شبهات وهمية وعلة متأصلة
ولكن لابد وأن تطرح أنواعًا من الشبهات وقبل
أن تطرحها، أريد أن أذكر لك علة رئيسية يمكن أن تجيب على كل ما ستطرحه من اعتراضات.
اسمع إلى قوله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى{17} //الاعلى17
كل ما ستذكره من أعذار، كل ما ستذكره من اعتراضات قد يكون منبعه أنك لم تستشعر شرف الآخرة، أنك لم توطن نفسك على أن تركب تلك السفينة في هذه الأمواج المتلاطمة، وأن تصبر إلى أن تصل إلى ساحل النجاة، أن تصل إلى المأدبة التي أعدها الله U لعباده المطعين الذين أجابوا رسوله r.
كل ما ستذكره من اعتراضات يدخل تحت هذه القضية، وهلم لكي نذكر بعضها:
فلعلك أن تقول:
ولكن الله لم يرد بعد أن أهتدي:
ونقـــول لك قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا//الانعام148
هل أطلعك الله على إرادته فيحق لك حينئذٍ أن تحتج بها؛ هل أخبرك الله أنه لن يهديك إلا في العام الفلاني، أو في الساعة الفلانية، حجب الله قضاءه وقدره عن العباد فلا تعلمه إلا بعد وقوعه، إذًا فلا عذر لك إلا أن تأخذ بالأسباب وإلا أن تجد وتجتهد فعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ قَالَ فَقَالَ:«نَعَمْ» . قَالَ: قِيلَ فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ قَالَ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»( ) خذ بأسباب الهداية استمع إلى كتاب الله، اعرض قلبك على كتاب الله وعلى سنة رسول الله r، تضرع إلى ربك أن يهديك، اسأل ربك اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ{6/الفاتحه
). سيهديك الله بفضله وبرحمته.
هل علمت إذًا أن الآفة الرئيسية هي إيثار الحياة الدنيا وأنك لا تعلم ولم تتيقن بعد أن الآخرة خير وأبقى لأنك لو تيقنت هذا لما ذكرت هذا الاعتراض، لأنك مع علمك أن الرزق بيد الله وأن الشفاء بيد الله وأن كل شيء من قدر الله إلا أنا نراك شديد السعي في أمور الدنيا، تحصل أسبابها، وتسعى فيها وتقول أن ترك الأسباب نوع من التواكل لا يليق بعاقل فمالنا نراك تترك أسباب الهداية ولا تأخذ بها وتريد أن تنزل عليك من عند الله
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى{17
أما آن لك أن تشرع في الأخذ بأسباب الهداية؟
أن تدعو ربك وأن تتوكل على ربك، وتقرأ كتاب ربك، وأن تجلو الصدأ عن قلبك، فيرزقك الله U الهداية بفضله ورحمته.
ولكن الوقت غير مناسب
نقول لك إن خمنت أن تعيش إلى هذا الوقت الذي تراه مناسبًا فافعل ولكن أنى لك أن تضمن!! وهل سمعت إلى تلك النصيحة التي أسداها لك ابن عمر t: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء».
ولماذا تنتظر في أمر الآخرة وقد يأتيك الموت بغتة فلا تدرك مُناك ولا تصل إلى هذا الفضل والثواب وإلى هذه المأدبة التي دعاك إليها الله ، وأرسل إليك خير خلقه لكي يدعوك إليها فإن استطعت أن تحصل على ضمان أن تعيش إلى تلك اللحظة التي تراها مناسبة فافعل وإن لم تحصل على هذا الضمان ولا أراك يمكن أن تحصل عليه فَجِدَّ واجتهد في أن يكون التزامك منذ اللحظة أن تعود إلى ربك وإلى طريق الهداية.
ثم هناك سؤال آخر: ما هو الوقت المناسب الذي تراه أنت مناسبًا؟
لعل الوقت أن يكون بعد أن تنهل من شهواتك التي أنت مغرم بها والتي تظن أنك غير قادر على تركها، لعل الفتاة لا تريد أن تلتزم إلا بعد أن تتزوج لأنها لم تتوكل على ربها، لأنها تظن أنها لن تتزوج إلا إذا تبرجت فقد تؤجل قضية الالتزام برمتها إلى أن تفرغ من هذه الشهوة
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى
اسعى إلى الآخرة ولا تؤثر عليها الدنيا، ووالله إن الدنيا ستأتيك وهي راغمة أيضًا، ولكن اجعل همك الآخرة أولاً.
ثم إن كانت القضية أنك تؤجل الالتزام إلى أن تحدث توبة شاملة، فما الذي يمنعك من أن تكون هذه التوبة الشاملة الآن؟هذه هي التوبة النصوح التي أمرك الله أن تفعلها، أن تتوب توبة شاملة، توبة نصوحًا إلى الله I.
ولكن مع هذا هب أنك تتوهم (وإن كان هذا وهم شيطاني) أن هناك معصية معينة لا تقدر على تركها الآن وهناك معصية أخرى تستطيع أن تتركها فهلا تركت التي تقدر عليها؟
إن القضية قد تكون في بعض الأحيان كحال المسائل الرياضية!! لها خطوات قد تمتنع أن تضع الحكم وتكتب شيئًا من الحل قبل أن ترتب في ذهنك جميع الخطوات، وأنت تعلم خطوة أو خطوتين من الحل ومتى امتنعت عن كتابتهما حتى ترتب في ذهنك الحل الكلي ربما لا تخطو ولا خطوة، وإذا كتبت ما تعرف من الخطوات ربما وجدت أن المسألة أيسر مما تتصور وهذا والله يحصل في كثير من الأحيان، فإن الله أكرم الأكرمين من تقرب إليه شبرًا تقرب منه ذراعًا ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا ومن آتاه يمشي أتاه هرولة I فإذا ما وضعت قدمك وأردت بذلك مرضاة ربك فيُرجى أن يفتح الله لك وأن يزيل عن قلبك تلك الغيوم وتلك الوساوس الشيطانية التي توهمك أن هناك أنواع من الطاعات لا تقدر عليها، وأنواع من المعاصي لا تقدر على تركها، وكن على يقين أن كل ما أمرك الله به فهو داخل في مقدورك وكل ما نهاك الله عنه فهو أيضًا داخل في مقدورك أن تنتهي عنه فإذا أيقنت بهذا فإنه سيكون عونًا لك بإذن الله تبارك وتعالى على أن تخطو هذه
الخطوات إلى الالتزام بدين الله .
ولكنكم معشر الملتزمين مختلفون فيما بينكم
فعلى أي التزام تدعوننا وأنتم تختلفون في كثير من القضايا؟
نقول: اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه.
إن هناك قضايا مشتركة بين كثير من الملتزمين يدعونك إليها، هلا استجبت إليها أولاً ثم بحثت عن نقاط الخلاف، إنهم يدعونك أولاً إلى أن تشعر أنك مسلم عليك مسئولية كمسئوليتهم هل استشعرت هذه القضية، إنهم يدعونك إلى أن تدخل تلك الخنادق التي وصفناها لك فهل هممت بدخول الخنادق فوجدت خنادق مختلفة لكي تبحث عن أمتنها وأكثرها مناعة إنهم يدعونك لركوب السفينة، فهل
هممت بأن تركب ثم تبحث لك عن مكان في السفينة أم أنك ما زالت تسبح عكس التيار.
لماذا تستبق الأحداث، لماذا تُخذِّل نفسك عن الالتزام بدين الله I.
هل من مسلم يشك أن قراءة القرآن فيها خير؟!!
نحن ندعوك لقراءة القرآن.
هل من مسلم يشك أن الصلاة عماد الدين؟!
نحن ندعوك إلى الصلاة.
هل من مسلم يشك أن غض البصر من الإيمان؟!
نحن ندعوك إلى غض البصر.
هل من مسلم يشك أن إطابة المطعم مما جاء به النبي r؟!
نحن ندعوك إلى أن تُطبْ مطعمك.
هل من مسلم يشك أن نُصرة دين الله تبارك وتعالى من آكد الواجبات؟!
نحن ندعوك إلى أن تنصر دين الله تبارك وتعالى.
ففيما التعلل بأنواع الاختلافات، التي وإن أقررنا بوقوعها إلا أنك لازلت غير متعرض لها، خذ من الإسلام كل ما علمت أنه من الإسلام، لا تتعلل بأنواع العلل.
ثم مرة أخرى نقول لك:
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى
لماذا؟ لأنك في أمر الآخرة، وكأنك مستغنٍ عنها، متى دعاك الدعاة إليها اشترطت عليهم أن يتفقوا أولاً، واشترطت عليهم كذا وكذا وكأنك في
غنيٍّ عن الآخرة.
تُرى هل اتفق أهل الدنيا عليها؟
تُرى حينما تأتي تختار مجالاً لدراستك هل تجد مجالاً واحدًا؟ أم تجد عشرات المجالات؟
تُرى هل تعرض عن هذه المجالات كلها؟ أم تأخذ تبحث وتفتش وتفاضل بين أنواع الاختيارات؟
إذا أردت أن تعمل تُرى هل تجد مجالاً واحدًا؟
لا نريد أن نقول ما هو أحقر من هذا:
إذا أردت أن تشجع فريق كرة هل تجد فريقًا واحدًا أم أنك تبحث في هذا اللهو الذي حريًا بك أن تندفع عنه، كان حريًا بك أن تتركه ولو لم يختلفوا عليه، ولكنهم على الرغْم من اختلافهم عليه، تجد أنك ربما تبحث وتفتش وتقول أنا أنتمي إلى هذا الفريق وهو أفضل من ذاك الفريق.
تبحث عن تاريخه وتحفظه وكان أولى بك أن تحفظ تاريخ سلفك الصالح الذين هم القدوة لك، الحاصل أن أهل الدنيا يختلفون عليها، في جدها وفي لهوها، وأنت لا تترك شيئًا منها؛ لا من جدها ولا من لهوها بسبب هذا الاختلاف فلماذا تترك دين الله I بدعوى أن الملتزمين مختلفين؟ وهلا أقبلت على الله ؟ وهلا عملت بما تيقنت أنه من الدين ثم سألت الله أن يهديك إلى الحق لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ//البقرة213
فيما لم تتيقن شأنه، وفيما التبس عليك.
هكذا...
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى
ولكن منكم منفرين
هذه أيضًا علة قد يتعلل بها البعض وقد ذكرنا أننا جميعًا في خندق واحد، أننا جميعًا نركب سفينة واحدة، وقد ذكرنا أنه لا يحق لأحد أن يحدث ثقبًا في السفينة، ولا أن يترك غيره يحدث ثقبًا، فإن سلمنا لك بوجود هؤلاء المنفرين، هل تتركهم يحدثون الثقب في السفينة وأنت راكب فيها؟ أم تقفز منها؟ أم تمنعهم كما بيّن رسول الله r؟
إنه قد يوجد هؤلاء المنفرين، وقد وجدوا في كل زمان ومكان، حتى زمان رسول الله r أشرف الأزمنة، وجد فيه من أخطأ الفهم في بعض الأمور أو من تنطع في بعضها، قد يوجد هذا، قد يكثرون في زمان دون زمان، أو في مكان دون مكان، ولكن يبقى.
هل تترك هذا الثقب أو هذه الثقوب في السفينة؟
أين دورك أنت؟ لماذا دائمًا تتكلم من منطق المستغني؟
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى
أنت في حاجة إلى هذه السفينة، في حاجة إلى أن تركب فيها، في حاجة إلى أن تصلحها، ليس لك بديل آخر لكي تقول هذه سفينة مثقوبة، فهل وجدت السفينة التي لا ثقب فيها؟
ثم سؤال آخر، كم نسبة هؤلاء المنفرين إلى هؤلاء الذين يدعون إلى دين الله ؟ إن المنصف الذي يدقق، فإنه سيجد بفضل الله I أن هؤلاء المنفرين قلة بفضل الله
ثم لماذا ترضى لنفسك دائمًا أن تكون كحالة هذا الرجل الأحمق الذي ضرب له رسول الله r هذا المثل يقول: «مَثَلُ الَّذِي يَجْلِسُ يَسْمَعُ الْحِكْمَةَ ثُمَّ لا يُحَدِّثُ عَنْ صَاحِبِهِ إِلا بِشَرِّ مَا يَسْمَعُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى رَاعِيًا فَقَالَ يَا رَاعِي أَجْزِرْنِي شَاةً مِنْ غَنَمِكَ قَالَ اذْهَبْ فَخُذْ بِأُذُنِ خَيْرِهَا فَذَهَبَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلْبِ الْغَنَمِ»( ).
كانت أمامك الأغنام كثيرة فلماذا انتقيت الكلب ثم قلت، أعطوني غنمًا وقد كان أمامك أن تأخذ من أجود الغنم؟
نعم؛ يوجد منفرين ولكن لماذا تنفر أنت ولماذا
لا تكون أنت ناصحًا لهم؟ رادًا لهم إلى الحق؟
وربما تجد الواحد يتذكر أمورًا من الشر لو كان متخلقًا بأخلاق الالتزام لنساها، ولما تذكرها أصلاً.
كم سمعنا ممن يحكي أنه يمنعه من الالتزام، أنه وهو طفل صغير دخل مسجدًا من المساجد فوجد فيه بعض كبار السن ممن بطبعهم وهذا أمر طبعي من السنن الكونية أن كبار السن قد لا يملكون سعة الصدر الكافية أو قد يكون بعضهم أحيانًا لديه بعض الأمراض أو غير هذا مما يجعله لا يحتمل أي نوع من الضوضاء أو غيراها.
الحاصل... يقول: أنا لا ألتزم عمري الآن كذا وعشرون سنة ولمن ولم التزم لأني حاولت وعمري خمسة سنوات...،
يالقسوة قلب هذا الذي يعاقب نفسه على جريمة فعلها غيره منذ عشرون سنة، يقول: قد دخلت المسجد فزجرني بعض كبار السن الذين في المسجد!.
ولماذا لا ترى إلا الكلب في الغنم، أما تذكرت أن في هذه الفترة لم يكن هناك عدد كافٍ من المساجد فقام هذا الرجل الذي تشتكي منه أو غيره ببناء هذه المساجد وتهيئتها للمصلين، أما تذكرت له الخير، لما لا تذكرت إلا تلك الكلمة التي آذتك فاستمرت في أذنك هذه السنوات الطويلة، أو هذه المرة التي طردك فيها من المسجد، بالله عليك أريد أن أستحلفك، إذا كنت بالفعل قد مررت بهذه التجربة، ألم تجد من يربت على كتفك؟! ألم تجد من
يقول لك لا تحزن إن فلانًا هذا قد آذاه ما أحدثت من ضوضاء؟! ألم تدخل يومًا مسجدًا فدفع لك أحد كبار السن أيضًا شيئًا من الحلوى؟! ألم يشجعك أحدهم؟ ألم تجد تشجيعًا أبدًا في حياتك؟ لماذا دائمًا تأخذ كلب الغنم، وتترك سائر الغنم، ثم مرة ثانية وثالثة ورابعة وإلى ما شاء الله.بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى
تُرى كم ضربة أخذتها من أجل لعب الكرة؟
تُرى كم مرة عُوقبت من أجل مشاهدة التلفاز؟
تُرى كم مرة عُوقبت ليس من رجل كبير السن ولكن من والدك أو مدرسك أو غير هذا من أجل شرب الدخان؟
كم مرة عُقبت على المعاصي فلم تفر منها؟
فلماذا إذا لم تفر إلا من الطاعة؟ أعلمت أن الشيطان يستحوذ عليك؟! وإذا سلمنا جدلاً أن هذا كان رجلاً منفرًا أتعاقبه أم تعاقب نفسك؟ إنك إن كنت راكبًا في سفينة في عرض البحر تتلاطم بها الأمواج فأساء إليك أحدهم هل تقذف نفسك من السفينة لأن أحدهم قد أساء إليك ولأن أحدهم قد قال لك كلمة قد آذتك ثم إن هذا القائل كان يريد مصلحتك وأنت تتحمل الأذى ممن لا يريد مصلحتك من أجل أمور الدنيا، هذا الذي أساء في نصيحتك يكفي أنه أراد أن ينصح.
إن هناك من يندفع إلى النيران كما تندفع الفراش كما في المثال الذي ذكرنا، وإنه لابد بالأخذ بحجز هؤلاء، قد يتقن البعض أن يأخذ بحجز هؤلاء بالرفق المطلوب وقد لا يتمالك البعض نفسه والأمر جليل والخطب عظيم، فلُم نفسك أولاً ثم إن وجدت من تبنى هذا التنفير منهجًا واتخذه طريقًا وسلوكًا فلتحجزه ولتمنعه، ولتعلم أن هذا ثقب آخر في السفينة ينبغي عليك أن تسده وينبغي عليك أن تأخذ على يد من يحدث هذا الثقب.
لكن...
منكم من يقولون ما لا يفعلون...
وهذه كسابقتها هذا ثقب من الثقوب في السفينة فهلا أتيت وسددت هذا الثقب، فهلا أعنت ركاب السفينة عليه، ثم إن هناك من يقول الخير ويعمل به، وهناك من يقوله ولا يعمل به، وهناك من لا
يقوله ولا يعمل به، فاختر لنفسك طريقًا من هؤلاء، أنت تعتب على من يقول الخير ولا يعمل به؛ فماذا قدمت أنت؟!
إننا نريد منك ونحن نشاركك في العتب على من قال الخير ولم يعمل به ولكن دعنا أن نتناصح جميعًا في أن نقول الخير ونعمل به وأن نعرف الحق ونتمسك به، وألا يكون منا من يعرض عن الحق إعراضًا، أو من يعرف الحق ثم لا يعمل به أو من تغلبه شهوته في بعض الأحيان فيترك الحق الذي عرف أنه حق من أجل شهوته.
كل هذه ثقوب ينبغي علينا أن نتعاون فيها.
ثم مرة أخرى لماذا تعاقب نفسك على خطأ غيرك؟!
أنت الذي تخسر، أنت الذي تضل الطريق، أنت الذي تخسر الركوب في هذه السفينة السائرة في طريقها إلى هذه المأدبة.
ومرة أخرى...بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا{16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى
تُرى إلى أي الطوائف في الدنيا تنتمي أعني من الناحية المهنية أي مهنة تمتهنها أنت؟ من الناحية الاجتماعية إلى أي وسط تنتمي؟
إلى غير ذلك من الانتماءات الدنيوية، ألا يوجد فيهم من يقول ما لا يفعل لماذا لم تنسلخ من الدنيا بأسرها؟! وإنما انسلخت فقط من دين الله انسلخت فقط من الالتزام بدين الله I.
كل هذه المعاذير التي ذكرتها ليست إلا حواجب شيطانية يضعها الشيطان في طريق إرادتك للحق،في طريق إرادتك للالتزام.
فهل آن لك أن تلتزم؟
هل آن لك أن تطرح هذه الشبهات جانبًا؟
وهل آن لك أن تعلم أن الآخرة خير وأبقى، وأن تسعى لها سعيها وأنت مؤمن؟ فيجعل الله سعيك لها مشكورًا.
فإن قلت: أريد أن ألتزم ولكن...
فرحنا جدًا بأنك وصلت إلى هذه المرحلة، لقد قلت أخيرًا أنك تريد، وقد كان كل كلامك قبل هذا أنك لا تريد من أجل كذا ومن أجل كذا ومن أجل كذا، فهنيئًا لك إن أردت بالفعل ولكن هناك عقبات، ولكن مع الإرادة الجازمة الصحيحة ومع التوكل على الله تزول العقبات.
نعم أريد أن ألتزم ولكن...
سوف نصغي بآذان واعية لكل ما ستذكره من عقبات ونبحث معًا سويًا في كتاب الله وفي سنة رسوله r عن علاج شهوة الفرج، عن علاج شهوة التعلق بالجنس الآخر، عن علاج شهوة الإدمان، عن علاج شهوة حب المال عن علاج شهوة الفتور والكسل، عن علاج كل ما يمكن أن يكون من عقبات، طالما وُجدت الإرادة نريد منك أن تتأكد أولاً من أنك بالفعل تريد أن تلتزم، تريد أن تسلك الطريق إلى الله، تريد أن تركب في السفينة، إنك كنت في أول الأمر تسير في الاتجاه الآخر، أما وإذ
عزمت على أن تصعد السفينة فكل ركاب السفينة يمدون إليك أيديهم يبحثون عن الموانع التي تعوق صعودك إليها.
وإن كان الله قد رزقك هذه الإرادة فخذ هذه القصة هدية يهديها لك رسول الله r لتعلم أن تلك الإرادة الجازمة لو وجدت مع التوكل على الله فسوف تصل بإذن الله I.
إنها قصة قاتل المائة نفس: عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ r قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا؛ فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ؛ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ؛ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لاَ. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ؛ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ؛ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ؛ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ؛ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى
الأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ»( ). قَالَ قَتَادَةُ فَقَالَ الْحَسَنُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ.
يقول r: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا». ولا أظن أنه يوجد في بلاد المسلمين الآن من يبلغ في إجرامه إلى هذه الدرجة فإنه قد فعل كبيرة من أكبر الكبائر وكررها هذا العدد الكبير من المرات ولكن الله I ألقى في قلبه الهداية ولذلك ففضل الله واسع، فتعرض لفضل الله ، كان هذا الرجل قد فعل ما فعل وأراد أن يتوب فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة فقال: لا فكمل به المائة، في كل زمان ومكان يوجد منفرون، قد يكون لجهل بدين الله وهذا قد بلغ من التنفير مبلغًا لا أظنك قد تعرضت له هذا قد أغلق باب التوبة في وجه من يأتي يسأل عن التوبة وماذا يفعل المذنب المجرم الذي أغلق في وجهه باب التوبة إلا مزيدًا من الجرائم والذنوب و بالنسبة له ليست إلا تحصيل حاصل فقد وصل إلى نقطة لا عودة فيما زعم له هذا الراهب فقتله فكمل به المائة ولا نود أن تكمل أنت بأحد ممن ينفرك فتؤذيه أو تقتله فهذا كان جرمًا شديدًا ارتكبه هذا الرجل ولأن ذلك المنفر قد بلغ في التنفير مبلغًا لشدة جهله بدين الله بلغ أن سد أمامه باب التوبة فزادت جرائمه
ولكنه مازال يحدث نفسه بالتوبة.
تُرى هذا الرجل الذي أغلقت في وجهه باب التوبة وعمن سأل؟ سأل عن أعلم أهل الأرض وهذا هو الذي نفره؛ الذي وصف له بأنه أعلم أهل الأرض ومع ذلك لم يرجع عن طلب الهداية، ولم يرجع عن السعي من أجلها رغم أنه كمّل به المائة إلا أنه سأل عن أعلم أهل الأرض بعد ذلك فدُل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة ثم قال: انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناس يعبدون الله؛ فاعبد الله معهم.
أليس هذا هو النداء الذي كررناه لك مرات (اركب معنا)؟
أما آن لك أن تلتزم؟
أما آن لك أن تلحق بإخوانك؟
أن تعينهم ويعينوك على طاعة الله I، لقد دله هذا العالم على بداية الطريق للهداية، قال: انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم.
فهذه أهم طرق الهداية، أن يصبر الإنسان نفسه مع الذين يعبدون الله U ويدعون إليه I وأن يهجر أصحاب السوء، وأن يهجر الذين يقربون إليه المعصية، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء.
خرج هذا الرجل من عند هذا العلم وهو عازم على أن يسعى إلى طريق التوبة هذا الذي نريد منك أن تتأكده من نفسك، لم يسوف لم يتأخر لم
ينتظر لحظة أخرى يظن أنها مناسبة أكثر من غيرها وسبحان الله لقد كان الأجل له بالمرصاد ولو توانى قليلاً لأدركه الموت وهو على تلك الحال السيئة، هذه عظة وعبرة عظيمة.
فانطلق حتى إذا نصف الطريق حتى إذا كان في منتصف الطريق أتاه الموت سبحان الله فهذه قصة عجيبة قدرها الله U لكي تكون عظة وعبرة للناس كافة لكي يعرفوا أن الموت يأتي بغتة وكيف أن هذا الرجل لو تأخر لحظة مع أنه عاش عمره وهو في هذه الحياة المليئة بالمعاصي ولكنه أدرك في هذه اللحظة اليسيرة فأتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله، وقالت
ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم حكمًا فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له.
فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، إلى أرض الصلاح والخير فقبضته ملائكة الرحمة.
وورد أن هذا الرجل لما آتاه الموت ووقع مغشيًا عليه من سكرات الموت نأى بصدره، زحف على صدره شبرًا من الأرض، كان هذا الشبر هو الشبر الذي اقترب به من أرض الصلاح، وكان هذا الشبر هو الذي أرسل الله ملكًا حكمًا يحكم بأن يقاس المسافة بين المدينتين ويُجعل إلى أيتهما كان أقرب، فكان هذا الشبر هو سبب نجاته.
وليست القضية في هذا الشبر وإنما القضية في
هذا الزحف الذي زحفه على صدره أو من باب أولى القضية في هذا العزم الذي كان في قلبه على أن يغير حياته على أن يقبل على ربه، إنه قد آتاه الموت، ويغلب على الظن بل لعله بلغ مبلغ اليقين أنه لا يستطيع أن يصل إلى البلد الأخرى زحفًا ولكنه يزحف، إنه قد اشتاق إلى الجنة، إنه قد اشتاق إلى الالتزام، إنه قد وُجِدت في قلبه تلك العزيمة الصادقة.
فمتى وُجِدتْ هذه العزيمة مع التوكل على الله فيمكنك أن تجتاز كل الصعوبات ولو أن تزحف على صدرك وأنت تعاني من سكرات الموت وبفضل الله كل ما يمكن أن تعانيه من عقبات تواجهها أو شهوات قد أعتدت عليها قد تمسكت بها من استهزاء المستهزئين وضحك الضاحكين ولوم اللائمين بل من إيذاء من يؤذي من سلك سبيل
الهداية، كل هذه أمور لن تقف أمام هذه العزيمة لو كانت عندك عزيمة كعزيمة هذا الرجل التي بها زحف على صدره وهو يعاني من سكرات الموت.
هذه هي القضية، نحن توقفنا معك عند هذه النقطة فحبذا ألا تتوقف أنت عندها ولتستثمر داعي الخير الذي في قلبك فلعلك إن وجد هذا الداعي فلم تستثمره، إن وجد هذا الداعي فلم تستجب له أن تحرمه في المرة القادمة.
اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ//الانفال24
فربما يحال بين قلب المرء وبين الاستجابة إلى الهدى مرة ثانية إذا أعرض في المرة الأولى.
نعم كما ذكرنا تحتاج ونحتاج معك إلى أن نتدارس أنواع من موانع الالتزام التي بعد أن
يحصل لك الإرادة الجازمة لهذا الالتزام قد تجد عقبات وموانع، استعن بالله عليها.
ونحيلك على محاضرة بعنوان (أريد أن ألتزم ولكن) لشيخنا ياسر برهامي حفظه الله تقدم لك الطريق بعد أن يوجد في قلبك دوافع الهداية وبعد أن يوجد في قلبك العزم الأكيد عليها، كما أعدك بأن أوجه لك نداء آخر بإذن الله في رسالة بعنوان (ما يمنعك من الالتزام).
نسال الله أن يؤتي قلوبنا تقواها وأن يزكها هو خير من زكاها هو وليها ومولاها.
ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرد المسلمين إليه ردًا جميلاً وأن يوفقهم إلى العلم بطاعته والعمل بسنة رسوله r.
وسبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.