الخطيئة أنثى
لا تفتأ الأخبار السيئة الخاصة بالأنثى تقرع أسماعنا وتدمي أبصارنا كل يوم, ومما يؤسف له أكثر أن هذه الأخبار لم تعد حبيسة بلد ما ولا محدودة ببقعة معينة, بل انتقلت الممارسات الظالمة للمرأة حيثما ارتحلت القبيلة العربية وحيثما حلت, فتبقى الأنثى هي المجرمة والمذنبة والمدانة!
بحقّ أتساءل: متى سنترفّع كعرب وكمسلمين عن نظرتنا الدونية للمرأة؟ طبعاً لا أقصد التعميم, ولكن الأمر يتصل بنزوع الجاهلي قبل الإسلام لتأثيم المرأة, فما الذي هوى بالأنثى من القمة التي رفعها إليها الإسلام؟ كلنا يعلم أن ديننا العظيم ساوى بين الجنسين في الثواب والعقاب الدنيوي والأخروي, فلماذا لا نسمع بقضايا قتل الشرف للذكور مثلاً؟ أم ترى لفظة "الخطيئة" تنتهي بالتاء المربوطة الدالة على المؤنث لذلك فالخطيئة دائماً أنثى؟!
قتل الشرف يحميه القانون في بعض البلاد العربية, ومن يتمعّن في القضية جيداً يجد أن تخفيف العقوبة عمن قام بجريمة قتل الشرف والتسامح معه قد انتقل إلى قوانين بعض الدول العربية من القوانين الغربية؛ لكن القانون الغربي الذي كان سائداً في فترة الانتقال تلك قَصَر التسامح مع قتل الشرف على الزوج فقط؛ وبالرغم من أن القانون الغربي تخلى عن تلك الجريمة ورفض رفدها بأي مبرر, فإنه ما زال متعارفاً عليه في البلاد العربية التي تأثرت به.
كي لا نضع اللوم على تأثرنا بأحوال الأقوام الغربية يجب أن نقول إن هذا النوع من القتل لا يستمدّ من أي قانون بقدر ما يستمد من شرع قبلي موغل في الجاهلية؛ على سبيل المثال فإن بلداً كالأردن رغم وجود بعض الدلائل التقدمية فيه, ما يزال أكثر بلد عربي يعلو فيه صوت هذه الممارسة الهمجية على العقل, والأكثر خطراً من ذلك علو صوتها على صوت الدين أيضاً, إذ إن بعض المنافحين عنه ينتسبون إلى التيار الإسلامي ويمانعون تغيير ذلك القانون الجائر بحجة محافظته على القيم ومنعه للرذيلة, ويحقّ للمرء أن يتساءل: هل تراهم أحرص من الشرع على الأخلاق والفضيلة؟!
آخر الأخبار عن شاب أردني قتل أخته المطلقة لأنه اشتبه بعلاقتها مع رجل, وكثيراً ما نسمع أن العائلة تسانده كي يمحو العار عن شرف العائلة حتى لو كان ذلك كله مجرد خيالات وأوهام وضلالات, ولكن لماذا لم نسمع في العهد النبوي أن الغامدية قتلتها قبيلتها رغم أنها اعترفت بالإثم ولم يكن مجرد شبهة؟
خبر آخر من مدينة حلب في سوريا عن أب ذبح ابنته بمساعدة أخيها في الشارع, دون أن يتدخل أحد لمنعه من ارتكاب الجريمة, والسؤال الذي يطلّ برأسه غصباً هنا: إذا كانت بعض البيئات العربية تعجّ بالتخلف فهل سيوافق الغرب المتحرر على انتقال عدوى التخلف إلى دياره؟!
أب باكستاني قتل ابنته لاشتباهه بأنها قد اتخذت صاحباً, وأب مصري قتل ابنتيه المراهقتين لأنهما تتبعان الأسلوب الأمريكي في المخادنة, واختفى بعد جريمته, بينما صرح أخوهما الشاب بأن الإسلام لا يبرر القتل, والسؤال المطروح ليس فقط: ماذا لو كان ابنه لديه (جيرل فريند)؟ بل: لماذا يعيش أمثال هذين الأبوين في الغرب إذا لم يكونوا قادرين على ضبط أسرهم بضوابط الشرع والدين منذ البداية؟
من خبرتي أجزم أن الشاب والفتاة لا يأخذان تعاليم الدين إلا من أبويهما, فبقدر التزام الآباء والأمهات ـ ظاهرا وباطناً - بقدر ما يكون الشاب والفتاة ملتزمين بأخلاق الدين وقيم الفطرة, وعندما يعمّ الحوار الصريح والودود بين أفراد الأسرة فإنه دليل تماسكها, أما السيطرة فلا تنفع, وأما الازدواجية فهي الطامة الكبرى, كأن يكون الأب ملتزماً ظاهراً فإذا خلا بينه وبين نفسه أتى محارم الله, فمن لا يحفظ أمانات الله في جسده كيف لله أن يحفظ أماناته في ذريته؟!
هذه الازدواجية تتعدى كونها في شخصية الأب فقط إلى ازدواجية المعاملة بين الأبناء والبنات, فكثير من العائلات تسمح للفتى أن يفعل ما يريد وتمنع الفتاة من أبسط حقوقها, ومردود ذلك أن الأنثى سوف تتساءل عن السبب الذي يجعل التمييز هو القاعدة بينها وبين أخيها, وإذا ارتفع صوتها بالسؤال اتهمت بقلة الأدب, وإذا حبسته في نفسها فإنها سوف تجد مجالاً سرياً لاكتشاف الإجابة, التي سيكون مضمونها أن لديها شعوراً فطرياً بالميل للجنس الآخر مثل أخيها ويجب أن تتصرف بمقتضى هذا الشعور, وفجأة تقع الكارثة, إما بحمل الفتاة أو بهروبها!
صحيح أن الأنثى هي من يحافظ على النسل والعرض, وصحيح أن الرجال بطبيعتهم أكثر عرضة لفتنة الإغراء لكن لا يعني ذلك أن المرأة ليس لديها إحساس غريزي نحو الجنس الآخر, وإلا لما كان مفروضا عليها أن تتزوج, مثلها في ذلك مثل الرجل؛ ولكن الصحيح أيضاً أن الرجل ليس رجلا حقيقياً ما لم يحافظ على الشرف والأخلاق, وإلا لما كان الشرع حدّد عقوبة الزاني والزانية بالتساوي, فلماذا يُنظر للأنثى أنها المسؤولة عن البلاء والمصائب, بينما يهرب الرجل بذنبه بعيدا عن المساءلة؟
علينا أن نحمد الله على تقدم الأبحاث في الحمض النووي خاصة لدى قراءة خبر كالذي نقلته صحيفة الوطن يوم السبت الماضي, عن امرأة من المنطقة الشرقية حملت سفاحاً من رجل ثم ما إن وضعت مولودتها حتى حاولت الهرب من المستشفى, وعندما تم الإيقاع بها اعترفت بجريمتها في الزنا مع الرجل الذي تنكّر لفعلته عندما علم أنها حامل وفرّ بجريمته, لكن فراره كان إلى أجل مسمى حيث تم القبض عليه وإثبات التهمة الموجهة إليه بعد تحليل الحمض النووي والذي أظهر أبوته للطفلة.
هذا يجعلنا أيضاً نشكر جهود قوى الأمن, ونطلب منها مزيداً من الكشف عن كل جريمة خاصة ما فيه ظلم للأنثى كقصة تلك المرأة المطلقة صاحبة الأموال والتي طمع إخوتها بأموالها من إرث والدتها فقتلوها, وبما أنها كانت تعلم بكيد إخوتها لها فقد أخبرت ابنها البالغ من العمر 17 عاما بأنه إذا افتقدها ذات يوم فعليه أن يعلم أن إخوانها هم من أنهوا حياتها, ولما أخبر الشاب والده قام الأخير بإعلام الشرطة حيث وُجدت جثتها مرمية في بئر, لكن تهديدات إخوتها طالت أولادها, وإلى هنا فالقصة مبتورة وننتظر أن يأخذ العدل مجراه, وبشّر القاتل بالقتل ولو بعد حين!
تعاني المرأة مرة من إخوتها ومرة من أبيها ومرة من زوجها, لكن المعاناة أشد ما تكون حين تصدر عن ابن لها حملته في بطنها وألقمته ثدييها وأفنت جزءاً من حياتها في تربيته والشدّ من أزره فإذا كبر تمرد عليها وتنكر لها وأصبح هو ولي أمرها فحرمها من السفر وعضلها من الزواج, وقد نشرت صحيفة إلكترونية قصة امرأة من المنطقة الشرقية أيضاً تشكو من ابنها ذي الستة عشر عاما والذي اعتنت به بعد وفاة أبيه, فكبر وهو يستمع إلى أعمامه يوغرون صدره على أمه فسرق جواز سفرها وكل ما يثبت شخصيتها وبذلك منعها من الزواج أو السفر, وحتى لو لم يسرق وثائقها فباستطاعته عضلها من الزواج ما دام ولي أمرها حتى لو ولدته من أقذر مكان منها!
المرأة في أعرافنا آثمة دائماً, وعندما تنخرط في الحياة العامة فإن آثامها تصبح أكبر, والمثال على ذلك السيدة بي نظير بوتو - رحمها الله - التي لم تكتف عائلتها بنكبة فقدانها بل قام الإعلام الفضائحي بنشر صورة لها وهي شابة تدرس في أمريكا وقد جلست واضعة رجلا على رجل وكاشفة لساقيها, طعناً في أخلاقها ليدل بذلك على أنها صنيعة أمريكا, وهذا الإعلام الذي يدعي الحرية ويمتهن الفضائحية لا يحترم عقول الناس فكيف يحترم أحزان الناس على أمواتهم؟! هذا الإعلام نفسه هو الذي يسوّق صورة الأنثى الجسد ولا يبالي بالأنثى الإنسان فيركز على جسدها حتى لو كانت ميتة!