إذا كان (حزب الله) يقوم بعمليات تجسس على المدرج 17 لمطار بلده، ويعتزم القيام بـ (عملية أمنية نوعية)، ويخطط لإسقاط طائرات مدنية بصواريخ سام-7
فمن أبسط الواجبات مساءلته قضائياً، وإنزال أشد العقوبات بمن تثبت إدانته بالدليل القاطع، وتحميله كل التبعات دون شفقة ولا رحمة. هذه مسألة محسومة ولا جدال فيها.
غير أن الإشكالية في هذه التهم الموجهة الى (حزب الله) هي في معرفة مدى صدقيتها، وهل هي مجرد افتراءات جرى (تصنيعها) في سراديب مخابرات (لعبة الأمم) بأبعادها الخارجية وامتداداتها الإقليمية والداخلية? و(الحقيقة) التي تدين الحزب أو تبرئه هي الضحية الأولى في مثل هذه الحالات. لماذا? لأسباب عديدة، منها...
أولاً، لأن هذه الحكومة بكل أجهزتها العاملة تحت سيطرتها تفتقر الى المصداقية، وهي تتصرف، وتصرفت حتى الآن، بما يشبه (العصابة الحاكمة) التي تستبيح كل القوانين والأعراف لتحقيق أهداف وغايات خاصة بها، اقتصادياً وسياسياً وصفقات مالية، وارتباطات خارجية. وأثبتت هذه الحكومة أن الدولة غائية عن كل شؤون الحياة العامة من معيشية وخدماتية وغيرها، وان الدولة موجودة فقط في كل ما يتعلق بالصغيرة والكبيرة العائدة لـ (حزب الله) بصفة خاصة، وللمعارضة بصفة عامة.
ثانياً، إن مسألة المدرج 17 في المطار تتعلق بوزير الدفاع وقيادة الجيش والنيابة العامة التمييزية فضلاً عن جهاز مخابرات الجيش. غير أن أول مَن أعلن عن هذه القضية هو النائب وليد جنبلاط الذي لا صفة حكومية له لا كوزير دفاع ولا كوزير داخلية ولا كمدير في المطار ولا كجهاز مخابرات. مما يعني أن هذه المسألة هي سياسية في مضمونها وليست أمنية في جوهرها. وإعلانها أولاً عن طريق جنبلاط لم يكن موفقاً لأسباب تتعلق بالمصداقية، بشهادة جنبلاط نفسه.
ثالثاً، ليس في تاريخ (حزب الله) ما يشير الى اعتماده أسلوب الاغتيالات الطائرات المدنية وإسقاطها. وهو لم يلجأ الى هذا الأسلوب حتى في حربه ضد العدو الاسرائيلي، وهو الطريق الأسهل، ولكنه لجأ الى الأسلوب الأصعب وهو المواجهة العسكرية على الأرض، وأثبت فعاليته في ذلك. واسرائيل هي التي تغير أساليبها... فعندما لم تتمكن من قمع الانتفاضتين في فلسطين الأولى والثانية، لجأت تحت أنظار العالم ولا تزال، الى أسلوب الاغتيالات والمجازر. والقرار الأخير الذي اتخذته اسرائيل في شأن (حزب الله) هو الامتناع عن خوض حرب جديدة ضده بالأسلوب التقليدي، الى إشعار آخر، واللجوء بدلاً من ذلك الى أسلوب الاغتيالات، بدءاً بالشهيد عماد مغنية.
,,,,*
رابعاً، ثم ما سر هذه الصدفة التي جمعت بين الاعلان عن (سيناريو المدرج 17) غداة الكشف عن مؤامرة اسرائيلية لاغتيال أمين عام (حزب الله) السيد حسن نصرالله بقصف مقر وجوده بالصواريخ من الطائرات الحربية، والغاء العملية في اللحظة الأخيرة بعد انكشاف أمرها للحزب?! والنتيجة العملية هي طمس خبر المؤامرة، وتحويل الحزب من مجنى عليه الى موقع الجاني!
كلام منطقي وسليم