(الحب والهوى)
(الحب والهوى)
يحتاج التعبير عن الأشياء لاستخدام معظم حروف اللغة، فالتعبير عن فكرة يحتاج إلى صياغات لغوية لاحصر لها وإن تجيب عن أسئلة تحتاج إلى انتقاء الكلمات المناسبة لصياغة الجواب. لكن عن تعبر عن مشاعر وأحاسيس لاتحتاج سوى إلى حرفين في اللغة (حب) للدلالة على العواطف وما يختزن القلب من الأحاسيس تجاه الآخر. فهل إن الحروف والصياغات المستخدمة للتعبير عن الأشياء والأفكار صادرة عن حالة الوعي؟ لذلك لاتتبع مسالك العفوية في التعبير ساعية لتأكيد صدقها بالصياغات اللغوية المحكمة غير القابلة للتأويل، لأنها نتاج عن حالة الوعي المدرك لماهية الفكرة وأبعادها والمسالك الواجب إتباعها لتأكيد صدقها.
في حين أن الحب، هو نتاج عن حالة اللاوعي، والعفوية المفرطة التي لاتخضع لقواعد وصياغات اللغة وإنما إلى منظومة القلب منبع الإحساس والعاطفة التي لاتشترط إثبات صدقها من عدم صدقها. إنها تحمل بين طياتها صدق دعواها من خلال التعبير عنها بالحواس الخمسة فنظرة مليئة بالإحساس تكفي للتعبير عن الصدق. ولمسة عطف واحدة تكفي لإشعال حرائق في منظومة الجسد ومفردة لغوية واحدة تنطق، قادرة أن تجرف من أمامها كل حواجز الممانعة. وإن تتذوق لعاب الآخر عبر الشفاه، يكفي لارواء كل مساحات الجسد العطشى. وإن تستنشق عطر النفس تتفتح كل براعم الزهور النائمة في دهاليز الروح لتبدأ ربيعها غافلة استحقاقات الفصول الأخرى، أما أن تسمع عذوبة الكلام يعني أنك تغرق في عالم الموسيقى وتغريد طيور الحب........!.
يكتشف ((عبد القادر الناصري)) علاقة الحواس مع الروح في الحب قائلاً:
"أحبك، هل علمت، سلي دموعي...........على كفيك لو سئلت تبدح
أحبك هل علمت، بأن روحي..............على شـفتيك ذائبة تنوح".
إذا كان الحب، عفوي بهذا القدر أو ذاك فإن علاقة الحب ليست كذلك فهي تحتاج لاكتشاف القنوات العاطفية المغذية لبذرة الحب فكلما تدفقت ينابيع الأحاسيس والعواطف أكثر نحو بذرة الحب، كلما توسعت مساحة الحب واكتسحت مساحات التصحر في الروح فتسعد النفس بربيعها بعد فصول لاحصر لها من شتاءات أطفئت وهج الأيام والسنين وحولت غابات العمر إلى صحاري تعاني من عطش الأيام!.
فالحب الذي يخلو من عبقرية اكتشاف مسالك العلاقة ليس حباً ينهل من جنون العشق مفردته لأن الحب أحد طلاسم الجنون وما لم يصبح المرء مجنوناً لايمكنه فك تلك الطلاسم التي لاتمنح أسرارها سوى للمجانين!.
يجسد ((علي الخطيب)) تلك الرؤية في الجنون قائلاً:
"أحبك حباً جلًّ شأناً عن الهوى..............به النفس من أدرانها تتجرد
أحبـك حبـاً عبقريـاً مؤاتياً...............يوضع من الأوضاع لايتقيد
وحبـً وديـعاً هادئـاً مترفقاً................وحبـاً جنونياً يغار ويحقد".
إن تسمو علاقة الحب لتصبح عشقاً وجنوناً، فهي شيمة من شيم العشاق لايفقه شرائعها سوى من ابتلى بداء العشق. وأتقن فن فك الطلاسم ونهل من طعم الجنون فناً وقدرة على فك معادلات الأواصر وقراءة طلاسم الحب فيصبح شاعراً تسبقه الكلمات والمعاني قبل أن يسبقها في التدوين والإلقاء.....إنها فقط من خاصة المعشوق تصف جماله ورقته وعذب كلامه وتضفي عليه سمات تقترب أكثر من سمات الأقدار.
يعبر عنها ((حافظ الشيرازي)) قائلاً:
"شيمة العاشقين في الحب لطف..........وغلو في المدح والإطراء
وتفانٍ تسمو به الروح في الخلد..........سمو الأبـطال والشهداء
لا كلام تسـوده غـلظة القول..........ووعـظ يـليق بالأنبياء".