دولة "قابلة للحياة .. قابلة للموت"
لا برق من غير رعد..
لا مطر من غير سحاب ..
لا قتل من غير فتنة..
هنا تكمن الحقيقة بكل أبعادها . أن نخضع لها ، ألا نغطيها وندفنها تحت أكداس الوهم والمواربة والتجميل الآني .
الحقيقة ، قد تكون مؤلمة ، قد تلهب بعض ردود الفعل عند أفراد يأخذون الأمور على غير وجه حق .. أو عند آخرين مرتبطين بالتخاذل او بذيل الدولار .
محوران مدهشان ، على الساحة ، بحاجة الى التداول الفكري ، والتبصر في ما سيأتي من أحداث ، بعيدا عن قلق الأحكام المسبقة والتكهنات غير الواقعية.
المحور الأول: الصورة التي يرى فيها الرئيس الأمريكي نفسه ، كمخلص للبشرية من شرورها ، وكمبشر بما يقول إنها الحرية والديمقراطية.
المحور الثاني: مطلب أو رغبة الغائب شارون، رئيس وزراء “اسرائيل” السابق في انشاء “دولة فلسطينية” خلال 30 شهرا ( مضى منها حتى اليوم 17 شهرا ) ...
بوش و”أوامر الرب”
بداية، نتحدث عن الرئيس الأمريكي جورج بوش “الابن” الذي يكرر القول عن انتصار وهمي في حربه بافغانستان والعراق، والمقاربة الدينية لأحاديثه ، وفق ما قاله لأحد المسؤولين الفلسطينيين بأن “الرب” أمره بإنشاء دولة فلسطينية الى جانب “اسرائيل”. وأن الرب أوصاه بحماية “اسرائيل”.. وأن يحارب الإرهاب مهما كان الثمن.. !!
كل ذلك يجب ألا يغيب تلك الصورة التي كان عليها بوش “الأب” حينما ارتدى سترة عسكرية عليها “خريطة العالم” وكأنه كان يسعى أو يتمنى أن يكون زعيما للعالم، أو الشرطي الوحيد، حارس الديمقراطية والحرية، مهما كان الثمن.. أيضا.
إلا أن حرب الخليج الثانية “غزو الكويت وتحريرها” وما حملته تلك الحرب من أوزار وآثام، مازالت أسرارها طي الكتمان، بدءا من خروج القوات العراقية من الكويت و”خيمة صفوان” وانتهاء بالحرب الثالثة واحتلال العراق، وما الى ذلك من غياب أو تغييب “أبطال” كثيرين في تلك المعارك، ويدل ذلك على حجم الأسرار والمخاوف التي قد تحدث حين انكشافها..
إن طموحات بوش “الأب” لم تتحقق خلال رئاسته، وهذا ما يدركه “الابن” الذي حول الأمر كله الى قضية “شخصية” بذرائع شتى، لا تعرف حتى اللحظة من الذي ادخلها في رأسه وأحلامه.. قضية “وحي من الرب” إن جاز التعبير، يأمره بالحرب ، في أفغانستان، وفي العراق. ويأمره بحماية “اسرائيل”..
الرئيس بوش “الابن” لم يخرج عن المنظومة “العقدية” أو منظومة الذين قادوا أمريكا ووضعوها على شفير حروب لن تنتهي بسهولة، إنه ينطلق من مبدأ “الأنا القوي” ومن مبدأ “الذي ليس معي فهو ضدي” ومن نتائج الغرور ب “التقنية العسكرية” المشهود لها..
لكن السؤال المهم هو: ألم يأمر “الرب” عبده بوش الابن بنشر السلام والطمأنينة والرحمة؟ أم أن الأمر جاء بمفهوم “توراتي” كان يأمر بالقتل والبطش كما حدث في الأيام الأولى حين دخل “بنو اسرائيل” أرض كنعان، فأمرهم الرب بقتل كل رجل وطفل وامرأة وشيخ، وقتل الشجر والبقر.. “سفر أشعيا”.
لماذا لم يأمر الرب عبده بوش بتدمير كوبا مثلا؟!
الصورة برمتها لا تثير الاستغراب أمام ما نراه اليوم من استباحة للتاريخ والجغرافيا في منطقتنا العربية، فالقتل والدمار والخراب على أشده في فلسطين والعراق، على أيدي “الاسرائيليين” وجيشهم الذي جاء أفراده من كل لون وعرق، وعلى أيدي القوات الامريكية في العراق حيث جاء بوش الابن ايضا بمرتزقة من كل صوب ولون، وآخرهم من امريكا اللاتينية.
.. أليس هذا هو “تهافت الأمم علينا”؟!
ما الذي دفعهم لفعل ذلك؟!
يقول قائل: لو كنت مكانهم لفعلت ما فعلوا..!
لماذا..؟
لأن المنطقة تمور بالتاريخ والثروة، بالوجدان، بالنقاء الفطري، بكل ما يعني العالم من مفاهيم وحضارة.. إلا أن الجغرافيا اختلفت، منذ ثورة الشريف حسين مرورا بوعد بلفور وسايكس بيكو وحسين/ مكماهون، والعدوان “الاسرائيلي” وانتهاء ب “الدولة الفلسطينية” القابلة للحياة!
أي أن المنطقة منذ 1948 تحديدا، كانت ثمرة هزائم فكرية واخلاقية وثمرة خيانات وجهالات دفعت ثمنها أجيال عدة. وكلما تبزغ شمعة لتضيء العتمة يتكالب عليها الآخرون.. بظلمهم وظلامهم.
وعلى الصعيد البشري، حدث ولا حرج عن حجم تلك العداوات بين شعوب المنطقة “العربية” وعن الحدود والصدود والقيود.. عن الاتهامات بالخيانة، عن الخيانات بحد ذاتها..
الذي نواجه، هو ثمرة ما زرعنا، وحولنا الهزائم الى دعاء ورجاء، وأطلقنا مسميات ناعمة على انكساراتنا، وتم استغلال ذلك في الصعود الى العروش، على اكتاف القضايا الجوهرية والشعوب المقهورة.
دولة شارون
لو استطعنا امتلاك ميزان حقيقي لقياس المكاسب والخسائر من علاقاتنا بالعدو الصهيوني.
لو استطعنا ان نفكر بما هو أبعد من الأنف قليلا لرأينا الصورة أوضح.
لو استطعنا أن نفهم الفكر التوراتي الذي يحكم “اسرائيل” ومعظم الغرب لأدركنا أن كل خطوة منهم محسوبة بدقة متناهية، فهم حين يلقون حجرا في بركة ماء يدركون سلفا عدد الدوائر ومساحاتها الناجمة عن ذلك الحجر.. !
من غرائب الأمور أن يطالب “عدونا” بإنشاء دولة فلسطينية خلال 30 شهرا.. ومن غرائب الأمور أيضا أن يكون هناك مسمى “ دولة قابلة للحياة ”.
.. ألا يعني ذلك أنها قابلة للموت أيضا ..!
الغريب أيضا أن يتم الحديث عن تمويل لربط الضفة والقطاع بخط سكة حديد أو طريق بري سريع أو عبر نفق .. !
هذا الأمر تطرقت إليه شخصيا منذ 30 عاما، حين كتبت مقالا في صحيفة خليجية بتاريخ (12/8/1974) تحت عنوان “مصاعب أمام قيام الدولة الفلسطينية” اعتبره كثيرون وقتها ( على رأسهم ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في ذلك البلد) خروجا عن المألوف ودخولا في “المحرمات السياسية”. أهم ما جاء فيه تصوري لدولة في الضفة وغزة ، وكيفية ربطها بالأساليب الثلاثة ( قطار، طريق سريع، نفق) وترجيح الحل الثالث لأسباب عدة تؤكد عليها “اسرائيل”، وفي المقال أيضا اجراءات وخطوات مقترحة، وراهنت وقتها على الديمغرافيا الفلسطينية ، وهذا ما شهدناه ونشهده اليوم بالتفصيل الدقيق .
الأمر لم يكن نبوءة ، بل كان قراءة صحيحة للحال ، ورؤية شفافة للمستقبل .
الأهم من ذلك أن شارون كان يريد” دولة فلسطينية.. لماذا؟!
نقول من جديد ، إن المتغيرات تفرض ذلك، والانسحاب من غزة ما كان بسبب المقاومة وحدها فحسب ، بل لظروف اجتمعت وساعدت على ذلك ، منها التطور التاريخي وسقوط مفهوم الجغرافيا (من الفرات الى النيل) لدى الكيان ، والتطور الديمغرافي الفلسطيني في الوطن التاريخي، كل ذلك يؤكد الحقائق التاريخية والجغرافية، فعلى مدى 55 عاماً لم تستطع “اسرائيل” ان تدخل ضمن وجدان المنطقة ( رغم عدد اليهود من أصل عربي )، بل بقيت جسما غريبا عنها، وستبقى كذلك مهما فعل الصهاينة أنفسهم، أو مهما فتحت أبواب التطبيع أمامهم.. فالمحصلة واحدة.. وليس أمام “اسرائيل” الآن من خيار إلا العودة الى سالف الوقت ونظام “الجيتو” المتمثل في الجدار العنصري الذي يقيمونه حول أنفسهم وليس حول الفلسطينيين ..!
ثمن الدولة
لكن، ما هو الثمن الحقيقي للدولة التي تريدها لنا أمريكا واسرائيل .. ؟؟
هل ستكون بوابة “اسرائيل” للوطن العربي “الاستهلاكي ومنتج النفط”؟
أم ستكون ساحة لحرب أهلية داخلية مستعرة بين الفلسطينيين أنفسهم ، أو بينهم وبين (مصر والاردن) مع الأخذ بعين الاعتبار الاوضاع السابقة لحرب حزيران 1967 ..؟
الأدلة تقول إن أمريكا واسرائيل تلقيان بالحجر في المياه الفلسطينية والعربية، وتتفرجان على الدوائر المتناسخة ..!
نقول: “اسرائيل” خرجت من غزة “شكلا” وفرضت حصارا وتركت احتلالاً من نوع آخر، أهم من الاحتلال العسكري والمستعمرات، تركت بذور فتنة، وبعض الذين يطلقون الرصاص على صدور الفلسطينيين، تركت عملاء وجهلة، يفجرون ويتهمون الآخر ويخطفون تحت مسميات عدة، في الوقت الذي يطالب فيه المخلصون بأن يقف الفلسطينيون يدا واحدة لإعادة البناء والكرامة والانسانية للفلسطيني الذي كابد الاحتلال والمنافي .
شارون لم يكن عابثا الى درجة المناداة بدولة فلسطينية من دون ثمن أكبر ..
ما هو الثمن يا ترى؟
هل تتكرر الصورة الراهنة في العراق . أم تعود الصورة التي كانت في لبنان أيام الحرب الأهلية، أم أن الأمر سيكون أكبر بكثير؟ خصوصا بعد الرفض الاسرائيلي المطلق للحكومة الفلسطينية ..
الأيام القليلة المقبلة ستكشف ما ذهبنا إليه..
ونسأل الله ان يبث الطمأنينة والأمن..
فانتبهوا ..(تحياتي لكم)