]بعد صراع مع مرض عضال، لفظ رئيس الجمهورية السابق الياس الهراوي أمس الروح، في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت. وبغيابه يفقد لبنان رئيسا تولى المسؤولية في مرحلة انتقالية كانت الأحرج في تاريخ لبنان، حيث كان الرئيس الأول الذي مارس الحكم بعد اتفاق الطائف، باعتبار أن الرئيس رينيه معوض استشهد بعد انتخابه بأيام عدة، وكان له دور رئيسي في نقل لبنان من مرحلة الحرب الى بداية مرحلة السلم.
ولد الياس الهراوي في الرابع من ايلول عام 1926 في حوش الامراء - زحلة وهو ابن خليل الهراوي احد الملاكين الزراعيين. والدته هيلانة حرب من بسكنتا. تلقى علومه في مدرسة الحوش لعامين، انتقل بعدها الى الكلية الشرقية الباسيلية وسط المدينة ثم الى مدرسة الحكمة في بيروت حيث نال سنة 1946 شهادة البكالوريا القسم الثاني، فكلية الحقوق في جامعة القديس يوسف - كلية التجارة. وحمل درجة البكالوريوس في التجارة.
تزوج عام 1947 من افلين سليم الشدياق ورزق منها ثلاثة اولاد: رينا، جورج وروي. وانفصل عنها عام 1959. تزوج في 13 شباط 1961 من السيدة منى جمال ورزق منها ثلاثة اولاد زلفا ورولان وتوفي البكر في الثانية من عمره.
ترأس عام 1959 مجلس ادارة تعاونيات مزارعي الشمندر واتحاد التعاونيات الزراعية في البقاع. - نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة في البقاع العام 1963. - رئيس اتحاد التعاونيات الزراعية في لبنان العام 1974. - عضو المجلس البلدي في زحلة سابقا. - كان مولعا منذ صغره بالشأن العام وهاويا فن الخطابة، ترشح للانتخابات النيابية للمرة الاولى في دورة 1968 عن دائرة زحلة، لكنه لم ينجح في الوصول الى المجلس النيابي الا في دورة العام 1972 بعد ترشحه على لائحة النائب جوزف سكاف. - في 25 تشرين الاول 1980 عين وزيرا للاشغال العامة والنقل في حكومة الرئيس شفيق الوزان. - حضر توقيع "الاتفاق الثلاثي" في دمشق في 28/12/1985. - في 24 تشرين الثاني 1989، وبعد مرور يومين على اغتيال الرئيس رينيه معوض، انتخب الياس الهراوي رئيسا عاشرا للجمهورية اللبنانية منذ الاستقلال، في فندق "بارك اوتيل - شتورة" من الدورة الثانية، بأصوات 47 نائبا من اصل 53 فيما خمسة نواب اقترعوا بأوراق بيضاء.
واتخذ من ثكنة ابلح في البقاع مقرا له حتى 5/1/1990، انتقل بعدها الى منطقة "السبنس" في بيروت الغربية. - في 21/1/1990 اجتمع مع الرئيس السوري حافظ الاسد برفقة الرئيسين سليم الحص وحسين الحسيني، في زيارة هي الاولى له خارج الاراضي اللبنانية بعد توقيع اتفاق الطائف واستلامه المهام الرسمية. - في 19/10/1995 اقر المجلس النيابي قانون التعديل الدستوري بتمديد ولاية الرئيس الياس الهراوي ثلاث سنوات بأكثرية 110 اصوات ومعارضة احد عشر نائبا وغياب سبعة، فكان اول رئيس للجمهورية يحظى بولاية مدتها تسع سنوات انتهت في 23/11/1998. - وقع قانون تعديل المادة 49 من الدستور في 13/10/1998 بعد زيارة الى دمشق اتفق خلالها مع الرئيس حافظ الاسد على ان يكون العماد اميل لحود رئيسا مقبلا للجمهورية. - تسلم بطاقة الهوية اللبنانية التي حملت الرقم واحد في 18 آذار 1997. - اصدر في حزيران 2002 كتابا اعده كميل منسى بعنوان: "الياس الهراوي: عودة الجمهورية من الدويلات الى الدولة"، ضمنه مذكراته خلال فترة ترؤسه الجمهورية طيلة تسع سنوات.
سئل الياس الهراوي، بعد أن تلاشى الودّ بينه وبين اميل لحود: من اختار "فخامة الثاني" رئيسا؟ وبالنبرة الزحلاوية التي ميزته أجاب "الروح القدس".
"أبو جورج"، فخامة الرئيس الأول للجمهورية الثانية، "لم يعف أحدا في كلامه ولم يوفر "مثلا شعبيا" أو "مقولة رائجة" إلا وتندر به أو بها في أحاديثه. انه الرئيس الأول الذي أسس بعد الطائف لما سمي التمديد أو التجديد، مددت ولايته ثلاث سنوات بإرادة سورية... أبو جورج، قبل أن ينهكه المرض الثقيل كتب من مخزون الذاكرة، ذاكرة أدق مرحلة في تاريخنا الحديث، وقائع ومحطات أسست للبنان كما رغب به البعض وأراده أن يكون من كان يقبض، في حقبة تاريخية تبعت الطائف، على القرار.
سئل مرة: أين أخطأ الياس الهراوي وأتى جوابه كما يجيب عادة، بالأسلوب نفسه "كانوا يعلموننا في المدرسة عن قداسة الحبر الأعظم، إذا تكلم في الانجيل لا يخطئ، أما إذا تكلم في أمور عادية فلا بدّ أن يخطئ".
كانت علاقته مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري "عسل" وعنها قال: "تسعون في المئة منها عسل وعشرة في المئة خلافات... الزواج المدني الاختياري مثلا كان موضع خلاف".
مقدمة الكتاب- الذكريات الذي حمّله الراحل عنوان "عودة الجمهورية من الدويلات الى الدولة" أتت مقدمته بقلم غسان تويني الذي كتب عن صاحب الكتاب رئيس الجمهورية: "أراد استباق إنصاف الناس له أو ظلمهم إياه... فجاء ينصف نفسه".
من محطات في الذاكرة- الكتاب، فصول نتذكرها بعد رحيل الراوي:
وهو في طريقه من دمشق الى بيروت، عصر الاثنين في الخامس من تشرين الأول عام 1998، كانت نهاية ولاية فخامة الرئيس الهراوي في قصر بعبدا تقترب، وقرار "ترئيس" العماد اميل لحود قد اتخذ في الشام.
قبل هذا التاريخ بتسعة أعوام انتخب الياس الهراوي رئيسا وعن هذه المرحلة يروي "لم أفاتح المسؤولين السوريين يوما بترشيح نفسي للرئاسة، ولم أخضع لأي امتحان عند أبو جمال (عبد الحليم خدام) أو سواه من المسؤولين في دمشق كما كان يفعل المرشحون...". نال فخامته الاستحسان عند السوريين "جراء مقابلة أجرتها معه مي كحالة في برنامج "أيها اللبنانيون"، وأُرسلت نسخة عنها الى الرئيس حافظ الأسد للإطلاع عليها. أعجب الأسد بالهراوي فأصبح رئيسا للبنان.
قسم الهراوي
كتب بطرس حرب خطاب قسم الياس الهراوي "بأسلوب الثاني"، وأعاد النظر فيه الوزير الراحل، ابن زحلة، شوقي فاخوري "فأتى معبرا عن إرادتي وشخصيتي" على ما روى الهراوي الذي فاز، في الدورة الثانية، في انتخابات جرت في "بارك أوتيل" في شتورا بسبعة وأربعين صوتا واقترع خمسة نواب بأوراق بيض... وأصبح الرئيس العاشر للجمهورية اللبنانية.
قال الهراوي: "لن أسمح باستمرار التمرد" ونوى تعيين ميشال عون قائدا جديدا للجيش اللبناني، فردّ "الجنرال" "أنه لا يعترف بالحكومة ويعتبرها غير شرعية، لكونها انبثقت من مجلس نواب غير شرعي" فردّ "فخامته" في كلام نسب إليه "أن في لبنان شرعية دستورية واحدة على رأسها رئيس جمهورية وحكومة واحدة ومجلس نواب ومؤسسات تابعة لها..." وقال: "إن العماد عون يضع اللبنانيين أمام خيار مستحيل ومدمر وغير محدود يقودهم فيه الى الملجأ".
وفي أول جلسة عمل له أصدر "الرئيس الراحل" خلالها مرسوما يحمل الرقم 3 أعفى بموجبه ميشال عون، قائد الجيش، من مهمات وظيفته وعين العميد اميل لحود قائدا للجيش بعد ترقيته الى رتبة عماد.
وبعد انتقال الرئيس الجديد الى أبلح نال هدية من رفيق الحريري، سيارة مصفحة من طراز 1988، إضافة الى السيارة التي أهداه إياها يوم انتخابه في شتورة... فأهدى الهراوي بدوره إحداها الى قائد الجيش الجديد اميل لحود. وفي السابع من كانون الأول عام 1989، في أول جلسة عقدت في أبلح كان أبرز المتكلمين عن تمرد عون رئيس الوزراء سليم الحص الذي قال: "بثت إذاعة إسرائيل أن عون اتصل بأنطوان لحد مرارا مستنجدا. عون متمرد ولحد متمرد، ومعالجتنا لقضية عون تحدد وسيلة معالجتنا للحد...".
وضع رفيق الحريري في تصرف الياس الهراوي المبنى نفسه الذي سبق ووضعه في تصرف الرئيس رينيه معوض، وفي ليل الخامس- السادس من كانون الثاني 1990 انتقل الرئيس العاشر للجمهورية اللبنانية الى المقرّ الرئاسي الموقت في بيروت الغربية ويقول الهراوي: "كان عليّ أن اختار أحد أمرين، إما التخلي عن الرئاسة وإما إنهاء تمرد ميشال عون".
"إنهاء التمرد"
كان هدف الياس الهراوي على ما روى "تشكيل حكومة وطنية تؤمن الغطاء اللازم للتخلص من ميشال عون، إذا لم تنجح المساعي لحمله على الانضمام الى الشرعية سلميا"... وكانت العملية العسكرية خيارا. ويخبر الرئيس الراحل عن الساعة الصفر: "أبلغت الى العماد اميل لحود أن الهجوم بات وشيكا من دون أن أحدد موعده، طالبا أن يكون الجيش على استعداد في أي لحظة. اثنان كانا على علم بالتفاصيل، أنا والرئيس الأسد الذي طلب من نائب رئيس الأركان السوري اللواء علي أصلان التوجه الى مدينة عاليه لقيادة العملية. وعشية إطاحة التمرد عرض علي السفير الفرنسي حلّين كلاهما مرفوض: إجراء انتخابات رئاسية جدية، أو تأليف حكومة يتسلم فيها عون حقيبة الدفاع ويبقى محتفظا بقيادة الجيش. بعثت رسولا الى بعبدا في محاولة أخيرة لتلافي سفك الدماء، فكان جواب عون أنه يرفض أي مساومة "لأن الياس الهراوي هو الذي لن يكون على قيد الحياة صباح غد لا أنا".
فجر السبت في الثالث عشر من تشرين الأول، أغارت طائرة سورية على منطقة بعبدا ومحيطها... وبعد فترة قصيرة، يكمل الرئيس الراحل، فوجئت بالدكتور سليم الحص يخاطب اللبنانيين: "أيها الأحباء، أيها المواطنون، أبشركم بانتهاء التمرد" وكأنه هو صاحب المبادرة... في الساعة الخامسة عصرا انعقد مجلس الوزراء واتخذ قرارا بإعادة فتح المعابر والإسراع في تنفيذ بنود اتفاق الطائف.
وآن أوان "معاهدة الأخوة والتعاون" وقال الرئيس السوري "إن ما بين سورية ولبنان لم نصنعه نحن إنما صنعه الله" وجاء في كلام الرئيس اللبناني "آثرت التعاون والانفتاح نهجا، والحوار والمصالحة سبيلا، وهذا النهج والسبيل هما قدر لبنان... ولبنان يتطلع الى التنسيق مع سورية الشقيقة من أجل الحفاظ على أمن الدولتين وتعزيز السلام الداخلي للشعبين ودرء أي عدوان خارجي طارئ".
العلاقة بالحريري
روى الياس الهراوي عن رفيق الحريري: "معرفتي به تعود الى عام 1984، يوم زارني وأمضى ليلة في منزلي في الحازمية برفقة سفير لبنان في سويسرا جوني عبده الذي كانت ولا تزال تربطني به صداقة نشأت منذ تسلمت وزارة الأشغال العامة في عهد الياس سركيس... لم تشأ الصدف أن نلتقي مرة أخرى إلا بعد فترة طويلة عندما قابلته في باريس. ويومها كنت أحلل مع جوني عبده الأوضاع في لبنان وتأثيرات التطورات المتسارعة في المنطقة عليها، عندما نزل الشيخ رفيق من الطبقة الأولى يرتدي الدشداشة. شعرت وأنا أتكلم معه أنه لا يستوعب. بدا شاردا... وبدأت العلاقات بيننا تتوثق في الطائف. وكان السوريون تعرفوا الى رفيق الحريري في لوزان وجنيف. وكان التوافق على اسم الحريري وأكثرية النواب حتى رؤساء الحكومات السابقون طالبوا به. سليم الحص اعتبر "أن مجيء رفيق الحريري منيح في هذه الظروف" وعمر كرامي قال: "لا حول ولا قوة، فليكن رفيق الحريري".
بعد أربع سنوات هجرة من بعبدا، انتقلت فيها مكاتب القصر الجمهوري من فندق في شتورة الى ثكنة في أبلح ثم الى مبنى في الرملة البيضاء، انتهت أعمال ترميم قصر بعبدا في تموز عام 1993 وانتقل إليها الرئيس الياس الهراوي.