لقد وقع التركيز في مداخلتك على مفهوم " التأمل التجاوزي " إلا أنك لم تعطه ما يكفي من التحليل كما أني لم أجد مرجعياته النظرية التي يقوم عليها . ومن باب إثراء النقاش أضيف وجهة النظر العامة هاته و التي تندرج ضمن إطار استرتيجي للإصلاح التربوي .
لا مجال لمنظومة تربوية ثابتة في عالم متحول دائم الحركة، ولا مستقبل لمدرسة تركن إلى التقليد و تعزف عن التجديد. فالبشرية تعيش اليوم ثورة علمية – تكنولوجية لا مثيل لها في تاريخ الإنسان الطويل . ومن أهم خصائص هذه التحولات المذهلة ، سرعة انتشار انجازاتها و اجتياحها كل مظاهر الحياة الجماعية و الفردية .فليس هنالك مجال من مجالات النشاط الإنساني قادر على البقاء خارج دائرة تأثيرها . لقد أحدثت الثورة المعلوماتية في العشرية الأخيرة تغييرات عميقة و متسارعة في الإقتصاد و المجتمع تمثلت في بروز أنماط جديدة في طرق التعلّم و العمل و الإنتاج و المبادلات و الترفيه و إسداء الخدمات و تبادل المعلومات .ويلاحظ المتتبع للتحولات التي تجدّ في عالم اليوم أن الأمم الأكثر وعيا بطبيعة هذا التطور التاريخي تستعد لمجابهتها ورفع تحدياتها المستقبلية بإعطاء الأولوية في اهتماماتها للتربية و التكوين . ولا يوجد بلد اليوم ليس في طور مراجعة جذرية لمنظومته التربوية و لغائياتها و مناهجها و وسائلها . ولقد تعددت لهذا الغرض المراصد و آليات التقويم و منظومات المقارنة و التناظر بين أداء نظم التعليم و التدريس بهدف تعقب أفضل التجارب التي سرعان ما تنتشر و تعممّ .و بتسارع نسق العولمة ، اكتشفت الأمم و هي تواجه" صدمة المستقبل " أنها مهما بلغت من مراتب الرقي ، تبقى ، على حد تعبير أحد المهتمين بشؤون التربية " مجتمعات تربوية نامية " في حاجة إلى تأهيل نظامها التربوي باستمرار حتى يستجيب لمتطلبات عصر يحكمه التغيير المطرد الذي لا يهدأ و لا يستقر فيه شيء على حال .
و تدل كل المؤشرات أيضا أن مستقبل المدرسة سيشكل مجالا من أهم مجالات التنافس بين الأمم المتسابقة ، بل المتصارعة من أجل احتلال المواقع الفاعلة في العولمة و تحدياتها الإقتصادية و الثقافية و أن كل أمة تفوّت على نفسها فرصة تأهيل تعليمها ستكون " أمة في خطر " و سوف يؤدي ذلك لامحالة إلى إحداث فوارق حاسمة بين نظم تربوية كانت إلى وقت غير بعيد متقاربة في أهدافها و وسائلها و مناهج عملها .
إن عالم الغد يحتاج أفرادا قادرين على تحليل وضعيات معقدة و على تأويل معطيات متشعبة و متضاربة و على التأليف بينها و استنباط الحلول أو البدائل الطريفة لقضايا غالبا ما تكون غير متوقعة ، وهو ما يتطلب كفايات و " مواهب " ينبغي الحرص على تطويرها في سن مبكرة و على رعايتها و تعهدها على امتداد الحياة . فينبغي على المدرسة أن تدرجها في كل برامجها و في كل مراحلها ، و عليها أن تستنبط الحلول الكفيلة بذلك إن هي رامت النهوض برسالتها المستقبلية . فالتعلم للمعرفة لا معنى له إذا لم يرتبط بالتعلّم للعمل . المدرسة مطالبة اليوم بتمكين التلاميذ من امتلاك أدوات المعرفة و إعداد الدعائم الفكرية و المؤهلات التي سيقوم عليها اكتساب الكفايات و المهارات الضرورية للحياة و للتعلّم مدى الحياة . هي مطالبة اليوم و غدا بإعداد الإنسان الذي يتعلم كيف يتعلم، و كيف يعمل، و كيف يكون، وكيف يعيش مع الآخرين .