رسالة لمواجهة المصائب
حتى لا تسقط فريسة اليأس
الخيَّاط خليفة -
coody_1991@hotmail.com يكتشف كلُّ صاحب إرادة سلاحًا داخل ذاته يستطيع به مواجهة صِعاب الحياة وشدائدِها، وتراه يبحث دائمًا عن مواطن قوته؛ ليسير بقدمين ثابتتين على طريق الأمل، فما بين عُسر الحياة ويُسرها تمضي بنا الأيام، والعاقل من يستمد من قسوة التجارب طاقة يستعين بها على مواصلة الحياة، معاهدًا نفسه ألا يلتفت إلى انكسارات الماضي؛ فكما يقول الشيخ الدكتور عائض القرني:
"تذكُّرُ الماضي والتفاعلُ معه واستحضارُه، والحزنُ لمآسيه، حمقٌ وجنونٌ، وقتلٌ للإرادةِ، وتبديدٌ للحياةِ الحاضرةِ. إن ملفَّ الماضي عند العقلاء يُطْوَى ولا يُرْوى، يُغْلَقُ عليه أبداً في زنزانةِ النسيانِ، يُقيَّدُ بحبالٍ قوَّيةٍ في سجنِ الإهمالِ، فلا يخرجُ أبداً، ويُوْصَدُ عليه فلا يرى النورَ؛ لأنه مضى وانتهى، لا الحزنُ يعيدُهَ، ولا الهمُّ يصلحهُ، ولا الغمَّ يصحِّحُهُ".
بالأمل لا تتوقف محاولات المرء لإدراك ما يصبو إليه، وبتخطّي حاجز اليأس يزداد إحساسه بأنه على وشك الوصول، وإنْ تكرر الإخفاق، الأمر الذي يزيده إصرارًا، ويملؤه ثقة؛ فغاية الإنسان أن يبلغ ما يدفع في مقابله جهدًا ومثابرة يساويان قدر فرحته وسعادته بتحقيقه.
يقول عليُّ بنُ جبلةَ مستشعرًا اليسر والفرج رغمَ الشدة والضيق:
عسى فرجٌ يكونُ عسى نعلّلُ نفسنا بعسى
فلا تقنط وإن لاقيْــت همّاً يقبضُ النَّفسَا
فأقربُ ما يكونُ المرْءُ مِنْ فرجٍ إذا يئسِا
أما المؤرخُ والأديبُ المصري أحمدُ بنُ يوسف فيقول "وقدْ علم الإنسانُ أن سُفورَ الحالةِ -أي انكشاف الغُمَّةِ والشدَّةِ- عن ضدِّه، حَتْمٌ لابدَّ منه، كما علم أنَّ انجلاء الليل يسفرُ عن النهار، ولكنَّ خور الطبيعةِ أشدُّ ما يلازمُ النفس عندَ نزولِ الكوارثِ، فإذا لم تُعالجْ بالدواءِ، اشتدّتِ العلةُ، وازدادتِ المحنةُ؛ لأن النفس إذا لم تُعَنْ عند الشدائدِ بما يجدّدُ قُواها، تولَّى عليها اليأسُ فأهلكها".
كثيرًا ما حاول اليأس أن يُحكم قيودَه حول معصمي كلّ راغب في النجاح، ومع كل مرة كان هؤلاء يسارعون إلى تحرير أنفسهم من ذلك الأسر، ويتّخذُون من التفاؤل مفتاحًا تتهاوى أمامه كل القيود، وتهون به كل الصِّعاب، حيث جعلوا الأمل نورًا يبدّد الظلمات، واتخذوه أداةً أدركوا بها حظّهم من بهجة الحياة.
راية التحدي
كثيرون هم من وقفت في وجوههم الصّعاب والمشكلات، لكن الرابحين منهم من نَحَّوا اليأس جانبًا، وملأ التفاؤل نفوسهم، حتى وهم في ذروة المعاناة، حيث آمنوا بأن الفرج يولد من رحم الشِّدة. لمْ يتركوا ريح الأزمات تهزمهم، وكانوا إذا ما أسقطتهم الريح، سارعوا على الفور إلى النهوض مرة أخرى، واقفين في وجه الشدائد من جديد، ولسان حال كل واحد منهم يقول "ستنهزم أمام صمودك كلّ المشكلات مهما كانت قاسية، وستخرج منتصرًا، إذا ما تسلحت بالأمل والصمود والتحدي، وما أن يطوي الماضي تلك التجربة بقسوتها ومرارتها، ستستدعيها ذاكرتك، وبعد أن تمر عليها مرور المتأمل، سترتسم على شفاهك ابتسامة الرضا عن نفسك، وستكتشف أنك أقمت داخل ذاتك جدارًا من الثقة لا تستطيع أيَّة معاناة أن تخترقه أو تتجاوزه".
يُحكى أنَّ أحدَ الحكماءِ ابتُليَ بمصيبةٍ، فدخلَ عليه إخوانُه يعزُّونَهُ في المصابِ، فقال "إني عملتُ دواءً من ستةِ أخلاطٍ. قالوا: ما هي؟ قال: الخلطُ الأولُ: الثقةُ باللهِ. والثاني: علمي بأنَّ كلَّ مقدور كائنٌ. والثالثُ: الصبرُ خير ما استعملهُ الممتحنُون. والرابعُ: إنْ لم أصبرْ فأيًّ شيء أعمل؟! ولم أكنْ أُعين على نفسي بالجزع. والخامسُ: قد يمكنُ أن أكون في شرٍّ مما أنا فيه. والسادسُ: من ساعةٍ إلى ساعةٍ فَرَجٌ".
وها هو الشاعر التونسي "أبو القاسم الشابي" أراد مخاطبة كلّ راجٍ لهدف أو غاية، مطالبًا إيّاه بالصمود وتخطّي كلّ الحواجز التي تقف حائلاً بينه وبين هدفه قائلاً له:
إذا مـا طمحْتُ إلـى غاية لبسْتُ المُنى وخلعْتُ الحذُر
ومنْ لا يُحبّ صعودَ الجبال يعـشْ أبدَ الدّهر بينَ الحُفَر
زاد الرحلة
يقول حكيم فارسي: "ما شكوت الزمان ولا برمت بحكم السماء، إلا عندما حفيت قدماي، ولم أستطع شراء حذاء، فدخلت مسجد الكوفة وأنا ضيق الصدر، فوجدت رجلاً بلا رجلين؛ فحمدت الله، وشكرت نعمته عليّ".
نعم إنها رحلة الحياة التي يعايش الإنسان كلَّ تفاصيلها، يفرح ويحزن.. ينعم ويشقى.. ينتصر ويُهزم؛ فهي لا تعرف السير على وتيرة واحدة، ولا تستقر أبدًا على حال، وبما أن الرحلة طويلة، فلابد أن يحرص كل مسافر فيها على التزود بما يعينه على مواصلتها، وخير زاد لهذه الرحلة هو الثقة بالله، والأملُ في غدٍ أفضل، مهما كانت قسوة الحاضر، ورفعُ شعار التفاؤل الذي ينهزمُ أمامه عدوان اليأس؛ فالحياة مستمرة، والرحلة متواصلة، وما كان لبشرٍ أن يهرب مما كُتب له، وخير لنا أن نرضى بدلاً من أن نقنط، وأن نتسلح بالتفاؤل، بدلاً من أن نسقط فريسة لليأس.