بخطى مسرعة واثقة تتحدى الشمس والالام المزمنة،كان بجسده النحيل يعبر السفوح الوعرة،متجاوزا الجموح اللاهثة فى الوادى،غير ابه بالافتات المحذرة من الأجسام الغريبة والمشبوهة الملقاة على جوانب الطريق،صدره المتأجج وأنفاسه العطشى المتقطعة أبقته فى مكانه للحظات
أسدل جفونه واتكأ على صخرة منتظرا وصول أحد القادمين ليمده بقطرة ماء
الوقت لا يزال مبكرا،لكنه كان على عجلة من أمره،شعر بالخوف من وصوله متأخرا،خشى أن تصل قبله وتنتظره فى هذا القيظ الخانق الذى ماعاد ليهتم به
لاشك أنها ستأتى،لقد انتشرت الأنباء فى كل مكان عن اللقاءات عند الحدود
أخذ يبعد بعكازه الزواحف،ضربها بقسوة وصعد فوق الصخور،واتجه بناظريه جنوبا نحو الجبال الأكثر اخضرارا ،مازالت المسافة بعيدة، تمنى لو يمتد به العمر ليقف هناك ولو مرة واحدة فى حياته وعاد يشغله السؤال عنها ترى هل ستأتى؟وكيف ستبدو بعد مضى أكثر من خمسين عاما؟هل سيعرفها بعد هذا الزمن الطويل؟
حتما سيعرفها حين ينظر الى تلكما العينين البراقتين كنجوم الجليل المشعة وحين سيسمع صوتها:أنضجته الجفرا والعتابا منذ الصغر والذى لا يزال يتردد فى أذنيه وخاصة ساعة أيقظته فى ذلك الصباح الباكر والمشئوم وهيأت له الزاد
ودعها ووعدها بأروع تفاحة فى الحقل،وغادر مع الأهل الى أعلى الجبل،وهى قعدت فى الدار لمساعدة الجدة فى تحضير الخبز
يومها وكعادتهم تعاونوا على قطف التفاح،ووضعه فى السلال وفجأة قطع هدوء الفضاء والمواويل الجبلية أصوات اطلاق نار كثيف،وجلجلة وأدخنة حالكة السواد
هرع الفلاحون الى القرية من كل اتجاه وأخذت أمه تصرخ:صغيرتى مريم فى الدار،وهو كان قد تسلق الشجرة محاولا قطف تلك التفاحة الممتلئة،الشهية،اللامعة تحت أشعة الشمس
صاحت به أمه :أسرع بالنزول ،القرية تحترق،وأختك وجدتك هناك
لا لا يمكن أن يصيب مريم مكروه لقد طوقت الجدة عنقها بتعويذة ذهبية زرقاء،لقد رقتها جارتهم أم اسطفانوس ،لقد وعدها بتفاحة لامعة ووعدتها أمها بثوب مطرز فى عيد الحصاد،ولقد سحبته أمه بقوة من أعلى الشجرة،وظلت عيناه معلقتين على التفاحة وفؤاده يذكر مريم ورائحة البارود تلاحقه حتى الساعة والأصوات الغريبة تطارده،انه يشعر بها الان أكثر من أى وقت مضى، لذا عزم على مواصلة المسير فى المتاهات الجبلية،يريد أن يراها حتى لو كانت صورتها أخر صورة تلتقطها عيناه أصوات القادمين الهادرة تحذره:
ارجع ياعم أبو خليل،لا تقترب أكثر،يتجاهلهم ويمضى
أصبح على مقربة من الاسلاك الشائكة،تشبث بها،مد يده ليلامس التراب،جرح بقوة ،فاضت دماؤه،عيناه معلقتان على السفوح الخضراء،تبحثان عن مريم وعن التفاحة التى تركها فى الاعلى
وشعر بمزيد من الالم ،خفت ألامه عندما لاح له وجه مريم الطفولى المشرق،يتوسط قبة السماء،تمد يدها له لتعطيه التفاحة الممتلئة ثم تختفى ألامه،بينما تغدو أكثر نورا