يطرح الجسد كموضوع ثقافي منذ فجر الحداثة ، غير أن السنوات الأخيرة من القرن الماضي ، تلك التي أشارت إلى نفسها بسمات ما بعد حداثية ، توقفنا على تسارع الوعي بموضوع الجسد ، وطرحه على أصعدة عدة في الأدبيات المعاصرة ، ليبدو الأمر كما لو أننا نعيش ـ حقاً ـ عصر الجسد ، أو ليبدو كأن الجسد هو محور يدور حوله شتيت الثقافات المعاصرة .
فخلال أسبوع واحد كنت قد قرأت ثلاثة أخبار تبدو من أول وهلة وكأن لا علاقة فيما بينها ، الخبر الأول عن عودة شاب إلى الحياة بعد موت سريري أدخله في غيبوبة لأكثر من عشرين عاماً ، والخبر الثاني عن شاب ألماني من آكلي لحوم البشر محاط بآلاف المعجبين الذين يبادلونه نفس المزاج ويشجعونه برسائل التأييد على موقعه الشخصي بشبكة الإنترنت ، أما الخبر الثالث فهو عن ظاهرة من ظواهر الانتحار الجماعي بين الشباب تتم بالاتفاق والتواعد على شبكة الإنترنت .
القاسم المشترك بين الأخبار الثلاثة هو علاقة الإنسان بجسده ، ودور التكنولوجيا في شكل هذه العلاقة ، المقصود هنا هو الإنسان المعاصر طبعاً، ومفهومه الحداثي للجسد .
فعلاقة الإنسان بجسده في أساسها تتم عبر مفهوم ثقافي اجتماعي يختلف من بيئة إلى أخري ومن عصر إلى آخر ، إذ أن الجسد وكما يقول (رمضان بسطاويسي) (1) هو الصورة التي تحدد هوية الإنسان ، وهو المكان الصغير الذي يربط الإنسان بالمكان الأكبر (الكون) ، كما أن حركة الجسد في المكان بمثابة تعبير رمزي يختزل حركة الزمان الكوني ـ نسبياً ـ في عدد السنوات التي يحياها الجسد ، ونتيجة لهذا جاء اهتمام الفكر المعاصر بدراسة الجسد.
وإذا كان الجسد يدرس في مجال العلوم الطبيعية كموضوع في حد ذاته ، فإنه في مجالات العلوم الإنسانية ومن منظور ثقافي وفلسفي (يدرس كتعبير عن علاقة يكون الإنسان أحد طرفيها)، فالإنسان يعبر عن علاقته مع العالم عبر جسده ، فصيانة الجسد بالأجهزة والمحاليل في أقسام الرعاية المركزة عبر عشرين عاماً تعكس احترام الإنسان لجسده ، ومن ثم احترامه لقيمة الحياة وقد ساعدته التكنولوجيا الحديثة علي تعديل مفهوم كل منهما (الموت والحياة) ، فمن قبل كان الذين يدخلون في غيبوبة من النوع الذي دخله الشاب يعتبرون في عداد الأموات ويدفنون .
أما الآن فإن التقدم العلمي عمق إحساس الإنسان بجسده وغير من النظرة له وأعطاه فرصة أفضل للحياة من خلال احترامه لجسده، وهو احترام يصل إلي حد التحريم في كل الأديان السماوية بل والوثنية أيضاً ، ففي الأسطورة اليونانية القديمة ، تناصب (أنتيجونا) مليكها العداء وتقف في مواجهة سكان المدينة التي تركت جثة أخيها في العراء بلا دفن تنهش فيه الطيور الجارحة ، لقد تعاطفت الآلهة مع أنتيجون امتثالاً لقداسة الجسد الإنساني ، على الرغم من النظرة إلى الميت كخائن لمدينته ويستحق الموت ، ولم يكن فن التحنيط عند القدماء المصريين سوى صورة من صور احترام الجسد وتحريمه حتى على ديدان الأرض وعوامل التحلل الطبيعية ، ومن ثم كانوا يكتبون على المقابر عبارات تذكر بتحريم العبث بجثث الموتى وتذكر بعقوبة من ينبشون المقابر، وعموماً فإن احترام الجسد وتقديسه هو مقوم ثقافي عرفته جميع الحضارات القديمة .
هكذا.. فحكاية الشاب الألماني آكل لحوم البشر ومشجعيه تعكس خللأ عميقاً في علاقة الإنسان المعاصر بجسده ، فأكل لحوم البشر هو أقوى صور التحريم عبر التاريخ البشري كله ، إذ إنه يرد الإنسان إلى ما دون الإنسانية ، ويهدم كل صور التحضر والتطور البشري ، ويذكر القرآن الكريم صورة آكل لحوم البشر كأبشع صور التكريه والتنفير من فعل الاغتياب والنميمة بقوله تعالى (ولا يغتب بعضكم بعضاً ، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه) .
ويظهر الخلل في علاقة إنسان العصر الحديث بجسده عبر التناقض الكبير بين الموقفين ، ففي حين تجند العلوم البيولوجية والطبية كل طاقتها لخدمة الجسد الإنساني وصيانته وتحسين وظائفه سواء بالجراحات أو بالمنشطات وأدوات التجميل أو بالتدخل في تغيير صورة الجينات الوراثية ، يظهر على الملأ أحد الناس يفخر بأنه من آكلي لحوم البشر ويجد من يعجب به ويناصره !!!
وإذا كان الانتحار الجماعي للشباب بالتواعد على شبكة الانترنيت يعكس علاقتهم المتوترة بالعالم ورفضهم له كموقف ثقافي ونفسي واجتماعي ، فهو في نفس الوقت يعكس احتقار الإنسان الحديث لجسده والاستهانة به والرغبة في تبديده بدلاً عن صيانته وتعزيزه، وهي أيضاً علاقة ثقافية مضطربة، وكيف نفسر تطور فنون الحرب الحديثة وانتشار أسلحة الدمار الشامل وأساليب الإبادة الجماعية بدءاً بناجازاكي وهيروشيما مروراً بمركز التجارة العالمي ومقابر صدام الجماعية وإنتهاءً بالهوس التدميري المتبادل بين الإسرائليين والفلسطينيين دون التفكير في هذه العلاقة المضطربة بين الإنسان والجسد الإنساني ، كانعكاس لرغبة عميقة في إبادته وتبديده .
وأحد أشكال هذا الاضطراب والتناقض في علاقة الإنسان بجسده, قد تظهر في نشاط واحد من أنشطة الحياة الإنسانية ، بحيث تظهر العلوم الطبية ـ نفسها – كما لو كانت تتحرك في اتجاهين متضادين ، أحدهما يعبر عن اعتزاز الإنسان بجسده، والآخر يعبر عن احتقاره له عبر تجارة الأعضاء البشرية التي تنتشر في الأوساط العلمية، ويروح ضحيتها وفق بعض التقديرات12 ألف طفل فقير سنوياً تباع أعضاءهم كقطع غيار لأبناء الأثرياء، ناهيك عن تجارة الدم والبلازما في أمريكا اللاتينية ، كل هذا فضلاً عن التجارة المباشرة في الجسد الحي (الرقيق الأبيض) الذي لا تخلو قوائمه من الأطفال والغلمان ، وهكذا فإن العلاقة بين الإنسان وجسده تستلفت نظر المفكرين- أيضاً- كإحدى صور التعبير عن علاقة الإنسان بالآخر في بعدها الأخلاقي والسياسي ، أي أن الجسد يصبح موضوعاً سياسياً أيضاً فالبيت الأبيض يعلن بزهو عن أول خريطة للجينات يضعها علماء أمريكان ، وبعد عدة أسابيع يبدأ حملة مضادة على مجموعة علماء أذاعوا خبراً عن استنساخ طفلة من جسد الأم ، ومن المفارق ـ أيضاً ـ أن إعادة انتخاب بوش الإبن لرئاسة ثانية راهنت على مجموعة من القيم الأخلاقية التي تتعلق بالجسد الإنساني على نحو مباشر مثل الإجهاض وزواج المثليين والأبحاث الخاصة بخلايا المناعة ، إن هذه السياسة التي تضع الجسد في إطار أخلاقي لاتتورع عن ارتكاب المجازر في العراق وأفغانستان ، وتنتهك حرمة الجسد على نحو فج في السجون والمعتقلات على نحو ما تمثلة أحداث سجن (أبو غريب) .
ورغم هذا الاضطراب في علاقة الإنسان بجسدة فثمة حقيقة لا يجب إغفالها ، فالإنسان المعاصر أعاد النظر في علاقته بجسده على نحو أكثر تعقيداً ، واهتماماً بحيث يبدو كما لو أنه أعاد اكتشاف جسده وفق معطيات التكنولوجيا الحديثة ، وتكمن المشكلة في أن الجانب الفلسفي والأخلاقي في علاقة الإنسان بجسده لم تتأصل على نحو واضَح ، ومن ثم فإن الإنسان نفسه يبدو شديد الارتباك أمام هذا الاكتشاف ، ويبدو غير قادر على التعامل مع معطياته بحكمة ، وهكذا تظل العلاقة شديدة الغموض والالتباس ، بل وتزداد غموضاً بتعقد وسائط الاتصال المعرفي والثقافي، ولنا في حكاية التوأم الإيراني مغزى يوقفنا على طبيعة العلاقة بين الإنسان المعاصر وجسده، وواقعة التوأم الإيراني قريبة العهد ، تناقلتها وكالات الأنباء وترقبها العالم بشغف كبير ، وتتبع الإعلاميون أخبارهما منذ لحظة الإعداد لدخول غرفة العمليات تمهيدا لجراحة تفصل بين البنتين الملتصقتين ، ثم جعلوا من خبر وفاتهما حدثاً مأساوياً مثله مثل خبر وفاة الأميرة ديانا .
ربما هذا الأمر مرتبط بالميديا وقدرتها على الاستفادة من الأحداث وترويجها وتصنيع النجوم في كل يوم ، إذ كان من المتوقع أن تتحول كل من البنتين إلى نجم لو قدر لهما الحياة بعد الجراحة ولا فرق في ذلك بينهما وبين النعجة (دوللي) التي أثارت الانتباه وجذبت الأضواء لعدة سنوات.
هذا شأن الآلة الإعلامية التي تتعامل مع الجسد الإنساني كسلعة ، ولكن لماذا توحدت مشاعر الناس مع البنتين ، وكأن الناس قرروا فجأة تبنيهما؟ هل هو مجرد إشباع فضول أثاره الإعلام ؟ أم أنه تعبير عن أحلام عميقة في الإنسان المعاصر لامتلاك جسدة وإتمام السيطرة عليه ومن ثم فتحقيق انتصار جراحي كهذا بمثابة خطوة نحو تحقيق هذا الحلم ، بل ويبدو أكثر أهمية من النزول على سطح القمر.
ووسط هذا الضجيج الإعلامي لم يهتم أحد بمشاعر أختين عاشتا ملتصقتين لما يقرب من ربع قرن ثم قررتا فجأة الانفصال ، أو قل قررت كل منهما أن تمتلك جسدها الخاص ، جسدأ مفرداً ومستقلاً ، لايشاركها فيه أحد حتى ولو كانت أختها التي عاشت منذ البداية معها وربما تموت معها ، فهما كانتا تدركان حجم المخاطرة التي قد تودي بحياتهما معاً أثناء الجراحة ، ومعنى هذا أنهما وضعتا حياتهما في كفة ، وحقهما في امتلاك جسديهما الخاص في كفة أخرى ، إنها مخاطرة في سبيل حرية الجسد لا تقل عن أي مخاطرة يقدم عليها فدائي في سبيل حرية الوطن ، لم لا .. فالوطن هو الجسد الأصغر الذي يربطنا بالجسد الأكبر، وامتلاك الجسد واستقلاله هو رمز لامتلاك الإرادة الكاملة ، بل هو غاية كل الغرائز الإنسانية .
لكن قصة التوأم الإيراني لها مغزى آخر باعتبار النوع ، أى كفتاتين عصريتين ترغبان في الانفراد بجسديهما في سن تتفجر فيه الحواس وتتفتح الرغبات ، ومعنى هذا أن الوعي بالجسد ينمو ويتطور مع نمو الوعي بالذات ، ويكتمل باكتمال الهوية ، وتلك إشارة على أن الجسد هو نافذة الذات على العالم ، وهو الذي يحدد علاقتنا بالآخر .
فرغبة البنتين في الانفصال تجسد حق كل منهما في اختيار الشريك (الآخر) الذي يشاركها جسدها ، ومتى وكيف تقوم هذه الشراكة ، ثم ما هي المسؤلية التي تنشأ عن هذه الشراكة ، والمسؤلية التي تنشأ عن حق كل طرف في فك هذه الشراكة ..إلخ.
هذا الوعي سينعكس على العلاقات العاطفية والزوجية ويصب في النهاية في موضوع المرأة وقضاياها المعاصرة ، ورغبتها في إيجاد صيغة جديدة بينها وبين الرجل تضمن لكل منهما احترام الآخر كذات وجسد ، وتحميها من سيطرة الرجل على جسدها ، واعتقال ذاتها وحريتها كفرد له وعيه وإرادته الخاصة ، ومن ثم فلا غرابة أن يظهر موضوع الجسد كموضوع نسوي بالدرجة الأولى في الأدبيات المعاصرة ، حيث يستأثر جسد المرأة باهتمام خاص كموضوع ثقافي ، ومن ثم يصبح جسد المرأة مستهدفاً اقتصاديا أكثر من أي شيء آخر ، ويظهر هذا في أساليب الدعاية والإعلان التي لا تكف عن توظيف جسد المرأة ليس فقط كوسيلة ولكن كهدف أيضاً، وقد نشرت جريدة عربية خبراً مؤداة أن النساء في منطقة الخليج وحدها ، ينفقن 1,7 مليار دولار على العناية بأجسادهن، وقالت مسؤلة في إحدى شركات مستحضرات التجميل في ألمانيا إن عمليات التعرف على الثقافات المختلفة عبر وسائل الإعلام عززت الطلب على منتجات العناية بالجسد، ويعني هذا أن الاقتصاديين قد التفتوا بعمق إلى البعد الثقافي في علاقة الإنسان بجسده.
ولو طورنا تفكيرنا في مسألة الشريك ، وأدرناها على نحو أكثر ارتباطاً بالنوع لجرنا هذا إلى تفسير لبعض العلاقات المثلية ، فهي تمثل النموذج الأكثر صداماً وإثارة للجدل في حقوق الملكية الجسدية ، فهي من ناحية رمزية ينظر إليها كنكوص جسداني واكتفاء وانكفاء على الذات المتمثلة في النوع الواحد بما يهدد ديمومة الحياة وسننها الطبيعية ، ولكنها من الناحية النفسية تعبير صارخ عن فكرة العزلة ، والخوف من الآخر ، وذلك بسجن رغبات وطموحات الذات داخل الجسد ، أو داخل النوع الواحد ، عندئذ لا يصبح الجسد نافذة الذات على الآخر بل يصبح مقبرة لها ، والمثلية في النهاية تجسد خوف الإنسان المعاصر من طبيعة المسؤلية التي تنشأ عن اختياره لمن يشاركه جسده ، إن شيوع العلاقات المثلية في أوربا لا يعكس أي رغبة اجتماعية في إقرارها والتوافق معها إلا كظاهرة مرضية (غير سوية) ، وهذا الشيوع يعكس قدر التفهم لها على نحو إنساني كجزء من علاجها ، في حين أنها قد تكون أكثر انتشاراً في مجتمعات أخرى لا تفعل سوى التعتيم عليها أو تجاهلها ، لقد أكدت الدراسات الاجتماعية إن مساحات الحرية الفردية الممنوحة في المجتمعات التي تظهر فيها المثلية كظاهرة ليست سبباً مباشراً فيها ، وربما العكس هو الصحيح ، فالمجتمعات التي تفرض قيوداً حاسمة على العلاقة بين الجنسين ، تظهر فيها المثلية على نحو يتجاوز مجرد الظاهرة إلى درجة المشكلة التي تهدد منظومة العلاقات المحتمعية على نحو مباشر وتترجم في إحدى صيغها إلى نسب مخيفة في حالات الطلاق والعنوسة .
على أي حال إن موضوع الجسد الذي ظل لعدة قرون مسكوتاً عنه ، أصبح الآن موضوعاً ملحاً ، بل ومهماً ، ومن الأفضل طرحه ودرسه في سياق (سسيوثقافي) وبمناهج أكثر جدية وموضوعية بدلاً من تجاهلها أوتركها في يد المتلاعبين والمغرضين والمرضى ، تستشري كنار خبيثة ، ونكتفي بدفع الدخان عن عيوننا ، إلى أي مكان آخر نظن أنه أصبح بعيداً عنا، لأن صيانة الجسد واحترامه ، وإن كانت تعبر عن أصفى درجات الحرية الفردية إلا إنها لا تتم إلا في سياق مجتمعي كأي موضوع ثقافي ندرسه في إطار وعي عام بالجسد ، وعلى درجة متوازنة لدى كل أفراد المجتمع ، فالفرد لا يمكنه حماية جسده ، وإنما تحميه القوانين والأعراف والضوابط الاجتماعية ، ومن ثم فأمر الجسد يخص الشرائع والقوانين كما يخص صاحبه ، وإن بدت هذه الشرائع في ظاهرها متعارضة مع الحرية الفردية ، ولكنها في جوهرها تضمن حياة الفرد وتحمي جسده ، ذلك الجسد الذي يعبر بدوره عن الحرية الفردية كصورة للذات .
يقول رمضان بسطاويسي في معرض حديثة عن (فلسفة الجسد) .. "إن تحليل مفهوم الجسد في أي حضارة ، في خطابها الثقافي والاجتماعي يفضي بنا إلى فهم الحاضر على نحو أفضل ، بل إن تحليل مفهوم الإنسان عن عمق جسده الخاص يمكن أن يفضي بنا إلى تبين الصورة التي يكونها المرء عن نفسه" (2).
والحقيقة .. إن علاقة الإنسان المعاصر بجسده والتي يمكن التعبير عنها خلال المظاهر الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية الحديثة لا يمكن فهمها إلا خلال فهم تاريخي لوعي الإنسان بجسده ، وحيث أن وجود الإنسان في الزمن أو التاريخ هو وجود جسدي في الأساس ، ومن ثم فموضوع الجسد مشتبك مع التاريخ بقوة ، ولكنه مثل أي موضوع ثقافي يخضع لاختلافات تعبر عن الخصوصيات الثقافية لكل مرحلة من مراحل التاريخ ، فمفهوم الجسد في الشرق القديم يختلف كثيراً عنه في اليونان القديمة ، فالثقافات الشرقية نظرت إلى الجسد الإنساني كعضو يرتبط في سياق كلي مع جسد أكبر هو الكون ، ومن ثم يتماثل الجسد مع الطبيعة ويتحد معها وفيها ، ليس فقط في قيمته ولكن ـ أيضا ـ في صفاته ووظائفه ، كأن يظن أن الشعر في الجسد ينمو بنفس الطريقة التي ينمو بها النبات في الأرض ، ونتيجة لهذا التوحد بين الجسد والكون حرص الإنسان على خلق علاقة متناغمة مع الطبيعة ليضمن صحة وسلامة جسده .
ولكن الإغريق نظروا إلى الجسد ككيان مستقل عن الطبيعة ، ونتيجة لذلك تمزقت العلاقة بين الإنسان والكون ، ثم نتيجة لهذا الانتزاع من حضن الطبيعة الأم ، بدأت مشاعر الاغتراب في التأكيد على النظرة الثنائية التي تميز بين الجسد والروح ، وتضع الروح في مكانة أعلى لينعكس هذا الوعي على سلوك الإنسان وعلاقته بجسده كمظهر من مظاهر الصراع بين الجسد والروح ، أي أن الثنائية مزقت العلاقة بين الإنسان وجسده أيضاً .
وأدت النظرة الدونية إلى الجسد وفصله عن الطبيعة وتجريده من أبعاده الروحية أن أصبح الإنسان يتعامل مع جسده كمجرد أداة تنحصر قيمتها في وظيفتها وقدرتها العملية على حل بعض المشكلات الاقتصادية كأي أداة من أدوات الإنتاج ، وهكذا يوضع الجسد في سياق استهلاكي ويتم تقييمه كأي سلعة ، ولا شك أن هذا الفهم دعم فكرة الرق في التاريخ الإنساني ، وجدير بالذكر أن الفكرة تواترت في الثقافة الغربية إلى ما قبل الحداثة، فمع عصر الكشوف الجغرافية وباسم الدين كان يتم استرقاق البشر لكونهم لا يمتلكون روحا خيرة وظل هذا المفهوم سائداً حتى ظهور وثيقة حقوق الإنسان التي أنهت تاريخاً طويلاً من الرق، وهي نظرة أحيطت بكثير من المحاذير في الإسلام الذي سعى إلى تحرير جسد الإنسان من العبودية من منطلق عدم الفصل بين الجسد والروح بمعنى أن شأن الجسد هو شأن الروح ، كلاهما ملك لخالقه ، فأنت حين تسيطر على جسد إنسان ما فأنت ـ في نفس الوقت ـ تسيطر على روحه ، ومن ثم فصيانة الجسد من التهلكة هو بمثابة صيانة للروح أيضاً ، وكلاهما علامة على صحة الإيمان ، ولقد جسدت كلمة (النفس) التي حرم الله قتلها إلا بالحق ، هذا المعنى بعدم جواز فصل روح الإنسان عن جسده.
لكن يبدو أن الفكر الإسلامي قد وصله شيء من هذه النظرة التي تفصل بين الجسد والروح ، ولا سيما لدى الفلاسفة الذين اطلعوا على الفلسفة الإغريقية الوثنية في تصورها عن طبيعة الخلق المثنوية التي ترد الوجود الى مبدأين هما الخير والشر أو النور والظلمة ، ومثل هذه الأنماط التراتبية التي تقوم على أحكام قيمة مطلقة ، والتي إحدى صورها النظرة إلى المرأة كمخلوق أدنى درجة ومكانة من الرجل.
إن الفلسفة الغربية الحديثة ، تبدو كامتداد للفلسفة الإغريقية في نظرتها الثنائية إلى الإنسان ، ففكرة ديكارت عن تمجيد العقل ونبذ الجسد لا تختلف عن تصورات إفلاطون المثالية في جوهرها ، فالجسد الغربي يظهر كغلاف أو كآلة تساعد العقل على تحقيق غاياته النبيلة حتماً بعكس غايات الجسد الحقيرة، إن الثنائية التي أكدها الفكر المعاصر ، توتر العلاقة بين الإنسان وجسده ، وتنتهي إلى تشيئه ، وشعوره بأن جسده مجرد آلة ، قابلة للبيع كأي سلعة ، بل وقابلة للاستبدال والتحسين لمناسبة العرض والطلب بهدف رفع الكفاءة الإنتاجية للجسد في بورصات الرياضة والإعلانات والموضة وتجارة الأعضاء البشرية التي ساعد على انتشارها التطور العلمي والتكنولوجي .
وقد أدى هذا إلى ظهور فكرة الجسد الفردي وفصله عن الجسد الاجتماعي العام ، وتجلى إحساس الإنسان بالفردية والعزلة وانقطاع جسده عن أجساد الآخرين ولاسيما بعد انتشار وسائط الاتصال التكنولوجي الحديثة ، التي عمقت عزلة الإنسان وحالت دون التواصل الحي بين البشر واستغنت عنه بالآله حتى أصبحت أكثر ممارسات الجسد ورغباته احتياجا إلى الآخر تتم بشكل فردي تماما ويتجلى ذلك في عمليات الاتصال الجنسي التي تتم عبر وسائل الاتصال التكنولوجي بدون وجود شريك حقيقي أو بمجرد وجود صورة الشريك (شريك افتراضي)، ومعنى ذلك أن أصبح الإنسان أكثر اعتماداً على جسده وأكثر انكفاءً ـ بالتالي ـ على ذاته ، وتعمق شعوره بالاغتراب ، وفي ضوء هذا الارتباك في العلاقة بين الإنسان وجسده ، يمكن تفسير بعض الظواهر مثل الانتحار الجماعي ، والشذوذ الجنسي وتعاطي المخدرات وإدمان مشاهدة أفلام البرنو وممارسة الجنس عبر الأقمار الصناعية وهوس الرهانات في حلبات المصارعة الحرة إلى آخر الكثير من مثل هذه الظواهر، كما يمكن فهم حكاية الشاب الألماني آكل لحوم البشر التي بدأنا بها كرمز إلى الانكفاء على الذات تعبر عن علاقة الإنسان المعاصر بجسده.