تنظر من حولها وتصّبر قلبها.
تقول حنان لنفسها هذا جارنا أحمد عاد وحيداً وكأنه لم يتزوج ولم ينجب ولم يحتضن خمسة أطفال ملأوا عليه حياته... هذه سناء وقد تركها والداها وأخواها وهي بالكاد قد بدأت حياتها، ولا تعرف شيئاً عن شقيقتيها الجريحتين... هذه أم تيسير وتلك زينب.
مشهد المجزرة يطغى على ما عداه في المكان. وحدها رائحة قاسم، بكرها، ترفض أن تغادرها حتى وهي ترد رضيعتها إلى صدرها وتمسك بولدها الثاني علي، وكأنها تخاف أن تفقده هو أيضا.
ليلتها، ومعظم الساهرين قد أخذهم النعاس، طبع قاسم شلهوب (تسع سنوات) قبلة على خد والدته: <معليش خليني نام حد الرجال، أنا صرت كبير>. لم <تكسر> حنان ب<خاطره>، قالت لجارتها <الأولاد عم يكبروا>، ولكن قاسم <مش رح يكبر بعد> تلك ألأمسية.
هي سمعت صوت الصواريخ التي استهدفتهم على عكس آخرين استيقظوا ليجدوا أنفسهم تحت الركام: <يمكن وعيت على الصاروخ التاني>.
نفضت عنها التراب وسحبت علي الذي كان يبكي بحرقة. سائل ساخن أنبأها بإصابة رضيعتها برأسها، ولكن صراخها طمأنها إلى حياتها، ولكن أين قاسم؟
كما الآخرين، شرعت تنادي عليه <قاسم، ماما، تقبرني يا أمي رد علي>.
الظلمة التي تغطي كل شيء غطت، <يمكن>، على صوت قاسم ايضا.
جاء الرجال وسحبوها مع اطفالها من المكان <في قصف وبدنا نشوف إصابات الأولاد>.
هناك بعيداً عن المكان الذي بقي فيه قاسم وقفت عاجزة حتى عن العودة لتفقده، <الخروج من الملجأ كان انتحارا>. قالت لها جارتها، <يعني إذا متي لمين بتتركي علي وأخته>، هكذا كانوا يثنوها عن العودة إلى موقع المجزرة.
بين الواحدة والسادسة صباحاً والقصف يعصف من كل <حدب وصوب>، صلّت حنان، بكت واختنقت من عجزها عن تلمس يدي بكرها، قدميه أو حتى معرفة أي شيء عنه. عندما أخبروها باستشهاده لم يتركوها تراه، أحب أن ينام بالقرب من الرجال وكالرجال حمل صفة <شهيد> وهو بعد في التاسعة من عمره.
هو، فرحتها ألأولى، يحبو ويتعثر بين باب الدار و<مصطبته>، ثغره يفتر عن مناداتها باسمها: <ماما نان>.
لا يتوقف نحيب حنان حتى يصل علي إلى جانبها <إجا علي، خلص>، تنبهها جارتها.
يسألها علي طوال الوقت <وين خيي، وين قاسم.. ما بقى في حدا إلعب معه>.
تجيبه <قاسم صار بالجنة، هونيك الأولاد بيصيروا طيور>. وقاسم صار طيرا في الجنة.