شؤون سياسية
توافينا الذكرى الخامسة والأربعون لثورة الثامن من آذار التي انطلقت في سورية عام 1963 لتضيء شعلة المد القومي العربي الوحدوي, التحرري, الديمقراطي, ولتمثل منذ ذلك الزمان الانتصار الجديد للمشروع القومي النهضوي ولا سيما حين كانت نكسة الانفصال لأول وحدة للعرب في العصر الحديث بين سورية ومصر قد ألقت بظلالها الكئيبة على الحركة العربية المتطلعة بعيد الاستقلالات العربية بنتائج الحرب العالمية الثانية إلى المزيد من التحرر, وبناء الدولة القومية التي افتقدت منذ القرن الثالث عشر الميلادي فأدخلت الأمة في الاستثناء التاريخي حتى يوم الناس هذا.
والثورة حين نعاينها بظروف زمانها نجد أنها كانت رد الفعل الصحيح, والطبيعي على نسف الحلم الوحدوي للعرب بأول نواة وحدوية, ورد الفعل القومي الذي ظهرت به الثورة كان أكبر من حجم النكوص الانفصالي الذي أرادته القوى التي لا تريد عودة الوضع الطبيعي للعرب بالوحدة وبالدولة والأمة على غرار بقية شعوب الأرض وأممها .
وعليه فقد أخذت ثورة الثامن من آذار مبادئها, ومشروعها السياسي من عقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي الذي ناضل في سبيل الوصول إليها طيلة حكم الانفصال البغيض, ونجح بها بعد أن قاد الجماهير المناضلة من أجل الحلم الوحدوي, والمستقبل العربي بظله. وشأن جميع الثورات التي تأخذ بالأساس بعدها الشعبي, و حاول بث الوعي المطلوب بمشروعها, ومشروعيتها. عملت ثورة آذار على تفعيل المشروعية الثورية بهدف الوصول إلى الدولة, ومن المعروف أن مهام كل ثورة هي الدولة السياسية والقانونية والحداثية وحين تحقق الثورة دولتها تضع برامجها, واستراتيجتها على الطريق الواصل بينها وبين جمهورها الذي تمثله, أو الأمة التي هي غايتها على كل صعيد.
ووفق هذا المنظور حدد البعث قائد هذه الثورة برنامجه الحزبي, وحدد بدوره للثورة برنامجها المرحلي لتسير سورية, وللمرة الأولى على طريق بناء الدولة الشعبية الديمقراطية على أساس دستوري وهيكلية نظام سياسي فيه السلطات الثلاث تعمل على منهج التكامل والتضايف ووحدة الرؤى.
ومنذ انطلاقها عملت الثورة على التمسك بآفاق النضال العربي الذي يخوض معركة مركبة, في طليعتها تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني المدعم بآلة الحرب الرأسمالية والامبريالية,ومن مقتضياتها ألا تتحول الأقطار العربية التي فرضتها معاهدة سايكس بيكو إلى دول وطنية تتعامل مع مفاهيم استقلالها بصورة قطرية فتكرس التجزئة العربية, وتؤكد لتاريخ تقسيمي طويل الأجل تتباعد فيه الطموحات, والأهداف وتزداد فيه أدوار المرجعيات الغربية الامبريالية فتصبح الدولة القطرية ضدالأمة على اعتبار أنها تذهب في تأسيسها نحو وحدتها القطرية واستقلالها وتحديد مشروعها الخاص دون الارتباط بالمشروع القومي التوحيدي لبقية الأقطار الأخرى فتتغاير الوقائع, ويتخالف الواقع فتزداد الفجوة العلمية, والفكرية والحضارية بين الأشقاء الذين هم بالأصل من أمة واحدة, وينتهي العقد الاجتماعي الموغل في التاريخ فيما بينهم, ويتحولون شيئاً فشيئاً إلى نواة لأمم, وشعوب كأن اللغة, والتاريخ والجغرافيا والثقافة, والمصالح المشتركة والإرادة, والدين لم توحدهم في يوم من الأيام.
وسعياً لعدم الوصول إلى هذا المحذور العربي المفكك لبنية الأمة النفسية والجيوتاريخية كثفت الثورة جهودها حتى تقاوم واقع التجزئة العربية المفروضة من الخارج بالدعوة إلى الوحدة,والتوحيد والتكامل العربي والتكتل.
واتجهت في هذا الخصوص نحو النظام العربي الرسمي لإحياء العلاقات العربية -العربية بالمنظور السياسي الوحدوي ولكي ينتج هذا النظام, نظاماً إقليمياً عربياً تكون فيه الجامعة العربية بيت العرب الحقيقي يتفقون فيه على قضايا وجودهم الواحد, ومصيرهم الواحد, ونضالهم الواحد, ثم لكي يأتي مؤتمر القمة للقادة العرب ملبياً لطموح كل عربي بالقرار الذي يعبر عن الإرادة الواحدة في تحرير الأراضي العربية المغتصبة, والارتباط بالمصالح القومية العليا للأمة العربية, وعدم ترك القطرية تتحول إلى عقيدة و اتجاه ومشاريع انعزال.
ثم توجهت الثورة نحو الشعب العربي ونظامه الشعبي عبر منظماته ومؤسسات المجتمع الأهلي فيه حتى تبقى جذوة العروبة السياسية متوقدة وضاغطة بدورها على أشكال النهج السياسي للدولة القطرية كي تبقى حاملة الحلم العربي الوحدوي, ومحمولة فيه.
وكما عملت ثورة آذار على تمتين الجبهة الداخلية, والوحدة الوطنية لسورية اتبعت سياسة قومية في تحقيق هذه الغاية لدى بقية أقطار العروبة باعتبار أن الوحدة الوطنية هي الأساس للوحدة الشاملة, ودونها لا يمكن إنجاز الحلم العربي فالقطر الموحد يمنح التوحيد لغيره, أما القطر الذي يقع تحت تأثيرات الانقسام والتذرذر فمن الصعب أن يسعف المشروع الوحدوي في مسألة وحدوية.
وعلى هدى هذه المبادىء تولت ثورة آذار سياساتها لكن المسألة العربية في ستينيات القرن العشرين المنصرم لم تكن بعيدة عن التجاذبات الإقليمية, والعالمية لنظام وعصر القطبية الثنائية,والحرب الباردة لتصبح العوامل الخارجية ذات تأثير على العوامل الداخلية, وليصعب على بنية بعض الأنظمة التخلي عن غايات مرجعياتها في سايكس بيكو, وغيرها .
ووفق هذه المعادلة اختلت الكثير من الموازين لتتأثر الثورة بها, وتبتلي بالمواجهات العربية- العربية, وبعدم الاستقرار السياسي لها وخاصة بعد العدوان الصهيوني الامبريالي على العرب في الخامس من حزيران 1967 وتداعياته على الحالة العربية برمتها آنئذ. ولم تستوِ أمور البعث وثورته إلا بقيام الحركة التصحيحية بقيادة القائد الخالد حافظ الأسد حيث عمق القائد مشروع الثورة, وعقد الصلة بينها وبين جماهيرها من جديد, وطور مفاهيم الحزب الفكرية والسياسية ليتحول إلى حزب قائد بدلاً من الحزب الواحد في السلطة وتتحول معه سورية إلى نظام التعددية, والدولة العصرية وفق برنامج القيادة القطرية المؤقتة عام .1970
ومنذ الحركة التصحيحية وظهور رجل المرحلة التاريخي دخلت الثورة آفاقها السياسية الجديدة, وانعطفت المشروعية الثورية لتتكامل مع المشروعية الوطنية والسياسية في بناء الدولة على أسس عصرية حداثية فتحسنت صلات سورية بأشقائها العرب وطفق القائد الخالد يحضر سورية والواقع العربي بمفاهيم التضامن, والتعاضد,والعمل العربي المشترك حتى تمكن بهذا من خوض أعظم حرب في تاريخ العرب الحديث, أصبحت فيها سورية صاحبة القرار العربي, ودولة نموذج في السياسة الواقعية العقلانية وبعد رحيل القائد الخالد تتواصل الثورة منتصرة خلف قيادة السيد الرئيس بشار الأسد وتستمر سورية بلد الموقف العربي المقاوم والمتمسك بالثوابت والحقوق, ومؤتمر القمة الذي سينعقد فيها ستكون دلالاته أكيدة في هذا المجال.