المرأة.. المعرفة.. الحرية أو الثالوث المحرم
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تداولت الأدبيات الفكرية والثقافية والسياسية العربية التقدمية مصطلح الثالوث المحرم الذي شاع آنذاك بشكل واسع. والثالوث المحرم يومها "الجنس - المرأة - والدين". ولعلنا اليوم نتراجع ونرتكس ارتدادا عميقا إلى الوراء بإضافة "ثواليث وثواليث" في خانة المحرمات، أو بالأدق في سلسلة المحرمات التي تطول قائمتها إلى ما لا نهاية كلما استطالت فينا ثقافة التخلف والنكوص. عن أي "ثالوث" نتكلم ونتحاور ونناقش "والثواليث" كثيرة لا تعد ولا تحصى.. وهي ظاهرة سلبية خطيرة، فكلما أضفنا "ثالوثا" جديدا إلى قائمة المحرمات كلما سجلنا خطوة واسعة وكبيرة إلى الوراء، بل إلى ما وراء الوراء في مسيرة عربية نراها تخترع "الثواليث المحرمة" اختراعا متواصلا بلا انقطاع، حتى كادت أن تصبح حياتنا الاجتماعية العربية مجموعة من التابوهات والمحرمات، فعن أي تقدم يتحدث المتحدثون ويتمنى المتمنون..؟؟!!
مع القطيعة ومقاطعة العصر الجديد كانت حقوق المرأة بل كانت المرأة هي الضحية لسلطة المجتمع التي أصبحت اليوم أقوى من سلطة الدولة على نحو ارتدادي وتراجعي، وهي حالة غريبة لم يسجل لها التاريخ الحديث مثيلا وشبيها سوى في بلادنا العربية. فبالرغم أن الدول العربية في سنواتها العشر الأخيرة غيرت من نظرتها للمرأة ومنحتها مساحة لا بأس بها للتعبير عن ذاتها كمواطنة تمارس حقوق المواطنة.. فأصدرت قراراتها وقوانينها بمنح النساء حق الانتخاب والترشيح إلا أن السلطة المجتمعية أو السلطات المجتمعية السادرة في تراجعها إلى الوراء وقفت موقفا عصيا على الفهم ضد حقوق المرأة، ليس في الانتخاب والترشيح فحسب بل ضد كافة حقوق المرأة التي نصت عليها الاتفاقيات والمواثيق الدولية والأممية.. فسجلت تلك السلطات المجتمعية المتسلطة والمسيطرة اشد أشكال الاحتجاجات عنفا "سلميا" ضد منح المرأة حقوقها في المواطنة أو كما نصت عليها المواثيق والاتفاقيات الدولية والأممية، وطالبت دولها بعدم التوقيع، وبعدم العمل وتنفيذ ما نصت عليه تلك الاتفاقيات.
وهكذا أنجزت ركنا من ثالوثها المحرم الجديد القديم.. لتضيف إليه ركنا ثانيا هو موقفها من المعرفة بمفهومها الجديد الأوسع والاشمل.. حيث تحركت سلطات النكوص المهيمنة على الوعي العام العربي.. لتشن حربا شعواء وبلا هوادة على كل ماله علاقة بالمعرفة سواء كانت معرفة علمية أو سياسية أو فكرية اواقتصادية، وكادت تعتبر المعرفة "كفرا بواحا" بما لفقته للمعرفة من اتهامات، وبما عملت عليه من تشويه وتزييف للمعارف الإنسانية جمعاء. ويكفي أن نشير اليوم إلى ما جرى من تشويه وتخريب متعمد وتزييف مقصود للمصطلحات والمفاهيم، وهي أساس من أسس المعرفة في بدايات بدايتها الأولى.. حيث تعرضت جميع المصطلحات التي لا تناسب ذهنية وإيديولوجية سلطة أو سلطات التخلف المجتمعية.. تعرضت إلى أشنع وأبشع أشكال التشويه والتزييف والتخريب. فلم نعد نستطيع اليوم أن نتحاور علميا وفكريا حول أي موضوع فكري أو سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، لأن المصطلحات التي ننطلق منها لضبط الحوار والنقاش مشوهة ومزيفة في الأذهان والأوهام التي تدير النقاش وتدير الحوار.. بمعنى أن فهمها ووعيها بالمصطلح وعي مبني على فهم خاطئ تماما، بالإضافة إلى انه وعي مشوه بالمعنى العلمي والثقافي.
فبعد أن شوهوا وزيفوا مصطلح العلمانية في أذهان العامة وأذهان أنصاف المثقفين ثم في أذهان المثقفين أنفسهم.. أصبح العلمانيون العرب إلا ما ندر منهم يدافع عن العلمانية، بينما هرب العلمانيون السابقون وتنكروا لعلمانيتهم تنكرا مخجلا ومريعا ليتقاطعوا ويلتقوا مع سلطات التخلف المجتمعي ويصبوا في مصبهم حين راحوا يبحثون عن توصيف آخر لأنفسهم هربا من علمانيتهم وتنكرا لها.. فبدا بعضهم مبشرا للتخلف ومروجا للنكوص بصورة مثيرة للسخرية. أما الحرية التي لا تقبل القسمة على اثنين فقد قسموها على مئات وجزؤوها وبعثروا أشلاءها حين تركوا لسلطة التخلف الاجتماعي تصوغ معنى الحرية، وهي أبعد ما يكون عن فهم الأبجدية الأولى للحرية.. فكانت الحريات المدنية والشخصية ضحيتهم الأولى ليقوضوا بذلك القمع الرهيب، والأسلوب الإرهابي للحريات المدنية والشخصية أهم ركيزة وأهم ركن يقوم عليه بناء المجتمع الديمقراطي الحقيقي ومؤسساته المدنية. فمهما تحدثنا عن الحريات الأخرى في عالمنا العربي.. ومهما نظرنا للحريات سيبقى الأمر منقوصا نقصا مريعا إذا لم تتحقق الحريات المدنية والشخصية بأوسع معانيها الحقيقية. لا نخترع هذا الكلام ولكننا نطرحه استنادا إلى جميع البحوث والدراسات في موضوع الحريات والديمقراطية، حيث اتفقت جميع المراجع العلمية والسوسولوجية والفكرية على أن الحريات المدنية والشخصية هي الركيزة الأولى لبناء مجتمع ديمقراطي منفتح وحقيقي.
لا نريد لأحد أن يزايد على أحد.. ولا نريد لمثقفنا "العلماني سابقا" أن يرمينا بدائه وينسل هربا إلى حيث اوركسترا المزايدات المعروفة بنشاز ألحانها ومعزوفاتها حتى ينال رضا وتزكيات سلطات التخلف الاجتماعي المهيمنة.. ولكننا نريد فقط أن نقول وبصراحة أن ظاهرة "الثواليث المحرمة" كلما تناسلت فينا، وكلما ازدادت واستطالت وتمكنت.. فإننا في هذا العالم العربي لن نتمكن من تحقيق الحلم الديمقراطي والمعرفي والثقافي العصري.. بل سنظل نتراجع إلى الوراء بغض النظر عن شعارات التقدم والتطور