عشرون عاما تقريبا مرت علي الجزء الأول من سلسلة أفلام إنديانا جونز، الذي كان يحمل اسم «أنديانا جونز وغزاة الكنز المفقود»، الذي تم عمل جزءين تاليين منه.
الأفلام الثلاثة تعد من أنجح عشرين فيلما في شباك التذاكر في تاريخ السينما.. وقد عاش عليها أجيال من المشاهدين، أغلبهم كان متشوقا لمشاهدة جزء رابع منها، ولكن المخرج ستيفن سبيلرج ظل يرفض كل الأفكار والسيناريوهات التي عرضت عليه، ورفض حتي أن يخرج الجزء الثالث ولكنه فجأة، وبدون مقدمات، قرر أن يعود إلي دفاتره القديمة بواحد «إنديانا جونز» جديد، شاركه في إنتاجه جورج لوكاس صاحب الملحمة السينمائية الكبري «حرب النجوم» وصاحب أكبر شركة للمؤثرات البصرية السينمائية في العالم.
هل يستحق الجزء الرابع الذي يحمل عنوان «إنديانا جونز ومملكة الجمجمة الكريستالية» هذا الجهد والعناء والأموال الطائلة.
من الناحية التجارية البحتة يستحق لأن الفيلم يحقق إيرادات خيالية في كل البلاد التي يعرض فيها، ومن الناحية الفنية فالحق يقال إن سبيلبرج ولوكاس يتألقان هنا كعادتهما في مثل هذا النوع الخيالي من أفلام المغامرات والحركة والمؤثرات البصرية والسمعية، وهما يقدمان عدة مشاهد غير مسبوقة في فكرتها وتنفيذها مثل مشهد انفجار قنبلة نووية ـ نعم نووية مثل قنبلتي هيروشيما وناجازاكي ـ في قلب الصحراء الأمريكية، والبطل إنديانا جونز في قلب هذا الانفجار بالضبط، ولكنه ينجح كالعادة في الخروج سالما!
في مثل هذا النوع من الأفلام لا ينبغي أن تفتش عن الواقعية ومدي إمكانية حدوث ما تراه من أحداث، فهي تصنع خصيصا لإلهام وإلهاب خيال المراهقين وعشاق فن السينما الخالص أو المتخلص من أي موضوع اجتماعي أو إنساني، فالهدف هنا مثل الهدف من الغناء والرقص، هو المتعة الحسية فقط.
إذا كان هذا هو المضمون الأساسي والوحيد لفيلم «إنديانا جونز» فقد يكون من المضحك أن نتعامل معه باعتباره عملا «إعلاميا» يحمل رسالة ما إلي مشاهديه.. فلا المحتوي السياسي الذي يحتويه الفيلم، حول الحرب الباردة أو الساخنة، يستحق أن نناقشه أصلا ولا النظرية «العلمية» حول الكائنات الفضائية التي بنت الحضارات القديمة في مصر وأمريكا اللاتينية تزيد علي كونها ترديد للدجل والشعوذة باسم العلم، التي يتحفنا بها بعض الكتاب ـ مثل الألماني ديرفيل والمصري أنيس منصور ـ والذين سار علي دربهم كتاب سيناريو عشرات الأفلام لعل من أشهرها تحفتا سبيلبرج «آي. تي» و«لقاءات قريبة من النوع الثالث»، والاثنان ـ في رأيي الشخصي ـ من أسخف الأفلام التي شاهدتها في حياتي. ومع ذلك كله، فهل من المنطقي أن نتجاهل الصور السلبية التي تبثها نوعية أفلام إنديانا جونز للشعوب الأخري والحضارات القديمة والقدرة الكلية شبه الإلهية للرجل الأبيض؟!
طبعا هذا التجاهل غير ممكن، ولكن التعامل مع هذه الصور يجب أن يكون علي نفس القدر من السخرية الذي تحمله هذه الأفلام من نفسها، ما الذي يعنيه ذلك؟
هذه الأفلام تسخر من نفسها في الحقيقة من خلال المبالغات غير المعقولة في تصوير شر الشرير وبطولة البطل، ولا أحد من المشاهدين ـ حتي المراهقون منهم ـ يمكن أن «تخيل» عليه هذه الخيالات إلا إذا كانوا يعانون من «العبط» أو توقف النمو أو يعانون أصلا من العنصرية وكراهية البشر المختلفين عنهم.
هذا فيلم مثل أغاني شعبان عبدالرحيم أو نكت الصعايدة لا يصدق حتي مؤلفوها أي شيء فيها.
لذلك اضحك من قلبك وأنت تشاهد «إنديانا جونز»، فالضحك ـ كما قال ماركس ـ أفضل وسيلة للتخلص من الرجعية