قصة رفيق الحريري من النشاط السياسي
--------------------------------------------------------------------------------
الحديث عن رفيق الحريري في الذكرى الثالثة لاستشهاده يستحضر الحديث عن مشروع بناء الدولة والحركة الاستقلالية التي عمل من أجلهما رئيس الحكومة السابق وعن الجدل الدائر حولهما، لكنه يعني أيضاً الحديث عن الصيداوي الشاب الذي انخرط في صفوف حركة القوميين العرب في أواخر الخمسينات وناضل في صفوفها من أجل القضية الفلسطينية والوحدة العربية. ويستدعي كذلك الاضاءة على مسيرته الانسانية في محطات مختلفة من مدينته صيدا الى بيروت حيث أكمل دراسته الجامعية الى المملكة العربية السعودية التي قصدها بحثاً عن العمل وعاد منها رجل أعمال ناجحاً وصاحب مشروع سياسيّ عمل ثم استشهد من أجله.
مسيرة ابن الخمسة عشر ربيعاً الذي انطلق من صيدا الى العالم وخطفه الموت في بيروت رئيساً سابقاً لحكومات لبنان وعموداً فقرياً في حركة الاستقلال الحديث، يروي مقتطفات منها لـ"NOW Lebanon" عدنان الزيباوي، رفيق الرئيس الشهيد في "حركة القوميين العرب"، وصديقه منذ الصغر وحتى اللحظة الأخيرة من مشواره:
"يصعب عليّ الحديث عن رفيق الحريري اليوم وهو الذي جمع باستشهاده الرمزية الوطنية والتراجيديا اللبنانية. خسارته والحزن الكبير الذي رافق استشهاده شعر به كل اللبنانيين. ما يزيد منهما أن تكون على علاقة شخصية به وعلى تواصل دائم معه. من كان بقربه شعر بالألم أكثر لأنه عاش تفاصيل حياته وتفاصيل أسطورته، فهو من الاشخاص الذين يبنون حولهم شيئاً يشبه الأساطير.
أعود الى الماضي وأتذكر مرحلة الشباب. كنا في نشأتنا في صيدا التي عاشت مناخاً قومياً عربياً، وانخرطت فيها الأجيال الشابة في العمل السياسي. في النصف الثاني من الخمسينات كانت نشأة الحريري تتبلور بين المدرسة والبيت والمدينة. هو المتحدّر من عائلة ذات مستوى اجتماعي دون الوسط، يعمل والده بستانيّاً وفي معامل توضيب الحمضيات، جذبه العمل السياسي والنقابي بحماسة. لم تكن الحركة القومية العربية منغمسة بالمطالب النقابية والاجتماعية بقدر تركيزها حينذاك على الشعارات العروبية الوحدوية. لكن الحريري دخل الى العروبة من باب العنوان المطلبي. كانت حركة القوميين العرب في صيدا تطلّ على الأجواء الشعبية لاستمالة أبنائها الى صفوفها. وهو كان على احتكاك بالطبقة الشعبية بحكم موقعه الطبقي ووضعه الاجتماعي.
تعرّفت إليه بحكم العلاقة السياسية في مركز حركة القوميين العرب. اتصل بالجو السياسي للحركة قبل شهرين من انتسابي، واقترب من الشباب الحزبيين وصرنا نلتقي في البيت والمدرسة.
عملنا وإياه مع القطاعات العمالية. كنا نعلّم مزارعي البساتين وعمّال الأفران والميناء في صيدا القراءة والكتابة. تواصلنا معهم لنكسبهم الى التيار القومي العربي ونظمنا لهم أنشطة مختلفة. كان عمرنا 15 سنة وننزل لتدريس عمال البحر في نقابتهم وعمال الافران في مدرسة ليلية في زاروب (زقزوق حمص) قرب معمل عودة للصابون، كان يملكها أستاذ من عائلة الزين سمح لنا بتعليم العمال ليلاً. كان الحريري على صلة بعمال البساتين ورموزهم بحكم الواقع الاجتماعي لعائلته. وهو عمل في الصيف والشتاء لتأمين مصاريف دراسته. اشتغل في المحال التجارية الصغيرة في صيدا، وفي قطاف التفاح والأكيدنيا.
كان رفيق الحريري شجاعاً ومقداماً. كلف في كثير من الأحيان بمهام تنفيذية صعبة في حركة القوميين العرب، كان أبرزها تأمين وصول "جريدة الحرية" الصادرة عن الحركة الى قيادة الحركة في الشام عبر شاحنات نقل الحمضيات من لبنان. كان يومها ممنوعاً إدخال الجريدة الى سورية بعد الانفصال بين مصر وسوريا وسقوط الوحدة بينهما. وفي عمر 17 سنة ساهم في اخراج بعض الضباط الناصريين من الشام عن طريق جرود بعلبك وايصالهم الى السفارة المصرية في بيروت. كما عمل أكثر من مرة على تسليم جورج حبش القيادي في حركة القوميين العرب المتخفي في سوريا، رسائل وتوجيهات تنظيمية من قيادة الحركة في بيروت.
وفي العام 1963 نزل الى جامعة بيروت العربية ليكمل دراسته الجامعية. هناك عمل في مكتب جريدة الحرية موظفاً ومصححاً لتأمين مصاريف أعوامه الدراسية. وبعدها بفترة انتقل الى مجلة الصياد للعمل فيها، في وقت بقيت اقامته في صيدا وبقينا نراه ونتواصل معه.
العمل في السعودية
تكثف اهتمام رفيق الحريري بدراسته الجامعية وبعمله في الاعوام التي سبقت نكسة 1967. تعرف في تلك المرحلة في الجامعة على أم بهاء ووالدة سعد، وهي عراقية الأصل ومقيمة في الاردن اليوم على ما أعتقد. وبعد هزيمة 1967 كان الحريري قد أصبح زوجاً، فوجد نفسه أمام مصاريف عائلية إضافية وطموح كبير بتحقيق النجاح في العمل. وفي هذه الفترة قرر الذهاب الى السعودية للبحث عن عمل. وعن الجدل الذي يقال عن مساعدتي شخصياً له ليذهب الى السعودية، اعتبر أنه ما زال متداولاً لأن الحريري أصبح رجل أعمال كبيراً. أنا لم أفعل الا مساعدته كصديق وهذا ما يفعله الأصدقاء كل يوم بعضهم مع بعض. وأنا أقول للناس أن هذه القصة تتكرر كل يوم.
حين وصل الى السعودية كان في السنة الثالثة من دراسة التجارة. عمل هناك كمحاسب في مكتب زين المياسي، صاحب شركة صغيرة وأردني الهوية. وهو بقي لاحقاً على صلة جيدة به ويدعوه الى كل مناسباته الاجتماعية ويمازحه أحياناً قائلاً له "يا معلمي". ثم في منتصف السبعينات بدأ الحريري يؤسس شركته الخاصة وانطلق نحو آفاق أوسع في العمل.
مؤسسة الحريري
في بداية عمله في السعودية طغى الهمّ الاجتماعي على الحريري ولم يكن قد تبلور بعد مشروعه السياسي. نظر الى لبنان والى مسقطه صيدا، وأرسل الى أهلها وأقاربه وأصدقائه وأساتذته في مدرسة فيصل مساعدات وأمّن خدمات مختلفة لهم. لم يتنكر للبيئة التي نشأ فيها وعمل من اجل مناخ اجتماعيّ احتضانيّ. أسس المؤسسة الاسلامية في صيدا (مؤسسة الحريري اليوم) من أجل مساعدة الطلاب المحتاجين وتأمين فرص التعليم الجامعي والعمل لهم. كان همّها الاساسي تأمين فرص تعليمية للشباب من خلال قروض، لكنها كانت في غالبيتها منحاً للطلاب الجامعيين. كبرت المؤسسة مع توجيهاته، وكان يؤمن بأن العلم سلاح لمواجهة العدو وتطوير الاقتصاد وردم الهوة الثقافية والاجتماعية بين الناس.
بلدية صيدا ومشروع كفرفالوس
كانت وجهة عمل الحريري مساعدة الناس. وكان في نظر الصيداويين متموّلاً من أبناء المدينة ناجحاً في أعماله ويحب أن يساعد أبناء مدينته. مشروع الدولة الذي صار لاحقاً مشروع الحريري السياسي، بدأت تجلياته في مشروع بلدية صيدا. خلال الحرب الاهلية وفي فترة تولي الرئيس سليم الحص لمنصب رئاسة مجلس الوزراء، كانت بلدية صيدا معطلة بسبب العراك بين معروف سعد وصائب سلام، ولفترة طويلة لم تلعب البلدية أي دور. جاء رفيق الحريري بفكرة اعادة الاعتبار الى البلدية للقيام بمهمات انمائية وتطويرية، وأعيد العمل بالبلدية بقرار تعيين وعين رئيسها أحمد الكلش، وحققت انجازات انمائية مختلفة.
أما المشروع الانمائي الاول له فتجسد في مشروع كفرفالوس. لم يكن الهدف منه أسلمة شرق صيدا كما أشيع، بل كانت فكرته محاولة إيجاد نقاط التقاء للمحيط الريفي الذي يتقوقع جغرافياً وطائفياً وبين مدينة صيدا ومحيطها بهدف تحقيق الدمج. لم يكن المشروع ديني. كان عبارة عن مستشفى وجامعة ومدرسة. وانطلق من خلفية تحدث عنها الحريري كثيراً وهي أن لبنان يحتاج الى تقنيين ومهنيين وفنيين وليس فقط الى حاملي شهادات جامعية. شكل المشروع فرصة لتثبيت سكان القرى في أرضهم. وهو بني في قرية كفرفالوس حيث تتقاطع محاور مختلفة طائفياً بين القرى المسيحية والأخرى الشيعية القريبة وصيدا.
المشروع السياسي
لا يمكن الحديث عن المشروع السياسي الحريري حتى الثمانينات. كان الحريري أصبح في قمة نجاحه الاقتصادي وبدأ التفكير بدور سياسي يستعيد فيه حضوره في لبنان. وكانت بداية علاقاته مع السوريين وأقطاب سياسيين لبنانيين متعددين. سرّعت الحرب الاهلية اللبنانية هذا الدور. الاجتياح الاسرائيلي وضعه أمام دور كبير واستخدم موقعه في السعودية للمساعدة في التقديمات الاجتماعية ثم في تنظيف المدن من آثار العدوان الاسرائيلي. وانتقل في فترات الصراع اللبناني- اللبناني الى محاولة التوفيق بين القوى المتصارعة والعمل عبر الممرّ السوري الذي لم يكن بديلاً منه آنذاك، من اجل البحث عن حلول. أدى دوراً سياسياً في التسوية الداخلية مع رعاية سعودية راغبة بالاهتمام في لبنان، وبذل جهداً كبيراً شخصياً في اتفاق الطائف.
وفي عهد حكومته الأولى، أذكر جيداً أنه عاد الى مدينته صيدا بعد اجرائه عملية تمييل في القلب. استقبله الآلاف في الشوارع. حصل على مهرجان خيالي في صيدا. رافقه الناس من الملعب البلدي الى مجدليون وحملوه في الطريق. كانت من أكبر الاستقبالات التي شارك فيها أهالي المدينة.
دولة المؤسسات
رفيق الحريري حاول تنفيذ مشروع دولة المؤسسات في مجتمع طائفي. كان مشروعه رئيسياً وجدّياً. قد يختلف أخصامه في تقييم صحة أولوياته الاقتصادية والسياسية لكنهم لا يستطيعون إنكار أن للحريري مشروع بناء دولة. افتقاده في لحظة من هذا النوع، والصراع الداخلي التراجيدي في لبنان يتصاعد ويهدّد تدمير البلاد، يشعر اللبنانيين بحجم خسارة مشروع بناء البلد. لم يستطع أحد أن يغيب مشروعه لأن بصماته موجودة في كل زاوية، وحضوره الخاص كان ميدانياً في السياسة والاقتصاد والمحافل الخارجية وغيرها. تجربة فؤاد شهاب شبيهة بتجربته مع اختلاف الظروف. تجربة الحريري انتهت الى هذا الضجيج والانقسام والى معركة سياسية كبيرة مع القوى التي وقفت بوجه المشروع. أبرز المعارك هو معركة الاستقلال. كان يقال لو أن تحرير الجنوب من الاحتلال السرائيلي تكامل مع الحركة الاستقلالية لكنا نجحنا في بناء الدولة. ولكن يبدوأن قوى التحرير لم تنجح في الالتقاء مع قوى الحركة الاستقلالية، بسبب نشأتها وموقعها ومصالحها. لم تلتق. لو اكتملت الحركة الاستقلالية وفيها رفيق الحريري لكنا وصلنا الى محطات أفضل بكثير.
