جلست أمه على ركبتيها لتتناسب مع قصر قامته، ترتب هندامه الأنيق، ولم تزل نصائحها تترى على مسامعه.. توصيه أن يحافظ على ملابسه نظيفة أنيقة ومرتبة، وعلى شعره مسرحاً، وأن يتجنب اللعب مع الأطفال المشاغبين، وأن يسمع كلام المدرسة، وأن يأكل شطيرة الجبنة، وألا يضيع مصروفه سدىً.. وأن.. وأن..
وهو يهز رأسه في رتابة، وعيناه التي لم يفارقها الكرى بعد شاردة في ملكوت آخر..
فهو مقبل على عالم جديد..
عالم مليء بالمفاجآت والحكايات والألعاب الجميلة والممتعة كما وعده أخوه الكبير..
عالم مليء بالمدرسين القساة الذين يضربون الأولاد الصغار كما حذره أخوه الذي يكبره بعامين..
رسم له أخوه المناحة التي تُقام في هذا اليوم من العام بالضبط بكل تفاصيلها، والدموع الغزيرة، والمخاط المتدلي من الأنوف، والمدرسات القاسيات ذوات الشفاه الغليظة، والحواجب الكثة، والمعلمين الغاضبين دوماً..
عالم لا يعرف عنه إلا أنه سيخطفه من وسط أهله..
يمضي نصف نهاره بعيداً عن البيت..
بعيداً عن أولاد الجيران..
بعيداً عن كرته ومسدسه الصغير..
بعيداً عن التلفاز ومشاهدة الرسوم المتحركة..
أحس منذ الوهلة الأولى بقلبه يرتجف، وهو يتخيل نفسه في منأى عن والدته وكل من يحب..
انتهت هي من ربط حذائه الجديد، وأخذت تنظر إليه من بعيد بإعجاب وعلامات الفرح ترتسم على وجهها في حنان، فأقبلت على خده تلثمه..
وانهارت دموعها رغماً عنها.. فأخذت تخفيها عنه في سرعة.. فقال في تساؤل:
- "لماذا تبكين يا أمي؟ هل ستذهبين إلى المدرسة أنت اليوم أيضاً؟"
ابتسمت في حنان وهي تضمه إليها في قوة قائلة في لهجة تماثل لهجته:
- "أنا لا أبكي يا حبيبي.. هذا غبار قد علق بعيني فجعلها تدمع..
ثم من قال لك أن من يذهب إلى المدرسة أول يوم لابد أن يبكي؟!!.. الأولاد المهذبون لا يبكون عندما يذهبون إلى المدرسة.. وخصوصاً في اليوم الأول"
- "لكن من سيذهب معي.. أنا أخاف أن أذهب وحدي"
- "سيأخذك أخوك في طريقه.. ولكن عليك بعد ذلك أن تعتاد الذهاب والإياب وحدك"
سألها ثانية:
- "وماذا أفعل إذا أراد أحد الأطفال سرقة أقلامي؟"
- "اشكه للمدرسة، وهي ستتصرف معه.."
- "وإذا حاول أحدهم ضربي بعد انتهاء المدرسة؟"
- "اشكه لأخيك في المدرسة وهو سيعاقبه على فعلته.. ولن يفعلها ثانية.. المهم لابد أن تكون ولداً مؤدباً.. فاهم؟!"
أومأ برأسه إيجاباً وهو يفكر ثم قال فجأة:
- "إذا جاء العراقيين وقصفوا المدرسة.. لمن أشكهم يا أمي؟!!"
نظرت إليه في دهشة.. وقد ألجمها السؤال فلم تُحر جواباً..
فضمته إليها في قوة هذه المرة، وهي تتمتم بخفوت..
- "حسبي الله ونعم الوكيل.."