ما أثر الحج على المجتمعات المسلمة؟
يكاد يتحول الركن الخامس للإسلام إلى مجرد صورة فارغة المضمون من رغم كونه مشروطا باستطاعة الناس!! فما أن يقترب موسم الحج من كل عام إلا ويبادر الإعلاميون والسياسيون إلى إثارة الزوابع الصحفية حول مسألة أمن الحجيج حتى أن الحج صار موسما لتعزيز الأمن وتدريب عناصره من أجل "إنجاح التظاهرة الربانية"، وهذا ما جعل المشرفين على ضيوف الرحمن يعقدون الندوات الصحفية لطمأنة الناس والحديث عن الإجراءات الوقائية المناسبة، فما يحيط بالحجيج أهم مما يكتنفهم نفسيا ومعنويا حتى صار موسم الحج حدثا سياسيا وإعلاميا عوض أن يكون شعيرة تقرب المسافة بين العباد وخالقهم!
إلا أن ما أود الحديث عنه تحديدا هو عن المفارقة والغموض الناشئين بين الحج كظاهرة موضوعية تجمع أكثر من مليوني "فرد" من مختلف أنحاء العالم يلتقون في مكان واحد لتأدية مناسك واحدة وبين الحج كظاهرة إيمانية فيها يتخلص "الحاج" من مشاغل الدنيا وهمومها موجها سريرته في إطار ما يفترض أن يكون رياضة باطنية إسلامية؛ ومن ثم أحب سبر العائد المجتمعي أو الأثر الذاتي للحج على المجتمعات المسلمة؟
فلا شك أن للحج أثر جماعي على الأمة المسلمة بصفتها مجموعة مجتمعات الرابطة الإضافية بينها زيادة على الأخوة في الدين آناء تأدية المناسك هي التجمع في الزمان والمكان الواحد لتأدية نفس المشاعر بغير منفعة دنيوية مرتجاة في مشهد تذبح فيه إلى جانب الأضاحي المظاهر الرأسمالية والاشتراكية ليتأسس رمزيا نظام بديل هو بداعي توحيد الناس للخضوع للخالق قد تأسس، فلا منافسة محتدمة من أجل التنافس على أرباح مادية ولا تسابق نحو زعيم أو سلطان وهمي، فالأمر ليس هذا ولا ذاك كما أنه أيضا ليس انسحاقا للفرد داخل الجماعة.
فهو تسام روحي عن المادة دونما انفصال عنها، أعني أنه مفارَقة (بفتح الراء) للحياة رغم أنها ليست كذلك، مفارقة للبناء المادي للحياة وتشبّه بالموتى في اللباس ثم حشد في عرفة كأنه يوم المحشر لإثبات شيء واحد هو أنه بإمكان الكائن البشري أن يحيا الحياة الحقيقية (بما هي عبادة حقّة للخالق) في معزل عن كل المتطلبات الفطرية والغريزية للإنسان من جهة ومن جهة أخرى توجّه إرادي بالرضى والانقياد التام للإرادة الإلهية، في نهاية ملحمية مفادها تحقيق مثالية العبودية المطلقة حيث يتخلص الحاج من كل الشهوات محتفظا بإرادته الكاملة وموجها إياها إلى كل ما سوى المادة من كمون وجودي في ذاته الإنسانية.
فالحج إذن في حقيقته تجسّد لممكن واحد لا غير، هو إمكانية فعلية ـ وليست أماني ـ لتحقيق نظام أرضي تصبح فيه المادة وسيلة لتحقيق جوهر الاستخلاف؛ فكون الإنسان مستخلفا لله يعني الانطلاق من جوهر لامتعيّن لإقامة العدل وإشاعة السلام؛ لذلك ومن هذا المنطلق جاز لنا أن نتحدّث عن الحج وأبعاده الروحية كنموذج حي به نتواصل مع الماضي ونفتح أبواب المستقبل في وقت ليس هو إلا الحاضر (موسم الحج)، أي نتخذ من الحج أداة لصياغة نهضتنا كونه يحمل البديل رمزيا لهذا العالم، فما الشروط الواجب تحققها حتى يتم لنا ذلك؟
بداية لعل الصورة البنيوية لأزمتنا الحضارية تمنع أي اختطاف لكل مظاهرها وليس أدل على ذلك مما ذكرناه في بداية حديثنا عن تشوه مدخل موسم الحج لهذا العام، إلا أن ذلك لا يمنعنا من محاولة معرفة تمكن الحاج المسلم من كسر الحواجز الرمزية التي كان منسحقا بداخلها واستعادة تواصله مع أقرب شيء إليه وهو ذاته من أجل بناء رمزية العالم الإلهي على الأرض؛ والمحك الأول في ذلك هو مدى استطاعة الحجاج لتأدية الحج!؟ أعني مدى استطاعة الآتي إلى بيت الله تحرره من إرثه الديني-التربوي الثقيل، أي التخلص من الفهم المحدود للدين وعبادة الله الذي يحتمه المحيط الاجتماعي على الناس من منظور أن البيت الحرام مكان لتوسيع آفاق التفكير الديني من عدة جوانب بما ينعكس على الأفق العام لحياة الإنسان، فاستطاعة الحج كما يرى أبو يعرب ليست متعلقة بالاستطاعة المادية وإلا لحدد الشرع النصاب كما فعل في الزكاة وحسبه دائما فإن المقصود بالاستطاعة هو التحول الروحي المتمثل في القطع من الانغماس في الدنيا.
إذن فالفائدة الأساسية والعينية المباشرة من الحج هي قطع الانغماس في الدنيا بمعنى الصلة بالدنيا وفق القيم الإسلامية وهو ما يفسر قولنا السابق بالنموذج البديل عن الرأسمالية حيث خضوع الاقتصاد لقيم تعلو عليه والنموذج الاشتراكي حيث خضوع السلطان لقيم تعلو عليه وصولا إلى تحقيق قيم اجتماعية تعلو على الأهداف الاقتصادية والسياسية والذوقية والحيوية والوجودية الوظيفية فيكون حينذاك قد تعالى عن الضرورة وحقق الحرية الروحية أولا وثمراتها الفكرية والخلقية والسياسية والاجتماعية كما يستطرد أبو يعرب.
فانعكاس العائد الفردي للحج على المجتمع ينتج عن تعدي العلاقة الروحية الآلي من الفرد إلى الجماعة حيث يكون التفكير والسلوك الفردي باعثا على استكناه البعد الرمزي الكامن خلف الجهد المعنوي الذي أداه الحاج في رحلته الربانية، لكن الذي يجب ألا ننخدع به ولا ينخدع منه الحاج هي تلك الصور الظاهرية التي تعقب عودته من البقاع المقدسة من جو "حَسَن" ما يفتأ ينقضي وينقطع مع تطاول المدة الزمنية والمكوث بالوطن، ذلك أن التفاعل الوجداني المباشر بالمشاعر المقدسة يربط الإنسان ودون مبالغة بمبداه ومنتهاه أعني ولادته وموته وما امتد قبل الأول وبعد الثاني بما يترك في نفسه انطباعا عميقا بأسرار الكون ومعنى العبودية التامة لله وفق قيم الدين الخاتم؛ وأتصور أن ما جاء في سياق الحديث النبوي الشريف عن أن الحج يجعل مؤديه {... كيوم ولدته أمه} دلالة ليست بالبساطة التي درج عليها المسلمون اليوم فهي تشير أقل ما تشير إلى اتصال الإنسان بفطرته الأولى قبل اختلاطها بالمحيط الاجتماعي بما يدل على ما تمده شعيرة الحج من إمكانية تجاوز الزمن.
كما أن الدعوة إلى تبني بعض المشاريع من أجل تفعيل دور الحج من قبيل أطروحة الأستاذ عدنان سالم في الموسم الماضي لا يجب أن ينسينا الأهمية الذاتية للحج من حيث كونه مجموعة من الشعائر والسلوكات يتقيد زائر البيت الحرام بتأديتها؛ فهي في النهاية خضوع تام للحتميات الشرعية مقابل تحرر تام كذلك من الحتميات الطبيعية والاجتماعية؛ فالتفعيل يجب أن يأخذ الجانبين الفردي الذي هو الأساس وأما الجماعي فيجب التأكيد أساسا على جعله تابعا للجهد الروحي الفردي، لأنه وباعتقادي المتواضع هنا تحديدا تكمن فلسفة التاريخ الإسلامية أقصد أن يكون الوعي التاريخي منصبا على محاولة إدراك الطبيعة (حيث نحن مأمورون بتجاوزها أثناء أداء فريضة الحج) وإدراك الشريعة (حيث نحن مأمورون بالخضوع التام لها أثناء أداء الركن الخامس) ومن ثم وبعد تحقيق ذلك الركوب وفق المسيرة الطبيعية والتاريخية للكون حتى نضع مشاريعنا وفق هدي الإسلام على أن الجهد دائما وجب أن يبقى منصبا على التحرر الباطني الفردي الضامن للحياة الروحية والإيمان الحي.
ختاما فإن الحج لا ينفصم عن أن يكون تقابلا بين كونه ظاهرة موضوعية وأخرى إيمانية بل كل ما الأمر هو اندراجنا اللاواعي على فصم الظواهر الاجتماعية والدينية وإخضاعها لمنطق غير إسلامي محكوم برؤية أنتجتها عقائد جاء الإسلام أساسا للتنبيه إلى خطرها الذي يفضي إلى الإفلاس الروحي كما نحن الآن؛ أوليس الحج قد نبهنا إذن إلى ذلك...و إذن فليكن منبها لنا إلى التيه الذي نحن فيه ومن ثم مرشدا رمزيا لنظامنا الذي يؤكد عدم تحقيقه عجزُنا.