عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل، خيراً له، من زوجة صالحة: إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله] . (رواه ابن ماجه ).
♥ تخطئ بعض النساء عندما يقتصرن في فهم " إن نظر إليها سرَّتْهُ" على الزينة والتجمل للزوج. وهن في ذلك إنما يهمِلن الكثير من الفائدة التي تشر إليها هذه العبارة من الحديث الشريف. فسرور الزوج ليس فقط بأن يقع نظره على زوج جميلة، وقد يكون هناك من الأزواج من لا يتهمون بذلك كثيراً، ولا سيما حين يتقدم العمر بالزوجين وينتقل الود بينهما من العوامل الحسية إلى عوامل العِشرة وحسن المعاملة وتاريخ الذكريات التي مرت بالزوجين في حياتهما معاً.
♥ إن السرور الذي يحصل بالنظر لا يتوقف عند الزينة والتجمل لدى المرأة، وإنما تكون هناك مؤثرات أخرى مهمة وقد تكون أوقع من التزين، وذلك مثل تعبيرات الوجه وما تنم عنه من معان. فقد تكون المرأة مكثرة من زينتها ولكنها لا تجيد وضع ما هو أهم من الزينة على وجهها، وهو الإبتسامة. ولذلك فعندما ذكر الني الكريم صلى الله عليه وسلم أن تبسم المسلم في وجه أخيه صدقة، فإن ذلك يجري على الزوج أيضاً بوصفها أخت لزوجها في الإسلام كما سبق وأشرنا من قبل. وإن من تهمل الإبتسامة في حياتها الزوجية لتخسر بذلك الكثير من رونق الحياة الزوجية وبهائها، وتجلب الكدر وسوء الظنٍّ لبيتها، وتخرج تماماً من نطاق "وإن نظر إليها سرَّته" ولربما أصبحت "وإن نظر إليها كدرته أو أغضبته".
♥ والزوج يحب من زوجه أن تبدو دائما مهتمة به وبمشاعره، وأن تتوافق معه في إيقاعه النفسي، فلا تبدو مبتهجة بينما هو مهموم، ولا تبدو غير مكترثة بينما هو مشدود الفكر ومشحون. وإن الزوج لترخص زوجه في نظره كلما تمادت في الإبتعاد عن نطاق إهتماماته، وخاصة لو كانت هذه الإهتمامات أدبية أو معنوية. وعلى ذلك فالزوج المسلمة تسعى دائما لتضييق الفجوة الثقافية بينها وبين زوجها، حينما تدرك أنه أكثر ثقافة منها، حتى لا يشعر الزوج بالعزلة الثقافية داخل بيته. كما أن لذلك أثره الكبير على التوازن الثقافي لدى الأولاد، والذين يستقون قدراً من الأم وقدراً من الأب، مما يؤدي لتذبذب مركزهم المعرفي ومرجعيتهم الثقافية، وربما وصل الأمر إلى حدوث شيء من الإزدراء للأم في مقابل الإفراط في تقدير الأب لما يرونه من فارق كبير بين الجانبين. وينعكس مستوى الأم الثقافي على شكلها وحتى على هندامها، وعلى طريقة التعبير واختيار المفردات المناسبة للحوار.
وهناك من النساء من قد تبدو جميلة للوهلة الأولى حتى إذا تحدثت سقط الكثير من رونقها وبدت أقل بكثير مما كان الناظر إليها يظن قبيل حديثها. فهي لن تسرَّ زوجها حين ينظر إليها مهما بالغت في زينتها ولا سيما إذا كان يدرك هذا الفارق الثقافي بشكل ملحوظ. ويجب ألا يفهم البعض أن المقصود بالفارق الثقافي هو الشهادة التي حصلت عليها الزوج مقابل شهادة زوجها، ولكن المقصود هو الثقافة الحقيقية التي هي جزء من شخصية الإنسان، ومحرك للكثير من انفعالاته، وعاملاً هاماً في رسم ردود الأفعال التلقائية. ولدينا أمثلة كثيرة منها الأستاذ عباس محمود العقاد، الذي لم ينل شهادة دراسية أكثر من الإعدادية، بينما حار المثقفون في كونه أديباً أم روائياً أم مؤرخاً أم شاعراً أم فيلسوفاً، فلقد كان له إسهام كبير في كل مجالات الأدب هذه، بل وكان منظراً للشعر ومؤسسا للمدرسة الحديثة في الشعر ثم انقلب عليها حينما تجاوزت الخطوط الأدبية التي كان يترسمها لها. وذلك يعني أن الثقافة ليست بالضرورة متوقفة على الشهادة الدراسية. وهي لا تتوقف على عمر الإنسان، وهناك الكثيرون الذين نبغوا ثقافيا بعد أن تفرغوا للثقافة والمعرفة في سن متأخرة، وحتى في سن المعاش.
كما لا يجب أن يفهم من ذلك أن على الزوج أن تتخصص في مجال زوجها، ولكن أن تعلم بعض المبادئ التي تمكنها من الظهور بمظر لائق أمام زوجها، وفي خلال الإحتكاكات الإجتماعية التي قد تعرض لها، مثل حضور بعض المناسبات، سواء السارة منها أم غير السارة. فلن يكون ساراً للزوج أن ينظر إلى زوجه وهي تبدو أقل من الأخريات بشكلٍ ملحوظ، وقد يؤدي ذلك إلى جرح مشاعرهما معاً إذا تعرضت لموقف يفضح ضآلة ثقافتها ومحدودية معرفتها أمام الناس. فالزوج إذن مطلوب منها أن تتكيف مع المستوى الذي اختارته لنفسها حين اختارت زوجاً يتمتع بمستوى ثقافي معين. ولذلك فإن الإختيار يكون من أهم الخطوات التي تقع على الفتاة المقبلة على الزواج، ولا يجب أن ينصب اهتمامها على اختيار الزوج ذي المنصب العلمي المرموق، دون أن تحسب حساباً لمقررات هذا الإختيار ومتطلباته.
♥ وتأتي نظرة الرضا في عين الزوج المسلمة في مرتبة متقدمة جداً في ترتيب عناصر السرور التي تحدد في مجملها مستوى رضا الزوج حين تقع عينه على زوجه، فيُسَر أو لا يُسَر. فالزوج لا يُتوقع له أن يكون مسروراً حين تقع عينه على علامة عدم الرضا لدى زوجه، أو استصغار ما يقدمه إليها. وهو بالطبع لن يكون مسروراً إذا كانت الزوج تسمعه ما لا يرضى من القول، حتى وإن كانت جميلة الجميلات. فالشكل فقط ليس هو المقصود هنا بدواعي السرور المتوقفة على النظر.
♥ ومن النساء من يتوقف الجمال عندهن على جمال الزينة لهن فحسب، ويهملن في جمال البيت والأولاد، مما يسوء الزوج كثيراً ويقع في نفسه موقعاً غير الذي كانت الزوج تتمناه. فلن يسر الزوج أن تقع عيناه على زوجه الجميلة المتزينة بكل ما تستطيع، في حين لا يحظى البيت بنفس الإهتمام، والأولاد يفتقرون إلى الكثير من مظاهر النظافة والهندام. هذا فضلاً عن خصائص الزوج نفسه، فهو بالتأكيد لن يفلح تزين الزوج لزوجها في صرفه عن الكدر الذي يقع في صدره من جراء إهمالها لخصائصه من ملابس ومقتنيات لا تحظى بالإهتمام الكافي لديها.
♥ إذن فالسرور مكون نهائي لكل ما يرضي الزوج، وليس فقط لأن يفتح باب بيته فتقع عيناه على زوج جميلة مزدانة. والسرور هو علامة الرضا التام، ونجاح الزوج في تسجيل نفسها بين الأزواج الصالحات، فهل السرور الذي يحدث هو شرط لصلاح الزوج من عدم صلاحها؟ أجل، فهو أحد المكونات الأربع التي وردت في الحديث الشريف. وبدون ذلك لا تستطيع الزوج أن تصف نفسها بالصلاح، وإن صلَّت، وإن صامت.
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، نستودعكم الله،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.