السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ينتظر الفلسطينيون كغيرهم حلول شهر رمضان المبارك عليهم، هذا الشهر الفضيل ذو النكهة الخاصة عند الجميع، لكن رمضان هذه المرة ليس له مثيل على الإطلاق في فلسطين، فقد حل علينا وسط ظروف هي الأسوأ في تاريخ الأراضي الفلسطينية، لا بل في تاريخ رمضان، على حد سواء.
يقضي الفلسطينيون شهر رمضان المبارك بصورة تختلف تماما عنها في سائر بلاد العالم، فالصائمون في فلسطين المحتلة بدلا من أن يتناولوا طعام الإفطار على صوت مدفع الإفطار فإنهم يتناولون طعامهم على صوت صواريخ الأباتشي والدبابات والآليات الصهيونية التي تقتل وتدمر الحجر والشجر والإنسان إنهم يقضونه تحت قصف المدافع وأزيز الطائرات وهدم المنازل، فنفحاته المباركة تعكرها قذائف المدفعية وطائرات الأباتشي (الأمريكية الصنع)، وتقطعت زيارات الأرحام فيه جراء تقطيع الاحتلال أوصال الأراضي الفلسطينية بحواجزه البغيضة؛ التي تجعل من التنقل والحركة مغامرة قد تكلف المرء حياته. وبدلا من الزينة التي تعود الفلسطينيون استقبال الشهر الفضيل بها، أصبحت صور الشهداء والمعتقلين هي التي تزين جدران المدن والقرى والمخيمات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وعلى مر العصور واختلاف الأزمنة وأمام رحى هذه الحاله احتفظ رمضان فلسطين بسمات وعادات ومظاهر ثقافية خاصة تناقلتها وتوارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل وبقيت خالدة في ذاكرة التاريخ.
تبدأ فلسطين في الاحتفال بشهر رمضان بمجرد رؤية هلاله (سواء في فلسطين أو في بلد مجاور عملا بمبدأ وحدة المطالع)، حيث تصدح المساجد بالدعاء والابتهالات معلنة الصيام، ويتجه المسلمون إلى المساجد ليؤدوا صلاة التراويح، وتخرج جموع الأطفال تحمل الفوانيس التي تعد من التقاليد القديمة السارية المفعول حتى اللحظة، ويحرص أولياء الأمور على إدخال البهجة على نفوس أطفالهم من خلال شرائها لهم.
مسحراتي ومدفع
كثيرةٌ هذه العادات الفلسطينية الرمضانية التي تندمج مع روح العصر وتتأقلم معه محافظة على سماتها وأصالتها.. ومن بين هذه العادات قيام "كبير العائلة" أو من ينوب عنه بزيارة أرحامه وتقديم الهدايا بمناسبة حلول الشهر الفضيل، وغالباً ما يتم هذا الأمر بعد الإفطار.
وكغيرها من البلدان تصحو فلسطين على صوت "المسحراتي" بطقوسه المصاحبة لقدومه كالنقر على الطبل بقوة، وذكره لله عز وجل، والأناشيد الرمضانية العذبة التي تُوقظ النيام: "اصحى يا نايم.. وحد الدايم"، وتشعرهم بجمال هذا الشهر وأهمية "المسحراتي" بعيداً عن نغمات الجوالات المتعددة والمختلفة.
المائدة الفلسطينية
ويتميز الشعب الفلسطيني منذ عقود طويلة عن غيره من الشعوب بأصناف معينة من الطعام والشراب في شهر رمضان. وتكاد تتسم كل منطقة بنوع معين من الأكلات فها هي المقلوبة والسماقية والمفتول والقدرة تغزو موائد غزة، بينما يتربع على عرش موائد الإفطار في الضفة الغريبة المسخن والمنسف، ولا تخلو موائد الإفطار الفلسطينية من المتبلات والمخللات بأنواعها والسلطات المختلفة لفتح الشهية بعد صوم عن الطعام طوال النهار.
كما أن تبادل الإفطار الأسري برنامج لا يغيب عن أجندة العائلات الفلسطينية في شهر رمضان وتتفنن ربات البيوت في إعداد الأكلات والتباهي بأشهاها. وبالطبع فإن التمور بمختلف أشكالها وأنواعها عروس مائدة الإفطار الفلسطينية.
وإلى جانب التمور تصطف المشروبات بألوانها والتي يأتي في مقدمتها "شراب الخروب" وهو شراب يباع عادة في فلسطين في الساحات العامة والأسواق، أما في شهر رمضان الكريم فالأمر يختلف فيدخل هذا الشراب غالبية المنازل الفلسطينية وإلى جانبه تصطف أشربة (عرق السوس، وقمر الدين، والكركديه، والعصائر بأنواعها).
أدعو الله العلي الكبير أن يوحد قادتنا العرب على الخير والاصلاح وأن يوحد قادتنا الفلسطينيين وأن يجمع ما بينهما على الخير وعلى مصلحة الوطن والشعب .. أدعو الله أن يفرج الهم والكرب عن فلسطين والحزن والقهر وأن يرحم موتانا وشهداءنا الأبرار ويتقبلهم في عليين ويلهم ذويهم الصبر والسلوان .. وأن يمنح أسرانا وذويهم الصبر والثبات ويفرج كربتهم ويفك أسرهم عاجلا غير آجل بإذن الله .. وأن يشفي جرحانا ومرضانا .. وأن يعيد مبعدينا ومغتربينا وأن يجبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ..
اللهم آمين