من دلالات الأبواب في ملحمة كلكامش


العودة   منتديات ليالي لبنان > أقسام المنتدى العامة > حوار ونقاش

من دلالات الأبواب في ملحمة كلكامش

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-15-2008, 10:29 PM   رقم المشاركة : 1
احمد الطائر
عـضو جـديد

احمد الطائر
 
الصورة الرمزية احمد الطائر






احمد الطائر غير متواجد حالياً

احمد الطائر will become famous soon enough


إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى احمد الطائر

افتراضي من دلالات الأبواب في ملحمة كلكامش

من دلالات الأبواب في ملحمة كلكامش
قد تكون كلكامش فريدة من حيثُ مستغلقاتُها وترميزاتُها. فلا الإنسان فيها انساناً، ولا الحيوان حيواناً، ولا النبات نباتاً. تاليف من بدايته الى نهايته، ترميز بترميز. من أمارات ذلك كثرة الأبواب. منها ما هو مسحور يشلّ يد مَنْ يدخل منه، ومنها ما لم يدخلْه إنسيّ من قبل، وها نحن ندخله بمعية كلكامش. الرحلة غامضة ولكنها مثيرة لأننا سنتعرف على بعض اسرارالأرض التي نعيش عليها. لكن قبل ذلك، لا بدّ من القول إن السومريين والبابليين، اعتقدوا أن كل ما يصيب الأرض وبنيها من شرّ او خير، نازل من السماء: من نجومها وكواكبها وآلهتها. ربما بهذا الظن تأثرت اللغة العربية، فأسمت الكوارث: النوازل. أي نازلة من اعلى الى اسفل، من السماء الى الأرض.
ذكر قاموس لسان العرب: والنازلة: الشديدة تنزل بالقوم وجمعها النوازل. المحكم: والنازلة الشدّة من شدائد الدهر تنزل بالناس… وفي التهذيب: يقال تنزّلت الرحمة ونزل عليهم العذاب كلاهما على المثل. ونزل به الأمر حلّ. وقوله أنشده ثعلب:
أعززْ عليّ بأن تكون عليلاً
أو أن يكون بك السقام نزيلا
جعله كالنزيل من الناس، أي وأن يكون بك السقام نازلاً".
كان على السومري أن يفهم تصرّفات النجوم والكواكب وقبائلها وحماقاتها، حتى يفهم اسقامه وما يحيط به من أخطار على الأرض. لذا اهتمّ بالفلك، اهتماماً مصيريا.ً بكلمات اخرى من أجل أن تفهم الأرض لا بدّ لك من فهم سَكَنة السماء. لكنّ السماء مغلقة بوجه الإنسان. لا ينفذ في اقطارها احد، "إلاّ بسلطان". للآلهة إقطاعيات سريّة على الأرض. أبوابها موصدة وحراسها لا ينامون. عيونهم حارقة. اسماعهم خارقة، وعضلاتهم ممتلئة بقوىً عفريتية.
ما من كتاب، كما يبدو – يحفل بأبواب خطيرة وكثيرة كملحمة كلكامش. نتوقف قليلاً عند بعض الأبواب وأوّلها، حينما كان كلكامش في طريقه – كعادته – لاغتصاب عروس قبل دخول زوجها عليها. وقف له انكيدو بالباب ومنعه من الدخول. تصارعا، وكأنما كان صراعهما امتحانا لقدرتهما الجسمانية والروحية. وفي نهايةالجولة اتفقا على الرفقة والصحبة. ومن يومها لم يَعُدْ كلكامش يغتصب العذراوات. الباب الآخر لا يراه احد، وإن كان قريباً منا.
كانت عشتار قد عرضت جسدها على كلكامش، لتكون له زوجة. أغرته بالجاه والمال ولم ينفع. اغرته بعربة من حجر اللازورد والذهب، أغرته بالرزّ الفائح بالشذى، غير أنّ كلكامش لا يصغي. حاولت أن تستدرجه الى البيت عن طريق الرائحة – حاسة الشمّ المثيرة لكل اشتهاء، ثم قالت:
إذا ما دخلت بيتنا ”
فستقبّل قدميك العتبة والدكة"
ولكن كلكامش رفض الدخول، لأن بيت عشتار سبق أن شهد أكبر عمليات مسخٍ لازواج سابقين. وما أن يُهينها، بأقذع السباب حتى تصعد الى ابيها" آنو" في السماء، وتشكو له حالها. طلبت منه ان يخلق لها ثوراً سماوياً، يتغلب على كلكامش. تمنّع في بادئ الأمر، إلا انها هددته:
إذا لم تعطني الثور السماوي
فإنّي سأحطّم أبواب العالم السفلي
واجعل عاليَه سافله
وأدع الموتى يقومون فيأكلون كالأحياء
ويصبح الأموات اكثر عدداً منهم
إلاّ أن الإ له آنو يذعن لمطلب عشتار، وعليه تُبقي عشتار أبواب العالم السفلى مغلقة. ولكن الى متى؟ الإنسان الساعي في مناكب الارض مهدد من قبل الإنسان المطمور داخل الأرض. خطر دائم قد يندلع في اية لحظة نزقة. وعشتار نزقة قد تفتح ابواب العالم السفلي متى تهيّجتْ. المعروف أن اصحاب القبور القدامى، كانوا يخرجون من قبورهم ويخربون البيوت اذا لم يوف ذووهم بنذورهم لهم بانتظام.
من الأبواب المحيرة في الملحمة، ذلك الباب الذي خاطبه انكيدو، و"كأنّه إنسان يعقل".. هذا الباب لم يدخلْ منه أحد، ولم يخرجْ منه أحد. لا تدرى ما الذي سيكون أمر انكيدو معه. هل سيخرج منه كأموات القبور؟ أم سيدخل فيه كأموات القبور كذلك ؟
الباب كما يصفه انكيدو من افخر أنواع الخشب، وحرَفيته من اعظم صناعات النجارة. ولكنه – ككل الأبواب – للخروج والدخول:
اخترتُ خشبك من مسافة عشرين ساعة مضاعفة”
قبل أن أبصر أشجار الارز الباسقة
خشبك، يا باب، لم أر مثيلاً له في البلاد
علّوك اثنتان وسبعون ذراعاً
وعرضك أربع وعشرون ذراعاً
صنعك نجار ماهر في نفّر أيها الباب لو كنت أعلم أن هذا ما سيحل بي
وأن جمالك سيجلب عليّ المصائب
إذن لرفعتُ فأسي وحطمتك..."
ما الذي سيفعله انكيدو؟ هل سيخرج منه كأموات القبور؟ أم سيدخل فيه كأموات القبور؟ محنة انكيدو عسيرة، لا سيّما وأنّ اسمه منقوش عليه. هل سيصبح مثل نقش الأسماء على شواهد القبور؟.هل سيكسره ويعود مثلما كان في البرّية بلا باب؟
كلها الأبواب التى مررنا بها لم تُفتح ولم تُغلق، ولكنها مع ذلك ذات خطورة. خطورتها من مجرّد وجودها. أما أكثر الأبواب إثارة في ملحمة كلكامش، فهو باب غابة الارز التى يحرسها العفريت خمبابا. الباب مسحور، يشلّ الزند، والغابة متشابكة المجازات. لا يعرفها إلا هذا الحارس. لا بدّ لكلكامش من العبور من هذا الباب.
كانت حملة كلكامش على غابة الارز مدروسة، على الرغم مما يظهر عليها من ارتجال ونزوة. أمركلكامش بسبك الفؤوس التي تزن كل واحدة منها ثلاث وزنات، وسبك سيوف كثيرة تصل كل منها وزنتيين وقبضاتها ثلاثين منّاً، وسيوف أغمادها من ذهب يزن الواحد منها ثلاثين منّاً. تسلّح كلكامش وانكيدو باسلحة زنتها عشر وزنات.
لا بّد أن صناعة هذه الأسلحة الثقيلة استغرقت وقتاً طويلاً، ولا بّد أن أنباء الحملة انتشرت بأوروك، مما جعل ترقّب الناس وتلهّفهم يزداد يوماً بعد يوم. لا عجب إن تجمع الناس كما يقول راوية الملحمة أزاء الباب ذات المزاليج السبعة، وشاهدوا كلكامش في دروب أوروك ذات الأسواق. كان كلكامش يعرض على الملأ سلاحه وعضلاته، ولكن هل سيعود مؤزراً ليدخل من نفس الباب ذي المزاليج السبعة الذي خرج منه؟
كانت رحلة شاقة. نجحت لسوء طالعهما. وبات نجاحها وبالاً عليهما، لأنهما أضرّا بالتوازن بين الخير والشرّ. أولى علامات سوء الطالع، مرض أنكيدو النفسي. القوى السماويّة تقتصّ منه، فيغيب عن الوعي لأيّام.
على كلكامش من الآن فصاعداً أن يدخل الأبواب وحيداً، و يخرج منها وحيداً. أراد أن يستعيد هذه المرّة، التوازن بين ألوهيته وبشريته، بين خلوده وموته. غير أنه في ركضه اللاهث وراء الخلود كان يقترب شيئاً فشيئاً من مملكة الموت. قادته رحلته الأولى إلى جبل ماشو. جبل وليس بجبل. تبلغ اعاليه قبة السماء / وفي الأسفل ينزل صدره إلى العالم الأسفل / ويحرس بابه الرجال العقارب / الذين يبعثون الرعب والهلع، ونظراتهم الموت".
" ويطغى جلالهم المرعب على الجبال
الذين يحرسون الشمس في شروقها وغروبها
ولمّا أبصرهم كلكامش اصفرّ وجهه منفزعاً..
أذنَ الرجل العقرب وزوجته العقربة لكلكامش بالدخول لأنّهما اكتشفا المادة الإلاهية في تكوين خلقته.
(يعتقدالباحث بهاء الدين الوردي، أنّ البشر العقارب، هم قوم من البشر حقّاً وهم قوم عاد.. ومعنى عاد: عقرب أو البشر العقرب. يقول الوردي: "أهمّ أثر وصل إلينا هو نصب Kuduru
أيْ نبو خذْ نُصّر الأوّل، وهو الآن في المتحف البريطاني، ويرجع تأريخه إلى القرن الثاني عشر ق. م.، إذ نجد فيه (البشر العقارب)، وعلى رأسه ما يشبه الطربوش وجسمه عقرب، ورجلاه رجلا طير كاسر، ربّما نسر) (حول رموز القرآن – الجزء الأوّل، من ص:151-220).
بعد رحلة شاقة في أنفاق الجبال المظلمة يصل كلكامش إلى حانة سيدوري.
كان الباب موصداً. رغم ذلك، بات الباب بمثابة مرآة تهويلية، لتبشيع كلكامش هيئةً وملبسا.ً
أغلقت سيدوري باب الحانة وهو المفتوح عادة لكل زائر، بوجه كلكامش الأشعث. تصورته قاتلاً ويلبس جلود الحيوانات الوحشية. هددها كلكامش بتحطيم الباب وكسْر المدخل. لم يحطّم الباب ولم يكسر المدخل. ربما لم يعد كلكامش يلتجئ إلى القوة. ربما اعتقد أن القوة تقود الى التهلكة، فلجأ إلى العقل. قدّم لها نفسه وعلّل ذبول وجنتيه وامتقاع وجهه. سَرَد عليها كذلك كيف مات أنكيدو، وكيف وصل به الحزن إلى درجة الخبال. كانت جثّة أنكيدو مسجّاة أمامه، ستة أيّام وسبع ليال:" معلّلاً نفسي بانه سيقوم من كثرة بكائي ونواحي عليه".
ربما اطمأنت سيدوري إلى كلكامش، بانبهار، حين رأته بتلك الصورة من الضعف البشري، ففتحت له باب الحانة. دخل مخذولاً ومشدوهاً، وكأن الموت ماسك بثوبه. عاملته سيدوري كطفل، وأعطته مبادئ الحياة. بسيطة بساطة جدول الضرب، ولكنه أساس كل عملية رياضية عليا، وهو صدى لجدول ضرب شمهات مومسة المعبد المقدسة الذي علّمته لأنكيدو، مع الفارق.
ثم بعد ذلك دلّته كيف الطريق إلى أوتو – نفشتم، ذلك الإنسان الميت الحي. ما من باب يقود إليه. لا باب للبحر. وبحر أوتو- نفشتم هو بحر الموت، فأيّة حاجة للباب!
ما من باب في مسكن أوتو-نفشتم. مسكنه مفتوح كالمقابر الصحراوية. كلّهاأبواب وما من باب. يقع المسكن وراء بحر الموت، وخارج نطاق الزمن. المكان راكد. الزمن راكد. الخلود راكد. واوتو-نفشتم كومة لحم راكدة ممددة على ظهرها. ومثلما اشمأز انكيدو من العالم السفلي من قبلُ، اشمأز كلكامش الآن، من مشهد الخلود المتعضي اليابس.
ربما اقتنع كلكامش أنْ لا اهمية للخلود إذا كان على تلك الصورة المهينة، وأن الكلّ باطل وقبض الريح. مع ذلك، لم يبق امام كلكامش إلاّ امتحان واحد، ويتعرّف بعده على سرّ الخلود. هيّن للغاية، ولكنه في ظروف كلكامش، من اصعب الامتحانات.
كل ما طلبه أوتو-نفشتم، من كلكامش أن لا ينام ستة ايام وسبع ليالٍ، ولكنه حتى وهو جالس أمامه تأخذه سنة من نوم و"يتسلط عليه النعاس كالضباب"، فينام ستة أيام وسبع ليال.
شابه نوم كلكامش وهو حيّ هنا، صاحبه انكيدو ساعة كانت جثّته مسجّاة لستة ايام وسبع ليالٍ.
إلاّ أن زوجة أوتو-نفشتم قالت لزوجها:
إيقظ الرجل دعْه يعود سالماً من حيث اتى ليعُدْ إلى وطنه من الباب الذي خرج منه. ما الذي قصدته زوجة أوتو- نفشتم: بالباب الذي خرج منه؟ هل قصدت الباب ذا المزاليج السبعة ؟ وكان أهالي أوروك قد تجمعوا هناك لتوديعه؟
عاد كلكامش إلى اوروك مع الملاّح أور-شنابي. ما من أحدٍ في استقباله. ما من صوت أو نأمة بأوروك. ما حلّ بالسكان؟ قال كلكامش، ربّما مخذولاً ومنكسراً:
"إصعد يا أور- شنابي- وتمشّ فوق أسوار أوروك
أفحص أسس أسوارها، ودقّق في آجرّ بنائها
وتأكد أليس هو من الآجر المفخور؟
ألمْ يضع الحكماء السبعة أسسها..." هكذا استحال كلكامش من ملك يمجّده الراوية في أول الملحمة، و أمام جمهور واسع، إلى راوية في نهايتها، ليس له إلاّ مستمع واحد هو الملاّح أور- شنابي الذي لا يعرف من الحياة البشرية، إلاّ بحر الموت.


افضل مساحة للإعلان..راسلنا الان زواج






من مواضيع العضو :
  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة




forum xml threads xml RSS
الساعة الآن 08:26 AM.


Powered by vBulletin V3.7.2. Copyright ©2000 - 2008

Search Engine Optimization by vBSEO 3.2.0