هل تقضي العلمانيه على الطائفيه
من حيث الظاهر يبدو النقاش بين العلمانيين والمتدينين ( وقد ضم المؤتمر مطرانا وشيخا معمما إضافة إلى أساتذة جامعيين، وسياسيين معروفين) صراعا على الماضي، أما من حيث الجوهر فما هو إلا صراع على الحاضر والمستقبل، بل هو في الجوهر العميق صراع على المستقبل أساسا. ولأن الماضي اندثر وغاب، ولم يعد من الممكن تبديله، فإنه لم يعد سوى خزان للذاكرة، بحيث يبدو أنه من النوافل أن نعد اللحظات التي شهدت فيها المجتمعات العربية حروبا وفتنا طائفية، كما فعل الدكتور جورج طرابيشي، في محاضرته التي أخذت عنوان العلمانية كإشكالية إسلامية - إسلامية. فهو يرى أن الاقتتال الطائفي واحد من ثوابت التاريخ، وأن الدولة القامعة هي التي كانت تمنع نشوب تلك الحروب، مهملا أو متجاهلا حقيقة أن تلك الدول هي التي كانت وما زالت تغذي الفتن الطائفية وتكبحها في آن واحد لتؤبد سيطرتها، وأنها بذلك إنما كانت تخزن العنف المتبادل، ولعل مثال العراق شديد الوضوح في هذا المجال. ولكننا لا نختلف مع الدكتور طرابيشي في شأن أن العلاج المناسب لتلك أو لهذه الفتن يكمن في اتخاذ منطق العلمانية سبيلا إلى التعايش بين الطوائف، والأديان.
كما يبدو من الطينة ذاتها عرض الدكتور محمد حبش للحظات التاريخية التراثية التي شهدت مقتربات من حرية الأفكار أو صراعها بين المذاهب المتعددة. غير أن الدكتور حبش لا يريد أن يقر للعلمانية بأي دور، ونراه يحبذ حضور العقل، لم يقل العقلانية أيضا، في الواقع دون أن يحدد لنا كيف يمكن أن يساهم ذلك في إزالة أخطار الطائفية. وربما يريد أن نحقق تقدما صناعيا على الغرار الغربي، دون أن نأخذ من الغرب أفكاره، وقد استشهد بقول مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق: إننا عندما نريد الصلاة نتوجه صوب مكة، وعندما أردت بناء بلادي توجهت صوب اليابان.
والأهم من ذلك هو عرضه للنشاط السياسي الذي يقوم به من أجل تغيير أو تجديد بعض القوانين في الأحوال الشخصية المتعلقة بالمرأة في سوريا من خلال عضويته في مجلس الشعب السوري.
أفضل ما لدى رافضي العلمانية هو القول بأنها فكرة غربية المنشأ، أو أن مفهوم العلمنة نشأ حسب قول إبراهيم الموسوي رئيس تحرير مجلة "الاعتقاد"، وعضو الهيئات الإعلامية لحزب الله اللبناني، في حيز محدد هو الجغرافيا التاريخية والمعرفية للغرب، ولا ينكر دعاة العلمانية هذا، فيقول عاطف عطية، مدير معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، إن العلمانية مفهوم غربي كان لعصر الأنوار والثورة الفرنسية الفضل في صوغه واعتماده للفصل بين شؤون الدين وشؤون السياسة. كما تؤكد ماني كروني الباحثة في الشؤون الإسلامية من جامعة كوبنهاجن على الفكرة ذاتها، لتضيف بأن العلمانية ليست نموذجا فريدا يمكن فكه من صندوق العدة وتطبيقه كحل سحري، بل هناك عدة طرق لممارسة العلمانية، وينبثق نموذج خاص من العلمانية من كل سياق سياسي وثقافي خاص. وهذا صحيح نظريا، ولكننا هنا من جديد أمام الكلام القديم عن الاشتراكية التي قيل عنها أشياء مماثلة، دون أن يتقدم في أي يوم النموذج العياني للسياق المحدد.
محاضرة الدكتور عزيز العظمة هي الأكثر حرارة، ووضوحا. الفكر العلماني في رأيه عبارة عن أمرين: أولا تسجيل لوقائع تحولات اجتماعية وعدم التهرب منها، وثانيا مبدأ أساسي هو أن قوام أي فرد في المجال العام هو قوام المواطنة. وليس من تلازم بين الديمقراطية والعلمانية في رأيه، فهناك ديمقراطيات غير علمانية، مثال لبنان، وهناك مجتمعات علمانية غير ديمقراطية. النموذج المبتغى في رأيه هو النموذج الجمهوري القائم على الانضواء في المجال العام وفي العملية الديمقراطية، والقائم على المواطنة المنزوعة عنها أي اعتبارات أخرى. لا يمكن ولا يوجد مجتمع ديمقراطي علماني يمنع المتدينين الانخراط في الملية السياسية، شريطة ألا يعتقد هؤلاء أن الإيمان الديني يجب أن ينقل إلى المجال العام.
محور الصراع والحوار هو المستقبل العربي. فالماضي البعيد لا يقدم الحلول، وإن كانت بعض اللحظات المنيرة فيه تساعد على كبح المتشددين، ولكن الماضي القريب، أعني القرن العشرين حصرا، فإنه يبدو ملتبسا أو غامضا، فلم تتضح معالمه لأي من القوى المحلية المتصارعة، مثلما لم تظهر اتجاهات التطور فيه لأي من القوى الإقليمية والدولية المتقاتلة من أجل السيطرة على المنطقة، ولعل هذا أن يكون أحد أسباب العداء المرير الذي تبديه بعض القوى في هجومها على خصومها، وأعدائها، كما يحتمل أن يكون أحد أسباب سعي بعض القوى من الأطراف المتصارعة إلى إجراء مصالحات وتوافقات فيما بينها، كأن تدعي قوى إسلامية أو مسيحية أن الاشتراكية دعوة أصيلة من دعوات الإسلام، أو يزعم الاشتراكي أن نظريته مستمدة من التراث، بل إن الدعوات القومية العربية وضعت الدين في جملة العوامل المكونة للأمة العربية.
إحدى الحقائق البارزة في هذه الندوة أيضا، هي أن المعركة بين أنصار التيارين الديني والعلماني، لا تزال مستمرة، وأن أيا من التيارين لم يستطع حتى اليوم حسم الصراع على أرض الواقع، وإذا كانت بعض المحاضرات والتعقيبات قد شهدت روحا من التسامح، والاستعداد للحوار مع الآخر المختلف، فإن هذا لا يعبر إلا جزئيا عن الأوضاع القائمة بين ممثلي التيارات المتعارضة.