمّا يلحق بهم قال: «...الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ»( ). يقول أنس خادم رسول الله r فما فرحنا بشيء فرحنا بذلك، فأنا أحب النبي r وأبا بكر وعمر وأحب أن أحشر معهم يوم القيامة، فأنت متى فعلت كل ما في وسعك وأحببت رسول الله r ومن علامات محبته اتباع سنته والتزام طريقته فإنك قد تُرزق صحبته يوم القيامة بفضل الله ورحمته.
أتعلم ما في الجنة من أنواع النعيم؟ هل سمعت ما وصف الله لك من أنواع أنهارها وأشجارها وفرشها وحور عينها؟ أتعلم شيئًا أفضل من هذا؟ نعم؛ هناك ما هو فوق هذا
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ /يونس
إن أحسنت في الدنيا، إن التزمت بدين الله في الدنيا؛ فلك الحسنى وزيادة.
والحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.
هذه بعض أمور يقودك الالتزام إليها، فأما آن لك أن تلتزم؟
أما آن لك أن تطلب جنة ربك؟
أما آن لك أن تأخذ بالأسباب التي تجمعك بحبيبك محمد r؟
أما آن لك أن تأخذ بالأسباب التي تؤهلك لأن تنظر إلى وجه ربك U؟
هذه بعض ما يقدمه لك هذا الالتزام.
وأين تحقيق ذاتي؟
فإن قلت وأين تحقيق ذاتي؟ هل أجد هذا في الالتزام؟
قلنا: وهل هناك تحقيق لذاتك إلا في الالتزام!!
فالالتزام أن تضع نفسك في موضعها الصحيح، وهذه النفس خلقت لعبادة الله، كما قال الله
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات
فبالالتزام لا تكون بعدًا إلا لله U وأما بغير الالتزام فلابد أن تعبد غيره، إما عبودية تامة كعبودية المشركين لآلهتهم والعياذ بالله، وإما اتباع للهوى وكما قال r: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ»( ).
أي إذا أصابته مصيبة فلا قام منها.
ألا ترون أن عامة غير الملتزمين اليوم هم عبيد للدولار والجنيه، ألا ترونهم أنهم عبيد لأنواع الأقمشة والملابس والأحذية التي يرتدونها، ويسيرون خلفها، ويلهثون خلفها هذا لمن لم يلتزم بدين الله تبارك وتعالى، فلابد أن تتقاذف قلبه الأهواء وأن يكون عبدًا لكل نوع من أنواع الهوى.
وبمقارنة بسيطة بين حال الملتزم إذا كان ملتزمًا بحق بدين الله تبارك وتعالى وحال غيره تعرف من الذي يحقق ذاته:
الملتزم يقرأ كتاب ربه، يطيع أمر ربه، ينتهي عن نهي ربه، يصلي عندما يسمع نداء ربه يذكر اسم ربه عند نومه، عند استيقاظه، عند أكله، عند شربه، عند دخوله، عند خروجه، همه طاعة ربه، لا سلطان لأحد عليه إلا ربه، إن أطاع أحد غير الله فلأمر ربه، إن طاع والديه فلأمر ربه، وإن احترم كبيرًا فلأمر ربه، وإن رحم صغيرًا فلأمر ربه، هو الملك الحقيقي في هذه الدنيا لأن ليس أحدًا فوقه إلا ملك الملوك، إلا ملك يوم الدين، إلا مالك يوم الدين، لا يجعل أحدًا فوقه ,وإنما ربه هو الذي يأمره، هو الذي ينهاه، لا هم له إلا ربه هذه هي حال الملتزم، يعيش مع ربه I.
وانظر إلى حال غيره إنه دائمًا يلهث وراء عبيد غيره.
ما هو همه؟ ما هي آخر موضات الأزياء؟ ما هي آخر تقاليع الأغاني؟ إن أراد أن يضع برنامجًا لنفسه فإنه يسأل: أين أذهب هذا المساء؟ أي الأفلام الجديدة في دور العرض؟ ما يعجب الفتيات؟ (إن كان شابًا)، وما الذي يعجب الفتيان؟ (إن كانت فتاة)، ما الذي يأكله الناس اليوم؟ وما الذي يستحسنونه؟ وربما استحسنوا اليوم ما كانوا يستهجنونه بالأمس، وربما استهجنوا اليوم ما كانوا يستحسنونه بالأمس، وهكذا هو تبع لغيره دائمًا، ذَنَب لغيره دائمًا، وكما قال بعض السلف: (لأن أكون ذنبًا في الحق خير لي من أن أكون رأسًا في الباطل).
وعامة الناس يكونون أذنابًا في الباطل والعياذ بالله ويفرون من أن يكونوا أذنابًا في الحق ولا أذناب في الحق في واقع الأمر، لأن حتى الذي ليس رأسًا في الناس في أهل الالتزام، فإنه لا يسمع كلام أحد إلا إن كان مشفوعًا بالدليل من أمر الله U ونهيه، ففي واقع الأمر، لا سلطان لأحد عليه إلا ربه .
انظر إلى حال غير الملتزم في نومه، في استيقاظه، في جميع شئونه، ما هي الأمور التي تتقاذف قلبه؟ ما هي الأمور التي تحضر في قلبه؟ تعرف كيف أن الملتزم يجمع همته على ربه تبارك وتعالى فيجعل في قلبه طمأنينة وسكينة وأن غيره قلبه ممزق على هؤلاء العباد، فلا يحقق ذاته وإنما يكون عبدًا لكل ناعق، وأما من التزم بدين الله تبارك وتعالى، فلا يكون عبدًا إلا لله .
هل عرفت إذًا أن الالتزام هو الذي يحقق ذاتك، هو الذي يجعلك عبدًا لله تبارك وتعالى وبه تسمو على عبودية جميع الخلق، وأنك عندما تقصر في عبادتك لربك فلابد أن تقع في شيء من العبودية لغير الله I.
وهناك تكمله له فى الجزء الثانى وهى فيها شبهات ورد عليها